فصل من سيرة ذاتية (3)

الخروج عن النسق الثقافي السائد

إن أكثر الرواد والأفراد المبدعين الخارقين في كل العالم خلال التاريخ كله؛ قد مضَوا من غير أن يُستجاب لهم؛ ومع ذلك فإن التطور الحضاري يتوقف على القلة الذين يُستجاب لهم من هؤلاء الأفراد الخارقين؛ فالجنس البشري يسير على خطى القلة من الأفراد الرواد والمبدعين الخارقين؛ إن كولمبس بقي سنوات يستجدي أمراء وساسة أوروبا لتجهيز مغامرته ولم يجد من يستجيب له إلا بعد الحصار التركي لأوروبا؛ فقد وصل التهديد التركي إلى أبواب فينا؛ إن نجاح مغامرة كولمبس قد أسفرت عن الجيشان الأوروبي الذي تفاعل بمنتهى القوة وأدى في النهاية إلى ذلك التحول الباهر؛ إنه لظروفٍ تاريخية؛ قد حقق الأوروبيون للجنس البشري توجُّهات وتحولات ونَقَلات نوعية هائلة لم يعد بإمكان أية أمة أن تعيش من دونها؛ كتعميم التعليم، والتنظيم الإداري، وأجهزة الخدمات، والمشافي، والصحافة، والتخطيط للتنمية والسيارات والطائرات والكهرباء والإذاعة والتلفزيون والهاتف وما لا نهاية له من التحولات في الحياة وما لا حصر له من الوسائل والأدوات. لقد أحدث الأوروبيون وأوجدوا منجزات صارت إنسانيةً عامةً مشاعةً خالدة؛ فلا يمكن مقارنة مستوى الحياة الحالية ووسائلها؛ بمستوى الحياة والوسائل التي عرفَتْها الحضارات القديمة؛ إن الحضارة الغربية؛ قد حوَّلت حياة الجنس البشري تحويلا كاملا، ونقلت الحياة البشرية عمومًا؛ من مستوى كليل، وبطيء، ورتيب، ومظلم، ومتباعد، ومنعزل؛ إلى مستوى متدفق بالطاقة، زاخر بالحركة، حافل بالضياء، فالعالم يعيش وكأنه في قرية واحدة. إن الحضارة الغربية قد أحدثت في الحياة البشرية تحولات نوعية تفوق الحصر وتتجاوز الوصف؛ وعلى سبيل المثال فإنه قبل تقدم العلوم الطبية الغربية؛ كان كثير من النساء يفارقن الحياة أثناء الولادة، وكان أغلب الأطفال في كل العالم يموتون بسوء التغذية، وبالحصباء، وبالجدري، وبما لا نهاية له من الآفات. ليس هذا فقط بل إن معدَّل الأعمار في كل العالم قد ارتفع بشكل كبير؛ والأهم من كل ذلك هو التقدم الهائل في العلوم والأفكار والفنون والوسائل فقد صار كل شيء خاضعًا للرؤية العلمية؛ وقد ازدهرت وسائل الكشف ازهارًا مذهلا؛ فصار ممكنًا بكل دقة ووضوح؛ فهم الواقع، واكتشاف أقصى أعماق الكون، وتحديد أدق تفاصيله، كما تمكَّن العلمُ من اكتشاف طبيعة الكون وسبر أقصى أعماقه بوسائل السبر والجس والكشف والمناظير المتطورة المختلفة؛ وكل هذا طارئ لم تعرفه الحضارات القديمة فلم تكن العلوم التجريبية عنصرًا في أي نسق ثقافي متوارث. ففي الحضارات القديمة؛ إذا وُجد اهتمامٌ بالعلوم وبالفلسفة، وبالمعرفة الموضوعية؛ فإنها اهتمامات فردية معزولة كل العزل؛ كعزلة سقراط وأفلاطون وأرسطو وابن رشد وابن النفيس. فقد كان الناس في كل الأمم يتبرمجون ويتلقون المعرفة تَلَقِّيًا تلقائيًّا محضًا. كانت الأنساق الثقافية تُعِدّ البشر معرفيًّا؛ لما بعد الموت؛ وتترك أمر الدنيا للجهود الفردية. أما الحضارة المعاصرة؛ فقلبت الموقف؛ فقد ركَّزت على ما ينفع الناس في حياتهم، أما أمر الآخرة فمتروكٌ لجهود الأفراد وقناعاتهم؛ وبذلك فجَّرت طاقات الإنسان للتحولات في كل المجالات، كما فجَّرت طاقات المادة. لكن رغم كل هذه التحولات الهائلة؛ فإن الأنساق الثقافية المتوارثة السابقة للعلوم؛ ما تزال تتحكَّم بالعقل البشري في الغرب وفي الشرق؛ لذلك فإن الحياة البشرية واقعةٌ في تناقضات حادة. إن العالم يعيش تناقضًا حادًّا؛ ففي المجالات العملية، وفي مجال إنتاج الوسائل، وبناء القدرات، ومقومات التمكين، والفاعلية العملية؛ قد تَطوَّر العالمُ تطورات مذهلة؛ لكن رغم ذلك فإن الأفراد بقوا في كل العالم؛ ذائبين في النهر الاجتماعي، وبقيت الأنساق الثقافية المتوارثة مهيمنة على العقل البشري في الغرب وفي الشرق. لقد تبدَّل الموقف من أنواع المعرفة فنشأ تحوُّلٌ جذريٌّ؛ فقد تبدَّل التوجه الإنساني تبدُّلاً نوعيًّا؛ لكن النتائج لهذا التحول النوعي في المعرفة بقيتْ محصورة في المجالات العملية؛ وهذه إحدى المفارقات الكبرى. إن الحضارات القديمة لم تَعرف هذا التنظيم المحكم في مختلف قطاعات النشاط، ولا المناظير ولا المجاهر ولا وسائل الكشف المذهلة؛ إن الجنس البشري لم يعُد يتلقى تلقائيًّا ما يجب أن يعرفه؛ وإنما صارت الإنسانية بواسطة علمائها؛ تستنطق الأشياء؛ فتكتشف المعرفة عن طريق التجريب والفحص والتحليل والرؤية المباشرة والاختبار الدقيق والنفاذ إلى الأعماق والتعامل المباشر وبكل دقة وعُمق وتفصيل مع ما يراد أن يُعرَف؛ فأصبحت الإنسانية عن طريق علمائها؛ فاعلاً معرفيًّا؛ وباتت الإنسانية تُنتِج المعرفة بدلا من أن تتلقاها فقط؛ فمع الحضارة الغربية تغيَّر الموقف كليًّا من العلوم الطبيعية؛ لقد تغيَّرت الرؤية عن العلوم تغيُّرًا جذريًّا؛ فقفزتْ الفلسفةُ والمعرفةُ الموضوعية من الهامش إلى الصُّلْب والصدارة، ومن كونها تأمُّلاً وتخمينًا إلى صيرورتها معرفة موثوقة؛ قائمة على التحقُّق وليس بمجرد التبرمُج والتقبُّل. كانت المعرفة الموضوعية مرفوضة من المجتمعات ومن الأنساق الثقافية السائدة؛ فتحولت من كونها مرفوضة إلى كونها واجبة؛ وتحولت من كونها اهتمامًا فرديًّا هامشيًّا معزولا؛ لتكون الاهتمام العالمي الأول لكل الأمم؛ فصارت الأجيال في كل الأمم تتلقى العلوم الطبيعية كواجبات تعليمية، وكونها شرطًا للعمل؛ فلا تنمية، ولا أمن، ولا تقدم ولا رخاء ولا صحة ولا إدارة ناجحة؛ إلا بإعطاء العلوم الموضوعية الدنيوية أولوية قصوى؛ أما في كل الحضارات القديمة فإن كل الشؤون الدنيوية الكبرى لم تكن محل اهتمام السلطة ولا المجتمع بل إن مفهوم التنمية بكل أبعاده لم يكن معروفًا في كل الحضارات القديمة؛ إن العلم بمعناه الحديث، والتنمية بكل أبعادها؛ لم تكن مُكَوِّنًا ثقافيًّا في أية حضارة سابقة، ولا في حياة أي مجتمع سابق؛ حتى في الثقافة اليونانية كان الفلاسفة هامشيين بل كانوا مطارَدين وتم إعدام أكبر الفلاسفة سقراط؛ وظل الاهتمام بالفلسفة وبالمعرفة الموضوعية هامشيًّا ولا يحصل إلا بشكل فردي نادر، وبوسائل بدائية؛ وكان أولئك الأفراد الخارقون؛ يبقون خارج الأنساق الثقافية المتوارثة؛ فالاهتمام بالفلسفة وبالعلم المادي وبالمعرفة الموضوعية في الحضارة الإسلامية؛ كان اهتمامًا فرديًّا معزولاً عزلاً تامًّا عن حياة المجتمع، وكانت الوسائل التجريبية وسائل بدائية، وكان التأمل الفلسفي، والبحث الموضوعي، والعمل التجريبي؛ يتم خارج النسق الثقافي السائد المتوارث؛ كما هي حال ابن الهيثم أو ابن النفيس أو الكندي أو ابن رشد أو ابن سينا أو الرازي أو الفارابي أو غيرهم من الأفراد الذين بزغوا في الحضارة الاسلامية لكنهم كانوا يمثلون اهتمامات فردية معزولة كليًّا عن صُلب الحضارة الإسلامية وغير مؤثرة إيجابيًّا في المجتمع. بل كان أولئك الخارقون يعامَلون معاملة النوابت الضارة التي يجب استئصالها. بل لقد أُطلق عليهم نعت (النوابت) كما أن التراث الناتج عن مقاومة الفلسفة، ورفْض التفكير الموضوعي؛ قد تراكم خلال التاريخ؛ فأسهم في إغلاق الآفاق؛ وصار شديد الفاعلية في التنفير من التفكير الفلسفي والمعرفة الموضوعية؛ فصَدَّ أجيالَ الأمة عن التفكير الذي يبحث عن المعنى في غير صلب التراث. الحضارة الإسلامية والفكر الفلسفي إن الحضارة الإسلامية هي حضارةٌ دينية محضة؛ تأسيسًا، ومسارًا، ونشأةً، وانطلاقًا، وهدفًا، وتكوينًا، وامتدادًا، أما كل ما تحقق في ظلها في المجالات الدنيوية؛ فلم يحصل بدوافع من الأساس الذي تأسست به الحضارة الإسلامية ذاتها؛ وإنما جاءت من طبيعة الحياة البشرية واحتياجاتها ونوازع الناس ودوافعهم؛ فالإنسان بتكوينه كائنٌ دنيوي؛ فهو مضطر أن يعمل ويكدح لتدبُّر حياته؛ أما الفلاسفة المسلمون فهم نتاج اهتمامات فردية خارج النسق السائد؛ تتلمذوا على الحضارة الإغريقية؛ لذلك تم نبذهم والتحذير من أفكارهم، والرد عليهم وتخوينهم وربما تكفيرهم ومحاربة كتبهم. ورغم أن ثقافتنا مترعة بالحث على تجنب الفلسفة إلا أنه يمكن الاكتفاء بنص واحد يتبين منه؛ أن حضارتنا هي حضارة دينية محضة يقول الإمام الذهبي في كتابه (زغل العلم): ((الحكمة الفلسفية؛ لا يَنظُر فيها؛ مَن يُرجى فلاحه، ولا يَركن إلى اعتقادها مَن يلوح نجاحه، فإن هذا العلم في شِقٍّ، وما جاءت به الرسل في شِقٍّ؛ فما دواء هذه العلوم إلا الحرق، والاعدام من الوجود، والأخذ على أيدي القائلين بها؛ بما يردعهم؛ إذْ الدين ما زال كاملاً حتى عُرِّبَتْ هذه الكتب ونَظر فيها المسلمون)) إن ثقافتنا القديمة والمعاصرة مليئة بمثل هذا الهجوم على الفلسفة وعلى أي تفكير نقدي؛ ففي إحدى رسائل الدكتوراه التي صدرت عن جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛ يقول مقدم الأطروحة: ((إن مَن يُسَمَّون بفلاسفة الإسلام؛ قد أدخلوا على الأمة شرًّا عظيمًا؛ بما انتحلوه من أفكار فلسفية ضالة، عملوا جهدهم في تقريبها من دين الإسلام؛ لكي تُقبَل في أوساط المسلمين؛ وقد ابتلينا في هذا الزمان؛ بمن يبرر هذه الأفكار الفلسفية؛ من بعض المنتسبين إلى الإسلام)) إن الفلاسفة المسلمين قد تتلمذوا على الفلسفة اليونانية؛ وكتبهم ناطقة بمنتهى الوضوح بهذا التتلمذ. إن ابن رشد يعد أعظم الفلاسفة المسلمين قد كان همه أن ينشر فكر أرسطو وأن يُقنِع الدارسين بعظمته فهو يقول: ((أرسطو هو بداية كل العلوم ونهايتها، ولم يسبقه أي مؤلف ذي شأنٍ، مضتْ عليه خمسةٌ وعشرون قرنًا من الزمان من دون أن يسهم أحدٌ بأي شيء مهم في تعاليمه، أو يكشف أي أخطاء بها؛ إن أرسطو هو أعظم البشر؛ أذِن له الله بالوصول إلى ذروة الكمال)) إن هذا التمجيد المفْرط، وهذا التصور عن بلوغ أرسطو ذروة الكمال؛ كأنه دعوة إلى الاكتفاء والتوقف؛ وهذا مضادٌّ لما تعنيه الفلسفة بوصفها؛ مسار التفكير النقدي، وبتأكيدها على استحالة بلوغ النهاية؛ فلا نهاية للبحث ولا كمال للمعرفة الموضوعية. إن منجزات الفلسفة الحديثة وفتوحات علوم العصر تكشف بوضوح؛ أن الكمال الذي ادعاه ابن رشد لأرسطو هو أبعد ما يكون عن الصواب، ويتنافى مع الرؤية الفلسفية. وأيضا إن تمجيد ابن رشد لأرسطو يؤكد أن الفلاسفة المسلمين قد تتلمذوا على الفكر اليوناني؛ فهم ليسوا نتاج ثقافتنا. خارج النسق السائد ولكن ما أود تأكيده هو أن ابن رشد وابن النفيس وابن الهيثم وغيرهم من أولئك الأفراد الخارقين؛ لم يكونوا فقط خارج النسق الثقافي الإسلامي السائد؛ وإنما كانوا وما يزالون منبوذين، ويتم التحذير منهم، بوصفهم نوابت ضارة يجب استئصالها، وبأنهم في نظر الثقافة العربية أعداء الأمة، وأعداء الدين، وأعداء الله؛ فهم خارج النسق الثقافي السائد بشكل حاد؛ أما أن يتم الافتخار بهم أو الادعاء بأنهم كانوا يمثلون النسق العام أو أنهم كانوا جزءًا منه فهذا مضاد لكل الحقائق المتعلقة بالمجال بل بعضهم تم تكفيره ونَفْيُ انتسابه للأُمة. وبذلك نعرف أن الحضارة الغربية الحديثة هي الحضارة الوحيدة التي جعلت العلوم الدنيوية، والمعرفة الموضوعية والفكر الفلسفي مشتركًا إنسانيًّا عالميًّا عامًّا؛ فالفلسفة، والعلوم، والمعرفة الموضوعية؛ هي أساس رؤيتها في الحياة، وعمادها في العمل، ومُرشدها في التنمية. تلك هي النتيجة التي انتهيتُ إليها بعد البحث الممض والاستقصاء الدقيق، وقد عبَّرتُ عن هذا المعنى تكرارًا وبوضوح؛ في اللقاءات التلفزيونية، وفي المحاضرات، وفي الحوارات الصحفية، وفي المقالات التي امتدت ثلث قرن، وأخيرًا في المؤلفات المطولة. ولكن هذا المعنى لم يصل كما أردته بل رافقه سوء الفهم مثلما يحصل مع كل الكُتَّاب والمؤلفين؛ يقول الدكتور بشير العظمة: ((لقد كان من بين دوافعي في الاحجام عن الكتابة؛ هو الخوف من إساءة تفسير كلامي؛ من أقرب الناس)) فكيف بالأبعدين !!! ويتحدث البروفيسور إريك وولف في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه (أوروبا ومن لا تاريخ لهم) عن أن: ((القُرَّاء قد أخفقوا في التقاط البُعْد التهكمي للعبارة؛ لقد استهدفتُ تحدي أولئك الذين يتوهمون بأن الأوروبيين هم الوحيدون الذين صنعوا التاريخ)) إن الذين أساءوا فهم كتاب إريك وولف هم أساتذة مثله؛ فإساءة الفهم ليست محصورة بالقراء العاديين. إن كل فرد هو عالَمٌ قائم بذاته مختلف عن كل الآخرين؛ فلكلٍّ منهم منظارٌ وزاويةٌ للرؤية مختلفة عن الكل؛ لذلك كان المؤلفون والكُتَّاب يجأرون بالشكوى؛ من سوء فهم ما كتبوا ولكن بدلاً من التركيز على إظهار تلقائية الاختلاف في الفُهوم، وبدلًا من دعوة القارئ بأن يبذل جهدًا أكبر لفهم ما يقال؛ وبدلاً من حث الدارسين والباحثين والنقاد على تحري قصد المتحدثين والكُتَّاب والمؤلفين، والالتزام بالأمانة الفكرية، وموضوعية التناول، والالتزام بعدالة التقييم؛ لكن بدلاً من ذلك كله؛ ظَهَر على الناس رولان بارت بفكرة (موت المؤلف) ليؤكد حق القارئ أن يفهم ما يقال بالشكل الذي يتوصل إليه، وأن لا يُتعِب ذاته في تَحَرِّي قصد المؤلف، بل من حقه أن يواجه المؤلف بفهمه الذي قد يكون فهمًا متسرِّعًا أو قاصرًا؛ إنها نموذجٌ من التقليعات الفرنسية. يقول رونان ماكدونالد في كتابه (موت الناقد): ((أعلن رولان بارت صيحته الشهيرة عن موت المؤلف؛ يُشَدِّد بارت؛ أن القراءة هي عملية سلسة مسترسلة مفتوحة؛ لها طابعٌ فرديٌّ؛ لا تحتاج إلى معرفة ما يقصده المؤلف؛ بالنسبة لبارت؛ فإن النظر بشيء من التقديس إلى قصد المؤلف؛ هو ظاهرة علينا أن نتجاوزها)) وهذا النوع المنفلت من الضوابط ناشئٌ كما يقول رونان عن: ((معاداة المرجعية، ذات الطابع التراتبي الهرمي)) وهذا منتهى التسيب؛ فالذهن البشري فوضويٌّ؛ فكيف يتم تشجيعه على الثقة بتلقائيته وبجهله وبفوضويته؛!! إن إنكار التراتُب هو إنكارٌ لأبرز حقائق الوجود البشري؛ إن تخويل القُرَّاء بأن يتجاهلوا مقاصد المؤلفين؛ هو ميوعةٌ يذوب بها المعنى، وتختفي الدلالة، ويقضي على الالتزام بالمرجعيات؛ إن فكرة موت المؤلف تتجاهل اختلاف المستويات، كما تتجاهل أن مهمة القراءة هي التعلَُم؛ فكيف يتعلم القارئ إذا كان يُقَدِّم فهمه التلقائي على نصٍّ قد يكون نتاج عمر من البحث والتدقيق والاستقصاء والمراجعة والتحقق؛ إن القارئ لابد أن يدرك قصوره ويبذل جهدًا كافيا للفهم والتحقق؛ أما إذا بقي القارئ تتحكم به رؤيته من دون أن يحاول الوصول للمعنى الذي توصل إليه الباحثون والكُتَّاب والمؤلفون؛ فإنه لن يتعلم؛ وسيظل يَحمي جهله، ويُدافع عن كلاله، ويبقى مرتهَنًا لتلقائيته العمياء؛ إن القول بموت المؤلف؛ يتجاهل أولوية الجهل، ويتجاهل تَحَكُّم الأسبق. ثم إنه لا يصح تقويل أي شخص ما لم يقله؛ فإن كان لكل شخص أن يَفهم على أي نحو يهديه إليه عقله؛ لكن ليس من حقه أن ينسب فهمه إلى الكاتب أو المؤلف. وما يهمني تأكيده هو بداهة اختلاف فُهوم الناس، وتباين رؤاهم، وتنوع اتجاهاتهم؛ وبسبب ذلك يشيع سوءُ الفهم؛ فعلينا أن نتوقع دائمًا سوء الفهم؛ إن فهم كل شخص لأي عمل أو قول؛ هو فهمٌ جزئيٌّ مرتبطٌ بمحتوى بنيته الذهنية، وبالسوابق التي تتحكم به، وبالاهتمامات التي تشغله، وبرغباته وآماله وشواغله الذهنية والعاطفية؛ فمحتوى ذهنه واتجاه عواطفه هو الذي يحدد فهمه ويحدد توقعاته؛ فكل فرد محكوم ببنية ذهنية تختلف عن كل البنيات الأخرى؛ فالاختلاف هو الأصل؛ إن وظيفة دماغ الفرد هي خدمة خصوصيات الفرد واحتياجاته الحيوية، إن العقل البشري أداةُ تَوَقُّع، وليس أداة تحقُّق.