ليس من اليسير أن تتحدث عن شخصية محببة بصيغة الغائب، وليس يسيراً أيضا أن تختصر إنسانًا في حكاية واحدة ، أو أن تختزل ذاكرتك وأيامك في كلمات !! كيف لا وأنا أتحدث عن والدي الكبير عبدالله زايد الطويان وأبقيه نصاً مفتوحا على مسرح الخلود.ياليت أن للكتابة صدى وأجنحة كي أخبرك بأنك خالد أكثر مما أستطيع أن أثبته وأكثر مما أستطيع أن أكتبه .. هكذا أنت حقاً عشت نبيلا بالإسم والفعل وطاهر الأثواب حياّ ، وهكذا أنت حياّ أيضا كجزالة الحرف الشفيف الذي علمني وجودك دائماً بأننا نأخذ من الأيام أجمل مافيها .... لم أعرف في حياتي كاتباً ملتحماً بالكتابة مؤمنا بها وأمين عليها كالتحام والدي بها، فمنذ أن تفتح وعيي وأنا أراه مصاحباً للكتب والمذكرات والأقلام مستغلاً ومشغولاً بها بشغف عجيب، يهتف بدهشة وسعادة حين يقرأ عبارة تعجبه،وقصيدة تطربه ، وفائدة يدونها في مذكراته وهو من كتب أعذب المذكرات ودون أجملها في مؤلفاته التي رسم بها التاريخ وانعكست ملاحمه على تضارسها لأكثر من خمسون عاماً في بحور التاريخ والأدب وبطون الأنساب والألقاب والعزاوي يتحدث عن الأفكار والنصوص والشخصيات الأدبية والكتب كما يتحدث عن أناس نعرفهم شخصياً...من فرط عذوبة حديثه الساحر ورقة نفسه الطيبة ومفرداته المليحة حين الحديث معه يبدو لك وكأنه شخصية خارجة من بطن الكتب وعادت إليها سريعاً والحق لا أجانب الصواب عندما أقارن تلك البلاغة والبيان بما دونه التراثي الكبير أبوحيان التوحيدي في الأدب ومصداقية التأريخ وأمانته كما كتبه أحمد أمين وسرده واطلاعه النهم والواسع كما هو الحال لدى طه حسين . كتب العديد من الكتب والمذكرات وكان الرجال في صدر اهتماماته عندما كتب ( رجال في الذاكرة) والتاريخ في قلبه دائماً وهو الذي يشدو حب الرجال الأوفياء الذين خدموا هذا الوطن العظيم وصنعوا تاريخ ضارب في أركانه منذ بداية تأسيس هذا الوطن المقدس وصولاً لتوحيد بلادنا المباركة بقيادة المؤسس الملك عبدالعزيز –طيب الله ثراه- . كانت الكتابة قضية مصيرية بالنسبة له وخياره الوجودي الوحيد العذب فبعد أن قطع شوطاً في سنوات الكتابة والتدوين يكتب بلغة حانية ومهذبة يطلب بها من الآخرين مشاركته ملاحظاتهم ورؤاهم وهو نجده يكتب الملاحظة التالية: بعد جهود مضنية،إذ لابد من شح الكمال في معظم الأمور، ولاكمال إلا لله جل جلاله ولابد من الملاحظات العابرة مهما اجتهدنا ، والذي آمله من الأحبة القراء مشاركتي بالإتصال المباشر. فهو لم يذخر فضلاً في حياته على نفسه ولا حتى في مشاريعه الفكرية والأدبية التي بدءها منذ مطبع الثمانينات الهجرية ليبزغ نجمه كاتباً محباَ لوطنه ورجاله وتاريخه . يفتتح دوماَ مع بداية كتاب جديد وعمل مهما تنوعت مساراته واتجاهاته في تقديم الإهداء إلى والده وهو الا البار الذي علمنا معنى البر وتقوى النفس يكتب في إهداء : إلى روح والدي الغالي الذي رحل عن هذه الدنيا الفانية وهو مثلي الأعلى وقدوتي، الذي علمني صغيراً زشد أزري كبيراَ، وحبب لي المعروف وعلوم الرجال التي لاتقل أبداً عن العلوم الأخرى .. لم يكن أبا عاديا ولا مربيا كباقي المربين. علمنا أن العلم رأس مال من لا رأس مال له، وإن التواضع شيمة الكبار والعظماء، علمنا إن الرجال مواقف وإن الكرم شجاعة، وإن الشجاع يحبه حتى عدوه، ، علمنا أن الصدق نجاة وإن الكذب يذهب بنور الوجه، علمنا إن زينة الرجل غيرته، وإن الرجال صناديق مقفلة مفاتيحها التجارب، (نعم يا آبي لقد علمتنا الكثير الكثير وفاتك الكثير أيضا علمتنا أن الرجل لا يضعف لكن فاتك أن تعلمنا كيف نقوى على فراقك!) لعل مايخبرنا به دوما في كتاباته وحديثه بأن وظيفة الكتابة، هي استخراج قيمة إنسانية بالدرجة الأساس، فكيف يسعى الأديب والمؤرخ إلى ذلك دون الولوج في تحجيم ذاته بالاشتغال بألعاب السيرك اللغوي أو بالبحث - لمجرد البحث - عن قيمة للكاتب فقط وتبرير كتاباته ! إن اللحظات التي تمضي من الحياة دون أن يرصدها كاتب نبيه وأديب بليغ ومؤرخ أمين ، هي لحظات ميتة، وهي اللحظات التي أحياها والدي في أمانته التاريخية وأدبه الجمّ في مختلف مشاريعه التاريخية والأدبية ومقالاته الطويلة في سلسلة رجال في الذاكرة ذلك السفر الكبير والمرجع الحاوي كبرى مشهديات الوقائع السيرية للرجال في بلادنا الغالية وكتابه الماتع حد الإدهاش الحاوي لأشهر الألقاب والعزاوي وليست اانتهاء بالكتاب الذي لايقل أهمية وكان مخلص له حتى آخر لحظة في حياته الطاهرة وسنواته الجليلة أيسر الدلائل لبعض أسر القصيم وحائل حتى تطرزت أفكارة تجاه محبوبته ومسقط رأسه بريدة عندما أعاد سيرة الذاكرة له في كتابه ذاكرة بريدة وكما أنك تشاهد تداعي الذكريات التي انتهجها مارسيل بروست في سفره الضخم ( بحثاً عن الزمن المفقود ) كلما مرّت بي صورة لأبي انقشع الغبار عن الماضي، ولاحت لي تلك الأيام التي أقبل رأسه فيها ، في تلك اللحظات أشتاق لأقبله أيضا وأقوله له: - كل الكتب التي قرأتها لم تكشف لي الحقيقة كما كشفتّها لي كلماتك أيها المبجل العظيم والمهاب الكريم .. الكتب تعلمنا كيف نسير.. وخبرة الآباء تعلمنا أين نسير.. فماذا يكسب الإنسان حسن يجمع بين الكيف والأين؟ رحيلك أصابني بالصمت المرير، صمت غريب وجارح لم يمكنني من كتابة شيء يناسب جمال ابتسامتك وعطفك وأبوتك الحانية أيها ما يزعج المرء حقا هي لحظات الوداع أيا يكن نوعه، فالإنسان كائن ارتحالي بالضرورة، ولعل أكثر ما يهلك الإنسان هي الحروف التي تجرح الفم في لحظات ذلك الوداع وإشارات السلام النهائية .. حسناً كيف لي أن أودعك أيها الجبل المهيب والغيث الهاطل!! غادرتنا سريعاً مثل نسمة عذبة، مثل طيف جميل، مثل فارس همّام يتوق إلى حياة أفضل ! غادرتنا لتثبت أن الفراق أبلغ، وتركت حفنة من الذكريات لاتعرف العودة ولا النسيان، سلاماً على روحك النقية سلاماً على موتك الهادئ فالرياح تمحو والرمال تتذكر – كما يصف سعدي يوسف - .. ودعتنا كما جئت طاهر الأثواب صادق العزم وعفيف اللسان دون أن نتزود جيدا من حمولة النبل الإنساني الذي يرافقك • ولتجعل الذاكرة حية ويقظة تردد ذكراك : «أريد ان أكتب عن لحظات أعتبرها هبات، عن لحظات طيبة»