إن المحاماة في أصلها الشرعي وكالة بالخصومة، والوكالة في الشريعة لا تجوز في محرم ولا في باطل. وقد تسللت إلينا في العقود الأخيرة ثقافة محاماة وافدة ترى أن المحامي “مقاتل مأجور” مهمته تبرئة موكله بأي ثمن، حتى ولو كان مجرماً يعلم إجرامه، بحجة أن “الإدانة مهمة الادعاء”. وهو منزلق خطير حول المحاماة من مهنة لإحقاق الحق إلى حرفة لتزييفه، وأبرز شواهده قضية أو.جي سيمبسون الشهيرة، حيث تم توظيف ثغرات إجرائية لتبرئة متهم أدانته كل القرائن المادية. هذا الميثاق يأتي ليرد المحاماة إلى أصلها الإسلامي: نصرة المظلوم، وضمان عدالة الإجراءات للظالم دون كذب أو تدليس. أولاً: التأصيل الشرعي الحاكم: 1. القرآن الكريم: • “وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا” [النساء:105] نهي صريح للمحامي أن يكون خصيماً عن الخائنين. • “وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ” [النساء:107] • “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” [المائدة:2] 2. السنة النبوية الشريفة: • قال صلى الله عليه وسلم: “من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع” رواه أبو داود. • وقال: “إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها” رواه البخاري ومسلم. وهذا أصل عظيم للمحامي: الحكم القضائي لا يحل الحرام. 3. القواعد الفقهية: • الوكالة في الباطل باطلة. • ما حرم أخذه حرم إعطاؤه وحرم التوكل فيه. • درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ثانياً: مبادئ الميثاق المقترح (10 مواد): المادة 1: المحاماة رسالة عدل قبل أن تكون مهنة كسب، وغايتها إظهار الحق لا إخفاؤه. المادة 2: يحرم على المحامي أن يتوكل عن موكل يعلم أنه مبطل في دعواه، فإن تبين له ذلك أثناء الترافع وجب عليه أن ينصحه برد الحق، فإن أبى وجب عليه الانسحاب. المادة 3: يفرق بين نوعين من الدفاع: أ- الدفاع عن البراءة مع الشك: جائز بل مستحب. ب- الدفاع بالكذب وتلفيق الأدلة وشهادة الزور عن مجرم يقطع المحامي بإجرامه: حرام وهو تعاون على الإثم. المادة 4: حق المتهم في محاكمة عادلة وضمانات قانونية مصون، ولو كان مجرماً. للمحامي أن يطالب باحترام الإجراءات ومنع التعذيب وتوفير الدفاع، وهذا لا يتعارض مع الشريعة بل هو من صميم العدل الإسلامي. المادة 5: لا يجوز للمحامي إخفاء بينة إدانة دامغة أو طمسها أو تضليل القضاء عنها. المادة 6: الأتعاب لا تجوز على ضمان البراءة بالباطل، ولا يجوز الاتفاق على نسبة من الحق المغتصب بالباطل. المادة 7: سر المهنة مصون ما لم يكن ستراً لجريمة مستمرة أو خطر محدق بالناس. المادة 8: تقوى الله فوق مصلحة الموكل، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. المادة 9: المحامي المسلم قدوة، فلا يكذب ولا يماطل ولا يغش ولا يستغل ثغرات النظام لتعطيل العدالة. المادة 10: من حاز البراءة في الدنيا بباطل فإنه لا ينجو في الآخرة، وعلى المحامي تذكير موكله بذلك. ثالثاً: إطلاق حملة للتوعية: 1. على مستوى التأصيل: دعوة مجمع الفقه الإسلامي الدولي ورابطة العالم الإسلامي لإصدار قرار ملزم بهذا الميثاق. 2. على مستوى التشريع: إدراج هذه المبادئ في أنظمة المحاماة الخليجية والعربية كمادة “المحظورات المهنية”. 3. على مستوى التعليم: مقرر إجباري في كليات الحقوق بعنوان “أخلاقيات المحاماة في الشريعة” . 4. على مستوى الممارسة: ميثاق شرف يوقعه المحامي عند الترخيص، وجائزة سنوية باسم “جائزة العدل” للمحامي الذي يرد الحق رغم قدرته على كسبه بالباطل. *مكة المكرمة