قراءة نقدية في فيلم «المهايطية »..

مظاهر فارغة على إيقاع السقوط المفاجئ .

تشكل السينما السعودية المعاصرة فضاءً خصباً للتجريب ورصد التحولات الاجتماعية السريعة، حيث تبرز الكوميديا الاجتماعية كمرآة ساخرة تعكس التناقضات اليومية. يأتي فيلم “المهايطية” ليدخل إلى قلب هذه التحولات، متخذاً من ظاهرة المبالغة في التفاخر مظهراً درامياً يمسك بتلابيب كوميديا الموقف. يحفر العمل بذكاء تحت أسطح المظاهر الزائفة، مستعرضاً انهيار العوالم الهشة حين يتبخر الرصيد المالي وتبقى الواجهات وحدها تقاوم السقوط. تحيل مفردة “المهايطية” في الوعي الاجتماعي الخليجي إلى ذلك النمط السلوكي القائم على تضخيم الذات، والتباهي بالقدرات والمقدرة المادية بما يتجاوز الحقيقة بمراحل. نجح الفيلم في تأطير هذه الظاهرة بوصفها حالة معيشية تعتنقها طبقة وجدت نفسها رهينة للبريق الاستهلاكي. المفارقة هنا تتجسد في الرعب العميق من فقدان تلك الصورة المخادعة، فالإنسان يتحول إلى أسيرٍ لصورة ذهنية بناها بنفسه، ويصبح العيش بلا “هياط” أشبه بموت معنوي، وهو ما صورته المعالجة الدرامية عندما فضلت الأسرة تجرع مرارة الإفلاس بصمت قسري على الاعتراف بالواقع. تعتمد الحكاية على فرضية كلاسيكية لكنها شديدة الفعالية؛ عائلة ثرية تفقد ثروتها في ليلة واحدة، لكنها ترفض التخلي عن حياة البذخ، هذا الاصطدام العنيف بين قسوة الواقع وعبثية الادعاء يمنح السيناريو أرضية خصبة للمفارقات. مع ذلك واجهت القصة أحياناً فخ التكرار في بعض المواقف الكوميدية، حيث بدا التماطل في كشف الأزمة مؤثراً على الإيقاع العام لصالح إطالة أمد الإفيهات البصرية. ورغم ذلك تحسب للحبكة قدرتها على قيادة الشخصيات نحو نقطة تحول إنسانية تبرر النزعات السلوكية ولا تكتفي بالسخرية المطلقة منها. تولى المخرج المصري أحمد الجندي قيادة الدفة الإخراجية، مستفيداً من خبرته الطويلة في صياغة الكوميديا الإيقاعية السريعة. ظهر بوضوح سعي الإخراج إلى خلق توليفات بصرية تعكس الانفصام بين الواقع المزري والديكورات الفارهة داخل المنزل. الجندي أدار الفراغات والمجاميع بمرونة، محولاً الصالونات الواسعة إلى مسارح مصغرة تدور فيها معارك الحفاظ على ماء الوجه. إلا أن التحدي الأكبر تمثل في موازنة النكهة المحلية واللسان الخليجي مع القالب الإخراجي العام؛ حيث جاءت بعض اللقطات محكومة بنمطية الكوميديا التلفزيونية العربية التقليدية، مما حدّ جزئياً من فرصة الغوص البصري العميق في خصوصية البيئة المحلية. يشكل الفنان راشد الشمراني الضلع الأثقل في معادلة الفيلم؛ فمن خلال تجسيده لشخصية الأب، لم يقتصر الشمراني على إلقاء الإيفيهات الكوميدية، لكنه منح الشخصية أبعاداً تراجيكوميدية واضحة. لقد ظهر الارتجاع النفسي والارتباك الداخلي على وجهه بصدق مذهل، مستخدماً لغة الجسد والنظرات الخاطفة للتعبير عن عجز الأب الفقدان لهيمنته وسلطته الأبوية المرتبطة بالمال. حضور الشمراني كان بمثابة الملاذ الآمن للعمل، إذ استطاع بمهارة فائقة أن يوازن بين غطرسة “المهايطي” وضعف الإنسان المأزوم، ليجعل المشاطرة الوجدانية معه أقوى من مجرد الضحك على مواقفه. نجاح العمل تجسد في تكامل المنظومة الإبداعية أمام الكاميرا وخلفها؛ حيث قاد الفنان القدير راشد الشمراني طاقم التمثيل باقتدار مجسداً دور الأب “سلطان”، وتشاركه الحضور غادة الملا في دور الأم “العنود”، إلى جانب أداء حيوي للشباب؛ آيدا القصي “ريم”، وزياد العمري “بندر”، وأضواء بدر “لولو”، وبمشاركة لافتة لنخبة من النجوم كفايز بن جريس وفهد البتيري وعبد الرحيم الشربجي. وقد اكتملت هذه المنظومة برؤية إخراجية للمخرج أحمد الجندي وسيناريو وضعه أيمن وتار بمشاركة بدر العساف، فيما تقاسمت أعباء الإنتاج استوديوهات “آيديشن” بالتعاون مع شركة “فلم كلينك” والمنتجين أيمن جمال ومحمد علوي ومحمد حفظي وفيصل بالطيور، ليتشارك الجميع في نسج خيوط هذه الكوميديا الاجتماعية وتقديمها للجمهور عبر منصة “نتفليكس”. يظل فيلم “المهايطية” 2026 تجربة سينمائية واعية بذاتها، نجحت في تشريح أحد أمراض الاستهلاك الاجتماعي بأسلوب خفيف الظل، مكرسةً قدرة السينما السعودية على طرح قضاياها المحلية بقوالب جماهيرية واسعة.