رقصة التانجو التقنية بين الصين وامريكا.

المنافسة التقنية في الذكاء الاصطناعي AI تشبه رقصة التانجو فيها تقدم وتأخر وتقارب وتباعد وتناغم دقيق وإيقاع ممتع للراقصين، تتبادل فيه القيادة والتبعية، وتتبادل الأدوار ... الأمريكيون لا يجيدون رقصة “ التنين” الصينية 龙舞 والصينيون لا يعرفون رقصة “ الهيب هوبHip Hop “ الأمريكية. لكن رقصة التانجو التقنية تفرض نفسها وتتحدى الراقصين الصيني والأمريكي على حد سواء. رقصة التانجو في هذه المنافسة التقنية ليست مجرد حركة متناغمة بين راقصين، إنها علاقة معقدة بين طرفين يتبادلان الأدوار والإشارات ويختبران المسافة بينهما وشيء من التعاون وكثير من الذكاء في قراءة حركة الشريك المنافس وتوقع خطواته التالية. رقصة التانجو استعارة للمنافسة بين أمريكا والصين في ميدان الذكاء الاصطناعي، لأن كل طرف يراقب تقدم الأخر ويعيد حساباته وفق إنجازاته، ويسعى إلى محاولة أن يسبقه في تطوير النماذج الذكية، وتصنيع الرقائق الإلكترونية، وتطوير مراكز البيانات، واستقطاب العقول وتحويل الابتكار العلمي إلى قوة اقتصادية واستراتيجية. والملاحظ أن رقصة التانجو الصينية الأمريكية لا تجري على أرضية المرقص، لكنها على مسرح عالمي تتقاطع فيه التكنولوجيا مع المصالح الوطنية، وتتداخل فيه المنافسة التجارية مع اعتبارات الأمن القومي والنفوذ الدولي. أمريكا تحاول المحافظة على قيادة الرقصة، بصفتها تملك منظومة قوية من الشركات التكنلوجية ومراكز الأبحاث والجامعات المتقدمة والاستثمارات الخاصة، وقد ساهمت شركاتها في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، والحوسبة السحابية، وكذلك المعالجات المتقدمة، والبرمجيات التي أصبحت جزءا من حياة الناس اليومية للأفراد والمؤسسات (الجوالات، والنماذج الحاسوبية المتعددة) والصين لا تقف على هامش المسرح، بل إنها تعمل على بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي مستفيدة من قاعدة بيانات صناعية كبيرة، وسوق تجارية واسعة، وقدرات ومهارات هندسية وبحثية متطورة، كذلك استثمارات في التطبيقات الصناعية والخدمات الرقمية. تتمثل المنافسة بين الصين وامريكا في الذكاء الاصطناعي بأن الصين تركز عبر (نماذج مثل Deep Seek و Qwen من علي بابا على تقديم نماذج ذكاء اصطناعي اقتصادية، عالية الكفاءة، ومفتوحة المصدر لتحقيق انتشار عالمي واسع) بينما تتفوق أمريكا في النماذج الضخمة باهظة الثمن وقوة الحوسبة الخالصة. ومن (نماذجها Chat GPT من Open AI و Gemini من Google، ونماذج أخرى غالية الثمن). ويبدو أن المنافسة لا تعتمد فقط على امتلاك أكثر الحواسيب أو إنفاق الأموال، بل ربما تعتمد على كفاءة استخدام المواد وتصميم البرامج، والاهتمام بأساليب التدريب، وتطوير تطبيقات عملية بتكلفة تنافسية. ولا شك أن دخول الصين بهذه القوة يفرض على المنافس أمريكا إعادة النظر في افتراضاتها بشأن احتكار التفوق التكنولوجي، وربما لا تحتاج الصين إلى تقليد جميع خطوات رقصة التانجو للمنافس الأمريكي، لأنه يمكنها أن تختار ايقاعا آخرا ومختلفا، وأن تبتكر أساليب خاصة بها، وأن تستمر في نقاط قوة رقصتها التي تتناسب مع ظروفها الاقتصادية والصناعية. وهكذا تصبح رقصة التانجو أكثر إثارة، طرف يحاول المحافظة على قيادة وطرف يسعى إلى تغيير قواعد حركة الرقصة نفسها. والمتابع لهذه المنافسة، يجد أن المنافسة ليست محسومة لأي منهما، لأن التطور في الذكاء الاصطناعي ل ايقاس بمؤشر واحد، بل بمجموعة من القدرات منها جودة النماذج وتكلفة تشغيلها، وكذلك الرقائق المتاحة، والبنية التحتية، والابتكار، وقدرة التطبيقات على الانتشار والمهارة في تحويل الإنجازات التقنية الى قيمة اقتصادية مستدامة. قد تستمر الصين وأمريكا في رقصة تانجو تقنية طويلة، تتغير فيها الأدوار وتتنوع الإيقاعات وتتسارع الخطوات، لكن دول العالم لن تكون مجرد جمهور يشاهد الرقصة ويصفق للفائز، إنها شريك في النتائج ومتأثر بقرارات الطرفين المتنافسين. ويبرز السؤال الهام هل تكون رقصة الذكاء الاصطناعي رقصة تفوق وهيمنة أم رقصة ابتكار وتوازن؟ في تقديري أن الإجابة تحددها حكمة الإنسان من خلال تجربته، قلقه وقدرته على توجيه التكنولوجيا تجاه مستقبل أكثر امنا وعدلا وازدهارا، فالتقنية تستطيع أن تبتكر الخطوات والايقاعات، والإنسان يستطيع أن يكون مسؤولا ومشاركا في تحديد الوجهة ومحطة الوصول. Chmq2012@gmail.com