« غياهبُ ينسجها الوضوح » للشاعرة نادية السالمي ..

الذات النصية بين نعومة الحرير وخشونة الصوف .

ينبغي لأي قراءة لما تكتبه الأنثى أن تبتعد عن التشخيص وعزو النص إلى تجارب الشاعرة الشخصية وربط النصوص بحياتها الخاصة،فالنصوص ليست مرآة عاكسة نستطيع من خلالها التعرف على صفات قائلة النص وميزاتها،وخاصة تلك القراءات التي يرتئيها الرجل؛لأنَّ البعض منا مازال يفترض أنَّ النص هو الحياة الحقيقية لقائله،وكأنَّ كاتبة النص تكتب ما تمارسه في الحياة العادية،بمعنى إذا كانت الأنثى تكتب عن العواطف والمشاعر فهي تنطلق من تجاربها الواقعية،وهذا منافٍ لروح الأدب عموما،وربما سعى بعض المتلقين قارئا لأدب المرأة ظنا منه أنها تكتب حياتها المعاشة،وتصوّرا منه أنها تصدر عن معاناتها الذاتية،ولكن الحقيقة الأدبية أنَّ المرأة الكاتبة تكتب عن الذات النصية سواء كانت أنثى أم ذكرا،والكتابة الأدبية في عمومها مرآة عاكسة لواقع موازٍ للحياة التي نعيشها،ودور الأدب حيوي،فهو يكمّل الحياة الحقيقية ويغنيها،ويجمّل الحياة الواقعية قدر استطاعته . (وكم قميصٍ خبا ضوء العيون / على أثر الوعود / وتلويح البشاراتِ / لكن سمعي مضى / في غيِّ أغنيتي / والرمشُ رتَّب لي / كتف انتظاراتي / فلم أعِ في غياب الحق . ./ حقي في حياكة الثوبِ / مِن . . حتى النهاياتِ / حتى وإنْ كنتُ قد طرزتُ من قُبَلي / طفولة نضحت / عُمر الطفولاتِ ) . عندما قرأتُ العنوان (غياهب ينسجها الوضوح) لأول وهلة تذكرتُ قصة " حائك الكلام " في كتب التراث،مثل كتاب"الفرج بعد الشدة" للتنوخي،تلك القصة التي حدثت بين صاحب الوزارة الكاتب عمرو بن مسعدة وشيخ كبير في السن،حاسر الرأس،حافي القدمين،رثّ الثياب . وما دار بينهما من أحداث ومحاورات،ومنها سؤال الوزير للشيخ العجوز عن صناعته،فقال الشيخ العجوز : حائك،أصلحك الله . ثم سأل الشيخ الوزير عن صناعته،فأجاب الوزير : كاتب . وبعد ذلك تبرز ثقافة الشيخ الموسوعية،فتعجب الوزير من أجوبة الشيخ،فامتحن الوزير الشيخ في أشياء كثيرة،فكان الشيخ ماهرا فيها جميعا حذقا بليغا . فقال الوزير : ألستَ زعمتَ أنك حائك ؟ فقال الشيخ مجيبا : أنا،أصلحك الله ،حائك كلام ،ولستُ بحائك نساجة،وأنشده بعض أبيات الحكمة له . فقد كان الشيخ العجوز حائكا للكلام،بمعنى الخبير الماهر والبليغ الحاذق بفن الكتابة والبيان في كل شؤون الكتابة وشجونها في زمنه وبيئته،فهذه المادة (الحياكة والنسيج) من المفردات المستعملة في نقدنا العربي القديم،فكثيرا ما شبَّه النقاد وأهل البصيرة بالشعر،صناعة الشعر بصناعة النسج،حتى قال الجاحظ :(وإنما الشعر صناعةٌ وضرب من النسج وجنس من التصوير) .وبذلك يكون الاستعمال القديم واردا مستقرا على الألسن ومبثوثا في الكتب المؤلفة،والشبه جليُّ بين صناعة الشعر الذهنية وصناعة النسيج الحسية،والجامع بينهما تنظيم الخيوط في النسيج وبناء الشعر من المفردات التي تشبه الخيوط في بديع انتظامها وحسن ارتصافها،وكأن طريقة تداخل المفردات واشتباكها في التركيب البنائي عموما،وفي الشعر خاصة تضاهي ارتباط خيوط الثياب المحكمة في تداخل اللحمة والسدى حين يتشابكان،ثم يتحول كل ذلك إلى قطعة من القماش حسب نوعية الخيوط المستخدمة . وبالعودة إلى كتاب (الفرج بعد الشدة ) ففيه يقع الابتلاء في الابتداء ثم يأتي الفرج من المعاناة بعد زوال الشدائد،ولكن عنوان المجموعة الشعرية يخالف،فهو يومئ إلى أنَّ الإنارة والإبانة هنا تحكم تلك الغياهب وتنسج تلك الظلمة،والغياهب بمعنى العتمة والعماء،وجاءت بصيغة منتهى الجموع،ولكن الغريب هنا أنَّ الوضوح هو الذي نسج هذا التعتيم وأحكم الحبك،فأصبح الوضوح صانعا للظلمة والغموض،وفي هذا التصنيع مفارقة لغوية قائمة على ركيزة فلسفية ورؤية وجودية،ومفادها أنَّ التركيب يستخدم الانزياح الدلالي ويوظف التركيب البلاغي عن طريق إخراج المفردات والألفاظ من دلالاتها المعجمية الجامدة إلى فضاءات بيانية أرحب،وتظهر في العنونة كسوة المجرد بالمجسد عبر الاستعارة المكنية القائمة على المفارقة الصارخة،فالوضوح بما يمثل من الضوء والإبانة والإظهار يُشبَّه بالحائك والنساج،وهذا الوضوح يقوم بحياكة صناعية صادمة،وهي الغياهب بما يشكله من خفاء واحتجاب،وتعكس هذه الاستعارة رؤية حادة وعميقة مرتكزة على تناقضات ذهنية عجيبة،فعندما يكون الوضوح شديدا والسطوع منيرا؛فإنه سيكون خاليا من التجميل ومجردا من المكياج والرتوش،وكلما كان الوضوح مضيئا فإنه سيقوم بكشف الغطاء عن أقنعتنا،وسيقوم بتعرية مشاعرنا الداخلية وكنس نفاقنا،وسنكتشف بواسطة هذا الضياء العتمات المخبوءة في ذواتنا،وربما نتكشف التشتت والضياع الداخلي في أنفسنا بعدما سترنا تلك الإشارات،فالوضوح المبالغ فيه هنا يحاكي النور الباهر الذي يغشى البصائر فيعميها،والوضوح غدا وسيلة بناء وآلية هدم في ذات التوقيت، فهو إما يقودنا إلى دروب ومسالك مدلهمة،فنصطدم بقطع من الغياهب التي تسدُّ آفاق بصيرتنا،وإما ينير بصيرتنا ويرشدنا إلى خارطة طريق لمعيشة ترنو إلى الحب والصدق والسلام والوئام . وهندسة الخيوط الأربعة ( الحرير والكتان والصوف والقطن) اُستخدمت شبكة نسيج لتحولات الوعي الأنثوي الذاتي متدرجا من الليونة والنعومة في ملامسات الحرير،ومن الصفاء في قراءة الذات النصية ثم صعودا في مراحل التأزم ومواجهة مكابدات الحياة ومكائدها وصولا إلى مرحلة الاستقرار والعودة للروح الناضجة،والتآم الوعي الداخلي،بعد مشقة المسافات السابقة،التي لاذت فيها الذات النصية إلى صمتها الإيجابي تجاه الآخر،وعانت من تضادات الواقع المعيشي،وتوجعت فيه من ارتطامها بالعالم الخارجي مما سبب لها ألما وجراحا أثر التجارب التي خاضتها مع الوجود عموما . لا شك أنَّ المجموعة الشعرية يلتصق بنصوصها التوصيف النسوي،أي أنها في الغالب تدور في مضمار تمثلاث الأنثى وما يبدو من تجارب الأنثى النصية،فالنصوص كثيرا ما أبرزت تلك الصدامات مع الآخر،وتجلت بعض الصراعات التي يتعارض فيها طرفاها،الذات النصية في مقابل الآخر السلبي،وأحيانا تتطور الحالة إلى ما يمكن تقديره بالامتزاج الفردي بالوجود،وليس مستغربا أن نرى الذات النصية في تشابكاتها مع الآخر ومع بعض المجتمع من خلال الثنائيات المنتشرة في النصوص،وليس خافيا أنَّ في بعض النصوص انكافاء ذاتيا في تماساتها مع الخارج،وأحيانا تنهض مظاهر الانكسار الذاتي في بعض النصوص،وتنحو النصوص إلى تغليب مؤازرة روح الإرادة،فتنتفض الذات النصية على نفسها وضد المقابل المخالف،مثل نص " يقين شامت" حين ترفض الذات النصية أن تكون صيدا ميسورا للمتاجرة بعواطفها،وتأبى أن تظل سلعة قابلة للتدوال في معرض الفحولة . هذه الروح الثائرة في مواجهة جبروت الآخر،لن تخضع ،ولن تتردد في الانتصار لذاتها وبشتى الطرق . فالمجموعة تعكس تفلت الذات النصية المراقبة لتحولاتها،وتسعى بعض النصوص إلى التعبير عن الأنثى المكتنزة بصمتها،فهنالك وقائع مؤلمة ومواقف ناتئة فُرضت على الذات النصية اجتماعيا وتاريخيا وثقافيا،وبقي كل ذلك مندسا في اللاوعي منها،ولم تستطع البوح بها كثيرا سابقا بسبب الظرف السائدوالمسيطر،وظلت في السابق تنوء بحملها المؤذي،وتستنزف من أعماقها،وتذرف الدموع وحيدة دون إصغاء من أحد يشاطرها أساها،أو يستشرف معها مستقبلها،وإنما هنالك الوصايا والتوصيات المجتمعية،أو كما تقول الشاعرة السالمي في إحدى تغريداتها : (من وصاية الى وصاية،يدور المجتمع حول هذه الدائرة ،وعلى ما يبدو أنَّه لا يودُّ الخروج منها،اتركوا المرأة وشأنها،هي تعرف ما تريد،وستنساق إليه طواعية) . ولذلك تبرز في النصوص الأنثى الصامدة في المواجهة لتحقق أملها ولتعيد لحياتها التجدد الإيجابي،وهذه التحديات تأتي وسيلة للخلاص من عسف المضاد (كُسرتِ فلا بأس قومي / بجمع الخيال / وما من محال / هنا اِعقدي ضحكة / تلو أخرى / ومدّي إلى خارج البئرِ / عمركِ / ولتصعدي سلّم الضحك / نحو النجاة / بعلم الجُناة / فهذا الطريق : / إطار نكسّرهُ بانعتاق الخطى / سقطتِ فلا بأس قومي / أفيقي / خبا / فيك صحو اليقينْ / وردٌ تجاسر للمتعبين / فدور الرحى لعبة الصمت / فيكِ وأنتِ الدقيق / فيا للسنينْ / أعيدي حياكة ثوب الفلاة / بعجن التجلّدْ / بماء تنزّل صنو الصعود / أحبي فقد يشتري الحبُّ / ثوبا جديدْ / فبالحب ننسى / اهتراء النشيد) . وقد تظهر الذات النصية المقاومة بكشف الآخر وتعرية الواقع الناتئ،فالأنثى ترفض تهميشها وتأبى الانكسارات،وذلك بواسطة آلية البوح الذاتي،وهي استراتيجية مقاومة ومضادة للآخر السلبي، لإرباك الخصم ومكاشفة المجتمع بوعي وموضوعية،ففي نص " عراك النخيل " نجد الذات المالكة لوعيها المستقل والصانعة لفضائها الشعري الخاص بها،تسير متفكرة في الوجود العام ومتأملة مصيرها من منظورها الذاتي،وبعض النصوص ترشدنا إلى نماذج من الطفولة المضطهدة،وتسعى مثل هذه النصوص إلى سبر الأبعاد النفسية والرمزية التي ترتبط بتجارب الذات النصية في الحياة،كما في نص " طفولة دكناء " وفيه نصغي إلى اعتراضات الذات في وجه بعض التصرفات المهيمنة على الأنثى (وشيخٌ خلف لحيته توارى / يناور في الدُّنا ليكون فحلا / وبنتٌ عن طفولتها / تولّتْ / بإكراهٍ . . وها هي منه حبلى / إليك الجذع يا ليلى / فهزّي / رأيت الصورة البلهاء ختلا / إليك الجذع يا ليلى / فكفي / عن التدوين في قبر تدلّى ) .