الرواية الأولى لـ « طلال الطويرقي» ..

عدسةُ « غرغرينا» المكبَّرة .

من مضايق الشعر وعوالمه المتعالية، يهبطُ طلالُ الطويرقي إلى أرضِ السرد متلمِّساً وشائجَ الذاتِ الإنسانية، على امتدادِ ذاكرته المكية الحية، النابضةِ بالحنين، المشدودةِ إلى ذلك الزمن الجميل، والمكانِ المؤثثِ بما تواضع عليه المجتمعُ من أخلاقياتٍ وجمالياتٍ وقناعاتٍ متوارثة؛ يؤكِّد طلالُ في تجربته الروائية الأولى “غرغرينا”، تلك المقدرة -التي أثبتها الكثيرُ من الشعراء الذين كتبوا الرواية- على تطويعِ السرد الحكائي، وحقنه بتلك الجرعات الفنية الذكية، مقرونةً باللغةِ الشعرية، والصورة الحية المتفاعلة. تفتحُ “غرغرينا” نافذةً كاد أن يسد الغبارُ الجاثمُ عليها كل مسالكِ النور، ليُطل القارئُ منها على تلك المدينة المقدسة، مكة، تاريخاً وإنساناً، ويُشرِفَ بشكل أكثر خصوصيةً على أحد أشهر أحيائها، “حي الجُمَّيزة”، حيث تبدأ الروايةُ من هناك لا لتنتهي، بل لتواصل سيرورتها وديمومتها الأبدية، لأنَّ مكة هي المكان الذي سبق الأمكنة، والزمانُ الذي خرج عن طوقِ الحدودِ والقياسات. تبدأ الروايةُ بالغرغرينا التي اكتشفها الطبيبُ في قدم “الهوّاش” واستلزمت بتر ساقه، فعاش بعدها كما كان بكامل فتوته في حارته، دون أن يخضع لدواعي الجزعِ والعجزِ واليأس، وتمتدُ القصةُ إلى الغرغرينا التي أصابت “أبا الخير” ابن أخت الهواش، والذي لم يستطع أن يستوعب إمكانية إصابته بها، ليذهب ضحيةَ جلطةٍ دماغيةٍ مفاجئة؛ بين القصتين تنمو وتتسع أحداثٌ وتدخلُ شخصياتٌ وتخرجُ أخرى من المشهد، وتظل رمزيةُ الغرغرينا حاضرة، بما تمثله من شكلٍ من المرض يستوجب التضحية بجزءٍ من الجسد، كي تنجو الأجزاءُ الباقية منه، هذه الرمزية يمكن أن يُسقطها القارئ على الكثير من الشخوصِ والأحداثِ والتفاصيل التي احتشدت في الرواية، ويمكن أيضاً أن تمثِّل صورةً مصغرةً لحارات مكة القديمة، التي عدت عليها عوادي الدهر وأمراضه، فلم يكن لها بدٌ إن أرادتِ النجاةَ والاحتفاظَ بما بقي من تاريخها، إلاّ بدخولها في عمليةِ الإزالة والتطوير؛ تلك الأحياء المكية، التي مرَّ عليها الروائي وكانت مسرحاً مؤقتاً لبعض الأحداثِ في الرواية. عمدت الرواية إلى حشد الكثير من الشخصيات، مع أنَّ حضور بعضها عابرٌ سريع وهامشي، وكأنَّ الكاتبَ حينها يقوم بتسليط عدسته وتوسيع مداها، لتشمل كل أولئك العابرينَ متنَ الحارةِ وهامشَها، من كل طبقاتِ المجتمعِ المكي، وبهذا لم تستأثر شخصيةٌ محددةٌ من شخصيات الرواية بدور البطولة المطلقة، وأصبحت كلُ شخصيةٍ تأخذ نصيبها من البطولة بقدر حضورها الفاعل، مع ملاحظةِ أنَّ الحارة قد تكون هي البطل الخفي للرواية. في “غرغرينا” حضرت الحارةُ المكيةُ البسيطة، بتلاحمِ أهلها من مواطنين ووافدين، وطبقاتٍ اجتماعية مختلفة، واتسع أفقُ التبادل الثقافي بين الجميع، وأصبحت اللغاتُ واللهجاتُ والعاداتُ الأصيلةُ والوافدة حاضرةً كمكونٍ لهذا النسيج الاجتماعي البسيط، والقادرِ على استيعاب واحتواءِ الآخر المختلف، وقد صورتِ الروايةُ في بعض مشاهدها الكثير من اللحظاتِ التي لا يمكن لها أن تتسرب من ذاكرة المكيِّ العتيق، مهما أبعدَ في البلادِ أو أوغل في العمر، حين تلح عليه ذكرياتُ جلساتِ المراكيز اليومية، والاستعدادات السنوية للشعبنة، مروراً بطقوسِ عيدِ الفطر المبارك والصلاة في الحرم المكي، وفيضان الأجساد العطرةِ المتقاربة في صبيحة العيد، صعوداً إلى الحرم المكي، وهبوطاً منه. لكنّ هذا المكون المجتمعي في الحارة أثمر على الجانب الآخر عيوباً لم تغفلها الرواية، فحين تغلب العشوائية، ويفيض الجهل، وينتشر مجهولو الهوية، ويرتفع معدل الفقر، يخفت سطوعُ القيم في النفوس، وتتفشى الجرائمُ بكل أشكالها، ويكثر باعةُ الجنس والمخدرات وشتى الممنوعات، تتسلل قيمٌ شاذة غريبةٌ عن المجتمع، ليصبح لها حضورها وتأثيرها، وتبدأُ الغرغرينا في غزو الحارة من جوانب شتى، ربما يستحيل معها الحصولُ على علاجٍ ناجعٍ يحافظ على ما بقي منها، غير البتر التام. * مكة المكرمة