فنانة تشكيلية وأستاذة للفنون بجامعة الأميرة نورة ..
د. ندى الركف: لا أؤمن بفن للنخبة وآخر للعامة.. وأعمالي تنطلق من الوعي الإنساني .
في الفن التشكيلي، ثمة أعمال تستوقف العين بما تحمله من جماليات اللون والتكوين، وأخرى تتجاوز حدود المشاهدة لتثير أسئلة الإنسان عن ذاته ووجوده وعلاقته بالعالم. وبين هذين الأفقين، تتشكل تجربة الفنانة التشكيلية وأستاذة الفنون بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن الدكتورة ندى الركف، التي تتخذ من الوعي الإنساني منطلقًا لمشروعها الإبداعي. في معرضها الجديد “الحضور”، الذي احتضنه معرض تجريد للفنون بالرياض، تستعيد الركف أعمالًا من مراحل سابقة، وتعيد تقديمها في سياقات بصرية جديدة، إلى جانب أعمال تستكشف العلاقة بين الأشكال الهندسية والخامات المتنوعة، وما تختزنه من دلالات تتصل بالوجود والتحول والاستمرار. تحدثت مع الفنانة عن فلسفة “الحضور”، وعلاقتها بالزمن والخامة، ورؤيتها لدور الفن في الارتقاء بالوعي الإنساني. وفيما يلي نص الحوار: الحضور.. وعي الإنسان بلحظته الراهنة •كيف ولدت فكرة معرض “الحضور”، وما الفلسفة التي يقوم عليها هذا المشروع الفني؟ “الحضور” امتداد لمعارضي السابقة، لكنه ينطلق من تأمل جديد في علاقة الإنسان بذاته وبالواقع الذي يعيشه. فقد فكرت في أن الإنسان لا بد أن يحضر بكيانه الإنساني، وأن يكون واعيًا بكل لحظة يعيشها في هذا العالم. وأرى أن الإنسان يقف بين خطين، أحدهما أفقي والآخر صاعد، وعليه أن يحقق الاتزان بينهما. وهذا الاتزان يتحقق عندما يعي الإنسان واقعه، ويتفاعل مع معطياته، ويستثمر تجربته الحياتية بما يساعده على الارتقاء بكيانه الإنساني إلى أعلى المراتب. ومن هنا جاءت فكرة المعرض، الذي يضم أربع تجارب فنية مختلفة في تكويناتها وأساليبها، لكنها تلتقي جميعًا عند مفهوم “الحضور”. • يلفت الانتباه في المعرض استحضار أعمال فنية تعود إلى سنوات مضت. ما الذي أردتِ التعبير عنه من خلال إعادة تقديم هذه الأعمال؟ هناك أعمال في المعرض بدأت تجربتي معها منذ عام 2011، وقد عاشت هذه الأعمال مع تحولات الزمن ومعطياته، حتى عادت لتحضر في اللحظة الراهنة بصورة جديدة وأجمل. فأنا أنظر إلى العمل الفني بوصفه تجربة قابلة للتطور والتحول، وليس مجرد عمل ينتهي عند لحظة إنتاجه. وقد أعدت الاشتغال على بعض القطع القديمة، ووظفتها بصورة تتناسب مع السياق الجديد للمعرض، حتى تصبح جزءًا من التجربة الراهنة، وتكتسب حضورًا مختلفًا. •نلاحظ حضور الأشكال الهندسية والخطوط المتقاطعة في عدد من الأعمال. ما دلالة هذه التكوينات في تجربتك؟ تتضمن الأعمال تجارب بصرية متعددة، منها اللوحة التصويرية التي تتناول فكرة الخط الصاعد، وأعمال تقوم على العلاقة بين المربع والدائرة، وما ينشأ عن هذه العلاقة من تداخلات وتحولات. فقد يكون المربع داخل الدائرة ويحاول الخروج منها، أو تكون الدائرة داخل المربع وتسعى إلى التحول. وهذه العلاقات البصرية جزء من التجربة التي أعمل عليها في استكشاف الأشكال وإمكاناتها التعبيرية. وهناك أعمال أخرى تنطلق من الخامة نفسها، حيث أردت أن تتحدث الخامة وتحضر بكيانها الجسدي، وأن تصبح عنصرًا أساسيًا في التعبير الفني. •استخدمتِ خامات طبيعية وأخرى مستهلكة، إلى جانب تقنيات مختلفة. كيف تتعاملين مع المادة في بناء العمل الفني؟ نعم، استخدمت خامات مختلفة، واستعنت بتقنيات متنوعة، من بينها الحرق الحراري والطباعة وغيرها من الأساليب الفنية. وهدفي أن أحقق نوعًا من التآلف بين هذه العناصر والتجارب المختلفة، بحيث تتكامل داخل العمل الفني، وتصبح الخامة حاضرة بذاتها، بما تحمله من خصائص وإمكانات تعبيرية. الفن ليس حكرًا على النخبة •يذهب بعض المتلقين إلى أن الفن التجريدي يصعب فهمه، وأنه يخاطب النخبة الفنية أكثر من الجمهور العام. كيف تنظرين إلى هذه المسألة؟ أرى أن العمل الفني، لا بد أن يخاطب الإنسان بشكل عام. ولا أؤمن بوجود جمهور خاص وآخر عام، لأن الفن الصادق يصل إلى الإنسان، ويخاطب فطرته الإنسانية. وقد لمست ذلك في تفاعل الجمهور مع أعمال المعرض، إذ تقبل كثير من الزوار التجارب الفنية بكل حب، وكان بعضهم يقول لي: “هذا العمل يشبهني”، أو “هذه اللوحة تشبهني”. وعلى اختلاف التجارب التي قدمتها، فإن كل شخص تقريبًا وجد عملًا يشعر بأنه يعبر عنه أو يلامس شيئًا من ذاته. وهذا أسعدني كثيرًا، لأن المتلقي استطاع أن يتواصل مع العمل دون الحاجة إلى أن أشرح له المشروع أو أقدم له تحليلًا فنيًا. وهذه من أجمل اللحظات التي يعيشها الفنان، حين يجد الإنسان نفسه في العمل، ويشعر بأن هناك شيئًا يربطه به بصورة مباشرة. •بعد هذه التجربة الممتدة عبر عدة معارض، هل يمكن القول إن الدكتورة ندى الركف أسست لنفسها مدرسة تشكيلية خاصة، أو نهجًا فنيًا واضح الملامح؟ أفضل ألا أستخدم مصطلح “مدرسة”، لأنه قد يحمل شيء من القيود والتحديد. لكن يمكنني القول إنني أعمل وفق منهجية أو أسلوب يقوم على الوعي الفني، بمعنى أن أعي حقيقة الفن ودوره الحقيقي في الوعي الإنساني. وأحاول من خلال أعمالي أن أسلط الضوء على الوعي الفني، والإنسان نفسه، وكيف يستطيع أن يفهم ذاته من خلال الفن. فما يشغلني هو علاقة الفن بالإنسان، وقدرته على إيقاظ الأسئلة الداخلية لديه، ومساعدته على التأمل في ذاته وفي العالم المحيط به. •نلاحظ وجود فواصل زمنية بين معارضك، هل يعود ذلك إلى طبيعة التجربة الفنية وما تتطلبه من بحث وتطوير؟ لا أستطيع تحديد مدة زمنية ثابتة لإقامة المعارض، فلكل تجربة ظروفها وطبيعتها الخاصة. ومعرض “الحضور” جاء خلال فترة قصيرة نسبيًا. فعندما بدأت العمل لم تكن لدي خطة لإقامة هذا المعرض، وإنما كانت هناك فكرة أخرى أعمل عليها. لكن فكرة “الحضور” جاءت في لحظة معينة، وشعرت وكأن هناك نداءً داخليًا يدعوني إلى الاشتغال عليها في ذلك الوقت. وبالفعل بدأت العمل، وعدت إلى بعض القطع الفنية القديمة، وأعدت توظيفها بصورة أفضل، حتى تتكامل مع الأعمال الجديدة. لذلك أرى أن التجربة الفنية لا تخضع دائمًا لجدول زمني محدد، وإنما ترتبط أحيانًا بلحظة الوعي بالفكرة والاستعداد للتعبير عنها. •بحكم عملك الأكاديمي، هل تجدين لدى طالباتك استيعابًا لهذا الحس الفني الواعي الذي تتبنينه في أعمالك؟ أعتقد أن طالباتي من أكثر الفئات استيعابًا لما أقدمه من أعمال فنية، لأنهن يفهمن طبيعة الوعي الذي أعمل عليه، ويدركن الاتجاه الذي تسير نحوه تجربتي، وما الذي أريد التعبير عنه. فأنا مرتبطة بالذات الإنسانية، والذات الفنية، وأحاول التعبير عن كل ما يلامسني ويلامس الإنسان بصورة مباشرة. وهذا هو المعنى الحقيقي للفن بالنسبة إليّ، أن يلامس الجمهور، ويتصل بالإنسان ويحقق التواصل معه. فالفن لا ينفصل عن الإنسان، بل يستمد معناه من قدرته على الوصول إليه والتأثير فيه. •ما الرسالة التي تودين توجيهها من خلال معرض “الحضور”؟ أقول دائمًا إن الفن هو نداء للروح، ونداء للارتقاء الإنساني. وأتمنى أن نستطيع معًا، من خلال الفن، أن نصل إلى مستوى أعلى من الوعي، ويكون لدينا حضور أقوى على مستوى المشهد الإنساني والمشهد الفني. فالفن مساحة للارتقاء بالإنسان، وتعزيز وعيه بذاته وبالعالم.