قاطع طريق مفقود لفهد العتيق ..

«بصمات» نايف مهدي السردية.

(1) اللغة تقول إن البصمة هي أكثر الأشياء ثباتاً في تكوين الإنسان الجسدي، وهي مما يُستدل به عند كل فقد أو عند ارتكاب جريمة، ولكن أن تكون هذه البصمات مرتجفة، فهي ما حملته لنا المجموعة القصصية (بصمات مرتجفة) للقاص السعودي/ نايف مهدي، والتي احتوت على ما يقارب المئتين (بصمة)، أقصد (قصة)، كل واحدةٍ منها طُبعت في مكان ما. في أركان البيت، وفي زوايا المسجد، وعلى شرفات الخيال والموت، وعند تخوم الفنتازيا والواقعية السحرية، وعلى مقاعد الدراسة، شاهدةً على كل أثرٍ تركه بطل من أبطال القصص، وعلى المعاني الراسخة وغير المرتجفة التي حوتها النصوص. (2) تبدو القصص التي نسجها قلم نايف مهدي كخيطٍ متصل واحد، يحكي التاريخ والجغرافيا والمكان، يمر على الدين والجنس والحكاية، ويعبر من المدينة إلى القرية إلى عروج السماء. يبتدر نايف أي قصة من قصصه القصيرة بجُملٍ طويلة، وهو أول ملمح يُميّز هذه البصمات، ولنقرأ في افتتاحية قصة (أمثال): «كان يُذهِل أباه بحضور سليقته في كل رد من ردوده». في افتتاحية عبقرية تفتح آفاقاً من التساؤل والأخيلة في ذهن القارئ. أو في افتتاحية أخرى لنص (تقهقر): «كاد المنبر ينخلع من فرط حماسته في وجوم المكان»، حيث تبدو الواقعية السحرية في أبهى تجلياتها كمدرسة كتابية تعالج مثل هذه القضايا. ولنقرأ أيضاً افتتاحية نص (أطياف)، والذي يدهشنا فيه مهدي بافتتاحية طويلة وذكية: «وجدت كتاباً عن أشكال الموت مُلقى على عتبة بابي». (3) العنونة للنصوص أعلاه وغيرها تَركن إلى اختيار لغوي ذكي، فهي تتكوّن في الغالب من كلمة واحدة فقط، حيث لم يُكسر هذا التقليد إلا في نصين فقط، هما «بصمات مرتجفة» و»امرأة مُقشرة»، أما بقية النصوص التي تُقارب المئتين فقد حملت كلها عنواناً واحداً من كلمة واحدة، كتاجٍ فوق رأس العروس؛ يُزيّنها. هذه الكلمة كان عليها عند نايف عبء ثقيل؛ فقد شكّلت نصاً موازياً مكوّناً ضمن صياغ المتن القصصي، حيث إن العنوان المكوّن في فقه القراءات النقدية هو الذي يحمل في ثناياه بعضاً من معاني النص، ويحمل روح النص في داخله؛ فما أن تقرأ العنوان وتنخرط في قراءة النص حتى تعود إلى العنوان مرةً أخرى، في لعبة ذكية استمرت منذ الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة. (4) تبدو قصص (بصمات مرتجفة) كضربات حادة في جسد المعنى، فما إن تتفادى ضربةً قاسيةً من أحد النصوص حتى تغرقك في موجة من الذهول، حتى يعقبها نص آخر أشد ذهولاً، مدللاً على قدرة كتابية واضحة وتمكّن سردي لمهدي. لنقرأ نص (توقيت): «أتاهم بعد غيبة يحمل عذراً دامغاً، أشفقوا عليه، سدوا جوعه بلحم قلوبهم، وسدوه عروقهم، صلح حاله، حثا في أفواههم تراب الخديعة». والنص الذي يليه في الترتيب (طأطأة): «طلبوا مني كتابة قصة قصيرة جداً، جئتهم بواحدة عميقة الدلالة، عبس النقاد، ذيّلتها بهمنجواي، أمطروا القاعة بالتصفيق». (5) الملاحظ في النصوص أن بعضها سطر واحد، وبعضها الآخر يزيد عن عشرة أسطر، رغم أن غلاف الكتاب يصنّفها كقصص قصيرة جداً، وهو أحد الاختبارات التي وضعت فيها المجموعة نفسها، في ميزان النقد المنهجي. فلماذا لم تُوصف بأنها قصص قصيرة بدون إضافة (جداً)، وهو اختبار يقع فيه أي كاتب يكتب هذا الفن الحديث. أما المُرجّح عندي فهو: هل أوصل الكاتب فكرته أم جاءت مبتورة؟ فما أحوجنا إلى المعنى في الوقت الذي اهتم فيه الناس بالمبنى وانصرفوا نحو الشكليات. (6) أنا منحاز للمعنى الجيّد، للمفارقة الذكية في الكتابة، للالتقاط السريع لزاوية النص، للمعالجة الساخرة للفكرة، وللضربات الكتابية الخاطفة، والاقتناص السردي الجميل، وهو ما يجعلني أقول بأنه تحقق في هذه المجموعة القصصية البديعة. *كاتب ومدوّن سوداني