في مجموعة « سفر في الذوات» لناجي حرابة ..

المجاز الكلي بوصفه هوية شعرية .

تضمنت مجموعة الشاعر ناجي حرابة (سفر في الذوات) عناصر بدت مادة لخلق المعنى الشعري ، و نهجا انطوى على مثابات مجاز منها ما هو تقني فني من مثل: مجاز التقفية و مجاز العناوين، ومنها ما هو موضوعي باعث على القول الشعري من مثل: مجاز النزوع الانساني و مجاز المناسبة، غير أن المجاز الكلي يمثل العنصر الأوضح في هذا الاتجاه، لذا سأجعله مادة هذه القراءة الوجيزة. وهنا أذهب بتعريف هذا المصطلح على أنه: انزياح عنصر مهيمن أو ذي حضور في التجربة ليحتقب معاني، أو يوحي بدلالات تتصل بإبداع المعنى الشعري الذي يحمل أوضح ملامح الهوية الشعرية، كما في غلبة نمط إيقاعي أو مكون تصويري أو أسلوب تركيبي أو كيفية في البناء الشعري أو غير ذلك غلبة تضيف لنهج إبداع المعنى الشعري أسلوباً ولا تكرره، وترد على أنها إضافة تفصح عن جديد، وليس مجرد عنصر أداءٍ مكرر. وكلما اجتهد الشاعر في إثراء المكونات الرئيسة بالجديد الذي تبثه أو توحي به، على نحو تتميّز به التجربة في ذلك العمل الفني دلّ ذلك على نمط من مجاز كلي. وهذا يكشف عن أنه قراءة من لدن متلقٍ، فقد يرصد قارئ مجازاً كلياً، لا يأتي عليه غيره؛ لأنه -غالباً- ما يرد السياق النصي الحامل له مورداً كثير المجازات ثريّ الأخيلة حتى لينشغل المتلقي بها عن تأمل بنية المجاز الكلي التي يحملها النص. وفي التجارب الشعرية المعاصرة أخص تلك التي تنبني عضوياً وكأنها نصّ واحد من عتبات الخارج إلى عتبات الداخل، واستيعاباً لكل مكونات الأداء الشعري؛ لأن المجموعة الشعرية المعاصرة، وكذا الديوان الحديث يريد له شاعره التميّز فيبث فيه من جديد روحه ما يحرص أن يكون غير مكرر سابقاً، ولهذا يحفل - غالباً - بتلك المجازات الكلية الدالة، ومنها في (سفر في الذوات): ١- التقدمة الذاتية التي جاءت بعنوان (كدهشة لحظة انكشاف مكيدة) (المجموعة / ٧) يعرض فيها الشاعر رؤيته عن تجربته، وكيف ينسج رؤاه شعراً كاشفاً عن تقنية القول، والباعث عليه، ومعللاً نقدياً عتبة العنوان، وعلة ورودها على هذا النحو من الصياغة، والتركيب من الأسلوب، حتى أنه جعل العنوان شعرياً خالصاً، مع أنه يريد له أن يكون نقدياً كاشفاً، وبدأ متسائلاً مع أنه يقصد عرض أجوبة، لما سيأتي من أسئلة في القصائد، وعدَّ تلك التقدمة النقدية الذاتية نصّاً شعرياً مع أنها نص نثري ذو وظيفة نقدية كاشفة. ومجاز هذه التقدمة كلّي، وليس جزئياً؛ لأنه يستدعي كل نصوص المجموعة، ويشي بالكشف عن عوالمها وممكناتها وكثير من رؤى تجربتها، حتى أنه لجأ إلى فائض المجاز فيها، هذا من جهة المجموعة نفسها؛ أما من جهة المتلقين فإنه يتوجّه لهم بالكشف النقدي بأسلوب شعري، مضمراً حاجة التجربة إلى التعليل والتسويغ النقديين، وكأنه يرى في بعض جمهور المتلقين قصوراً عن الإحاطة أو القراءة الإيجابية المتصالحة التي يطمع فيها؛ لأن الشاعر معني بالغد، يعنيه أن يكون بين يدي لسان ذكر نقدي في القادمين، عناية مستقبلية مقصودة، ومن ثمة فإن هذين العنصرين بما يخص التجربة نفسها، وما يخص المتلقي غداً هما الموجّة للمجاز الكلي الصادر عن التقدمة الذاتية. ٢- اتصال النهاية بالمبتدأ، سواء أكان ذلك على مستوى القصيدة التي يصدر ختامها عن مطلعها صدور اكتمال، وليس تكراراً، يستعيد اللفظ أو بعض المعنى، أم كان على مستوى المجموعة الشعرية، أو الديوان الشعري، ويندر أن يرد في الأعمال الكاملة. وهذا الاتصال ينم عن رؤية متكاملة، ورؤى ذات بثٍّ عضوي متماسك، ويجيء في القصيدة؛ لأنها تجربة متقاربة في معطيات إنجازها، وقد تجيء في زمكان واحد، ثم يجري عليها بعض التعديلات لاحقاً، وقد لا يجري، ويجيء في المجموعة الشعرية الحديثة؛ لأن الشاعر اليوم يجتهد في بنائها معتنياً بكل التفاصيل، وملتفتاً إلى الجزيئات، فلا يرد فيها شيء من دون قصد أو معنى أو وظيفة، ومن نماذج اتصال البدء بالختام على مستوى القصيدة، ما جاء في قصيدة (وجهة) (المجموعة / ٩ - ١٠)، حيث أقام الختام على مطلع القصيدة فنياً، وعلى أول عتبة فيها - أعني العنوان - على نحو سبقت الإشارة إليه في تحليل القصيدة في مكانها من الفصل الأول. وأما على مستوى المجموعة كلها فإن القصيدة الختامية جاءت جواباً في العنوان وفي المتن، لما جاء في القصيدة الأولى؛ أعني أن (زيارة القبر) كانت جواباً لـ الـ (وجهة) (المجموعة / ٩، ٩١)، وإذ حمل هذا الجزء في البناء معاني، موحياً للمتلقي بما يستدعي الالتفات إليه وتأمله وتأويله، فإنه إثر ذلك مجاز كلي في هذه التجربة، ويرد أيضاً في سواها على اختلاف التجارب. ٣- الشعر موضوع القصيدة، وذلك بأن يذهب الشاعر في القصيدة كلها بعرض تجربته في معاناة الشعر؛ رؤيةً فنيةً، ورؤى جماليةً، وكيفيات قول، وهو نهج ذهب إليه القدماء في شعر ما قبل الإسلام عند العرب، ثم في الشعر العربي بعد الإسلام إلى اليوم، غير أن المعاصرين، ولا سيما أهل التجارب اللافتة، حين يرد القصيدة التي موضوعها الشعر تحمل عنده مجازاً كلياً يشي بخصوصية تجربته في القول، وذاتيته في الاستلهام، ونزوعه إلى الاستشراف بكثير من النزوع النبوئي، مقدماً للمتلقي معاناة قول الشعر، لا في صورتها الصناعية التقنية، إنما في أبعاد الإحساس بالأشياء والمعاني عبر الأصوات والكلمات والألفاظ. وقصيدة (سفر أول في ذاتي) (المجموعة / ١١ - ١٣)، وكذلك قصيدة (سفر آخر في الذات) (المجموعة / ٦٥ - ٦٨)، وقصيدة (وجهة) (المجموعة / ٩ - ١٠)، وكذلك قصيدة (للحب رقصته) (المجموعة / ٨٣ - ٨٦) كلها قائمة على مجاز كلي صادر عن (الشعر موضوعاً للقصيدة) صدوراً حافلاً بأفق من صياغات ومعان يجمعها عالم الشعر مجازاً كلياً تتبدّى في ممكناته أخيلة الشاعر، وهي تحرث تراب الشعر بأساليب القول، بما يمكن معها أن نقرأ أشكال ذلك المجاز الكلي ووظائفه، ونزعة الشاعر إلى الكشف عن عالم تجربته شعرياً فنياً، وليس موضوعياً إلغائياً، كما تدفق إلى ذلك المتنبي في مواضع كثيرة من شعره، تحيط ببعضها أو بكلها كل ذاكرة مكتنزة بالشعر العربي. ٤- تعدّدُ آفاق شعرية وتكرارها في تجربة معينة، وهنا بين يدي (سفر في الذوات) تعددت آفاق من مثل أفق أن تكون موضوع القصيدة الشعر، ترد أربع قصائد في هذا الأفق حاملة مجازاً كلياً يحتقب الكثير مما يتصل بالتجربة الذاتية للشاعر، مع أن القصائد لا يكرر بعضها بعضاً؛ ومن مثل أن تنبني القصيدة على (بيت القافية) الذي يتيح سعة النظام الشعري فيه أوسع مساحة لفظية للإحساس بالأشياء والتعبير عنها، وهو ما تمت الإشارة المفصلة إليه في بابه من هذا الفصل؛ ومن مثل أن تتعدد آفاق المجاز في اتجاه شعري واحد متصل بعتبة العنوان، كما في قصائد: (ليلى انتظار أبيض) و(المدامع) و(الأحمر المحتج)، وبعضها يرد مثالاً على (المجاز الجزئي)، ولكن تتابع المجازات الجزئية في أفق واحدٍ متتابع في تعدده لا في تكراره؛ لأنه تعدد يقوم على التنوع لا التشابه، ذلك التتابع في صورته العامة يخلق مجازاً كلياً. وبعض قصائد الغرض الواحد من المطلع إلى الختام تصلح أنموذجاً في المجاز الكلي، ولا سيما عند أبي تمام. أما في القصيدة المعاصرة، ومنها: (سفر في الذوات) فإن تلك القصائد التي أقيم كل بيت فيها على (سفر في معنى)، ومجموع أبياتها / أسفارها يؤدي مجازاً كلياً، غالباً ما يصدر عن بعض ممكنات عتبة العنوان. وعلى الرغم من تماسكها العضوي إلّا أن النزعة السببية التي تجعل كل بيت يؤدي إلى ما يأتي بعده ليست مهيمنة - هنا - دائماً. ٥- هيمنة عنصر إيقاعي معين على عالم التجربة كلها يمثّل مجازاً كلياً، وكذلك هيمنته على عالم القصيدة، بما يجعل المعنى الشعري فيها صادراً عنه، أو مبنياً عليه، أو أن النص ما كان ليتشكل على هذا النحو بمعزل عنه، وهناك تكشف تلك الهيمنة في هذين المستويين عن دلالات تستجد انطلاقاً منها، وعن معان تتبدّى في خلالها، ليس على نحو جزئي من عالم التجربة إنما مجاز كلي، من ذلك في رحلة (سفر في الذوات) أن الإيقاع الوزني الصادر عن بحر المتقارب هو المهيمن، فهناك تسع قصائد من بين ثلاث وعشرين قصيدة، جاءت على المتقارب، وأحسب أن خصائصه في تركيب الجملة وسعته وإنسانيته واتساع ممكنات قالبه الوزني كلها تتيح لبنية البيت - ولا سيما (بيت القافية) - أن يستجيب لإحساس الشاعر بالأشياء وتخيلها شعرياً، وهو ما وقفت عنده هذه الدراسة في الفصل الأول. ومن نماذج هيمنة العنصر الإيقاعي بما يؤدي مجازاً كلياً غلبة التكرار الذي تبنى عليه القصيدة، كما في بناء قصيدة (ليلى انتظار أبيض) على تكرار كلمة (ليلى) (المجموعة / ١٥ - ١٨)، وبناء قصيدة (المدامع) على تكرار كلمة (المدامع) (المجموعة / ١٩ - ٢٠)، وبناء قصيدة (الليل مقتدحاً رؤاه) على تكرار نداء (يا ليل ...)، وبناء (الأحمر المحتج) على تكرار شبه الجملة (في ...)، وما يماثل ذلك في هذه المجموعة. ٦- أنسنة الأشياء تشكل مجازاً كلياً حين ترد أسلوباً مهيمناً في رسم الصورة، ومن ثمة في إبداع المعنى الشعر، بما يمكن معها للمتلقي أن يتأوّلها كاشفاً عن معطيات ذات حضور عام تخص أسلوب الشاعر أو نهجه في الإحساس بالأشياء، أو كيفية اجتهاده بين يدي الخلق الشعري، وغيرها مما يسهل البناء عليه، والكشف انطلاقاً منه . ٧- القصيدة الأحادية، وهي ذلك النص الصادر عن باعث واحد، يفصح عنه العنوان بدءاً، ثم تسري عناصره وممكناته في عالم القصيدة، في المعجم والجملة والصورة والبناء والمعنى الشعري، فهي سبيكة واحدة؛ في الباعث والألفاظ ومعطياتهما. وفي تجربة (سفر في الذوات) تهيمن الأحادية على تسع عشرة قصيدة؛ لأن الشاعر مأخوذ كثيراً بالبنية العضوية التي تمسك بتلابيب قصيدته وحدة عضوية واحدة، وكأنّه مشغول بها تجربة مستقلة، لا تأخذ مما قبلها كثيراً، ويتوق إلى أن لا يجري منها في القادم أكثرها، وهذه صفة إبداعية تنزع إليها التجارب غير التقليدية. حتى إذا تتبعتها في نصوص هذه المجموعة، وأن على سبيل الإيضاح، كان مجاز الأحادية في القصيدة الأولى (خلق المعنى الشعري)، وفي الثانية (إنجاز القصيدة)، وفي الثالثة (المرأة بوصفها قصيدة)، وفي الرابعة (الكلمة الدمع)، وفي الخامسة (الفكرة الشعرية المنتجة)، وفي السادسة (استعادات ماضٍ)، وفي السابعة (الحواس) وهكذا في تسع عشرة قصيدة؛ لأن الشاعر - هنا - يسكن في أحاسيسه ومشاعره إلى جزئية من معطيات الحياة، مستشرفاً إياها، قارئاً ومفكراً، ومنجزاً الحياة في خلال الألفاظ، بما يجعل كلام القصيدة ليس وسيلة خلق شعري، إنما أشبه بماء خلق لأجل أن يتبدّى الإحساس والأسلوب والطبع، ومن ثمة فرادته في تلك الأحادية غير المباشرة. ٨- إنتاجية القصيدة من المجاز الكلي، لاتصال تلك الإنتاجية بحضورها في نفسها، حضور القصيدة في كيفية ذات تميّز يتوق إليه غيرها، وتؤثر في غيرها، وتتجدد نفسها، ولا تكررها، وتتعدد في مجسات إحساسها بالأشياء والمعاني، ولا يدور جريانها في أفق واحد، فأنت معها في انتقالات ومنازل، وفي مسافات وأبعاد، ومن ثمة هي منتج ذو حضور شبه جديد، ومؤثر في ممكنات شبه جديدة، تحل في المتلقي النوعي محل الإضافة من القراءة، وتحل في نفسها محل الجديد في الشائع. ولعل أوضح صفاتها: التأثير والإلهام والكتابية ونزعة الاستشراف. ومن التأثير إلتفات التجارب إليها، كما في (الدرويشية) بعد محمود درويش. و(المتنبية) بعد المتنبي، و(النزارية) بعد نزار قباني، وهكذا. ومن الإلهامية قصائد المعارضات الشعرية، كما في معارضات: (بانت سعاد)، و(يا ليل الصب)، و(الطلاسم)، وغيرها مما في إلهاميتها. ومن الكتابية القصائد ذات النزوع الإشاري أو الرمزي أو السيميائي التي تستدعي تأملاً قارئاً. ومن الاستشراف (شعر النبوءة)؛ لأن كل هذه الصفات تفتح للمتلقي النوعي على نحو خاص ثم المتلقي العام قدرة الإحساس بالشعر مؤثراً معرفياً وفنياً في الحياة عامة.