قَصِيدَةُ الْمَضَارِبِ وَالْمُحَارِبِ وَالنَّصْرِ الْمُرْتَقَبِ
إِلَى الْفَارِسِ الْعَرَبِيِّ الشُّجَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمَانَ، سَيْفِ الصَّدِّ وَالرَّدِّ، وَحَادِي الْقَافِلَةِ. لم تنكرنا المضارب ولم ننكرها لكن خانتنا الأماني وسرقت ذئاب الكمائن الغريبة حروف الدهشة من بين أصابعنا وتركتنا حيرى ومغشيًّا علينا لا يشفق علينا أحد في خروجنا الكبير من «عروق الشيبة»* باتجاه هدأة «الدانوب»* وزُرقة «هورون» البهية أعالي «ميتشغان»* الباسلة في ملح الأغاني ثم صعودًا إلى شواسع «سيبيريا»* وسهول «غراند كانيون»* العظيم صوب براري العالم التي نعرفها وتعرفنا خطوة خطوة وآهات وأشواق وحنين. لم نعد نحن هم أولئك البدو الرُّحّل منذ أن أغوتنا جنيات المدن البعيدة التي لا تشبهنا بتعاويذهن الذهب والنارنج وحُمّى الوجع المتصاعد في أرواحنا بطعم اللُّبان المُرّ المُسنَّن النسغ وحُرقة الزعفران الجارحة في الأفئدة نحن بدو من أقصى جزيرة العرب قدمنا إلى شواهق الثلج تسبقنا دون خوف أو رهبة أمنيات صغيرة لم نعد نذكرها أو تذكرنا تشتعل في قلوبنا البدوية أغاني اخضرار العشب في نواحي «شبوة» النائية وأقاصي «نجد» * لم نرفع راية النكران لأهلنا.. ياااااأهلنا يا خبز أيامنا الكالحات يا أهلنا.. يا قصائد اللغات البكر التي لا تنكر عشاقها يا قلوبنا التي باعدت بيننا وبينها قفار عُمي ومفاوز سود وكوالح جغرافيات يا أهل أهلنا وشهقات الشوق المكروبة في صدورنا العاشقة وجمر الفراق الكاوية ياآ...! هل ناديت بأعلى صوت في صوت صوتي: ياآ محمد؟! كم مرة سنلتفت إلى الوراء في كل خروج جديد إلى التيه كم دمعة سنغالبها وتهزمنا بانحدارها الكاوي على صفحات وجوهنا المتعبة من كمد هجرات مُحرقة لا تتوقف كم مرة سنُغني حزانى: «ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتي؟ مليحةٌ عُشّاقها: السِّلُّ والطغيان والجربُ»* كم آهة حرى سنطلقها كلما غادرنا مضاربنا الحبيبة وغادرتنا باتجاه نجوم الشمال البعيدة الباردة الضوء والأغاني نحن رحّالة آفاق محايدة ومُبهمة نحن أيتام طرائق مجهولة وعصف نواحي نحن أغنيات عشق مضطرمة الإيقاع توقفت عن الحنين وألحان فقدت دهشتها بعد أن خانتها كمنجات وأوتار ووقائع عابسة وغدّارة ما بين «بهيمية الطوائف» و»تفسخ التكنولوجيا» تاهت بنا الخطوات وأنكرتنا الأناشيد فمن سيشد عضدنا نحن آخر أقيال مأرب* الذهب وجلنار العُلا* من سيضمد جراحاتنا النازفة شوقًا لأهازيج طفولتنا البعيدة المنثورة مثل زهر برار منسية ما بين تضاريس «حضرموت»* الفتية وشواهق «السراة»* من يا محمد السيف والقلب والأغنية؟ نهشتنا ضباع الجحود والنكران وخانتنا قبائل البغي العمياء بأحقادها ومزقت كلاب الطوائف العاوية أطراف ثوبنا العربي وولغت في دماء صغارنا ضباع الخيانات كلها فصرخنا وقلوبنا تمسك غاضبة بمقابض سيوفنا السبئية الفاتكة يااااا محمد..! فعاد صوتك هادرًا إلينا مثل صبح جديد واخضرار أماني وصلابة عقيق: يا لبيك! فارتعدت كمائن النواحي كلها وفرت بهائم البغي المسعورة من ساحاتنا هو الحنين إذن من يقتات أوراق قلوبنا هو الشوق من يكوي أفئدتنا ويسلخ الأكباد حنينًا إلى وقائع العزّ في ساحتنا وشوق المحارب الأخير لصولة الفرسان في عرصات الذود الكبير ومواسم النصر الباذخة شتتنا غرانيق المنايا وحاصرتنا خطوب الظن ومؤكد الخيانات وتاهت بنا سُبل النجاة ونحن العصيون عن التقهقر وأعداء ذل الانكسار وسادة الوغى فرفعنا أصواتنا في عميق الجهات مرات ومرات ومرات: ياااا محمد ياااا محمد ياااا محمد فتردد صدى أصواتنا في عميق المجاهل الغُرل واهتزت جحافل وتبعثرت خوفًا فيالق ودساكر. هو محمد برق الفجر الساطع البشارات وشهاب القوافي ومُزن الوقائع البيض كلها وهو ما ليس يشبهه متشابه في تالي عثراتنا كأنه هو وليس غيره غير سواه محمد ..وسيف حق مُشهر وأغنية حب ونشيج أناشيد وشاهق شجاعات وفصاحة حضور وأمواج صد عاتية وزحف فوارس مروءة وحديد بسالات وريحان أوله عروبة تنهض بهية من عثرتها وكل البدايات وواسع اتجاهات إذا صرخت حُرّة من كربها: وامحمداه! تزلزلت قلاع كيد وتبعثرت خيانات ومطامع. ياااااا محمد الجياد تحرن في انتظارك وتترقبك خطوة خطوة وخفقة خفقة الصافنات والفرسان وتمائم القيام الكبير الأمهات ومواجع الآباء القدامى ومخاوف الأطفال في الأنحاء السيوف وحرائر المطايا وخافقات الطير في قلوب الصبايا النهر الجاف والعشبة الهاربة من رمضاء الهجران رجال الرجال في هباتهم المتعثرة إلا من قدومك أغاني الصبايا في وديان العزلة القتبانية* وكركرات أطفالنا الدر والياقوت في مواسم الخوف الكبير كل الجهات والأنحاء والرمل والشجر وقطر الشوق ولواعج الغُبن المعتق في قلوبنا صخر المفاوز وحديد المسافات كرائم الطير وما لم تصهل بها صافنات الجياد اليعربية في ضبحها الكظيم شمس الظهيرة وسنونوات المغارب البعيدة الجدب والمطر الزهر والثمر الخرائط وغوامض المستحيل كلها تنتظرك انتظار النوق المُعسِفة لزُلال الماء في يباب الظمأ الكبير فخذ الكتاب بقوة واقرأ لنا سورة الكرّ المبين وفك طلاسم المجاهل كلها وتقدم بنا نحن بك وأنت بنا باتجاه شوط النصر الكبير يا محمد يا محمد يا محمد. .............................................. * شاعر وروائي وأديب يمني أمريكي هوامش: عروق الشيبة: هي منطقة صحراوية شاسعة تضم مجموعة من أعلى الكثبان الرملية المستقلة في العالم في قلب صحراء الربع الخالي سيبيريا: هي منطقة جغرافية شاسعة تقع في شمال آسيا وتمتد بالكامل ضمن الأراضي الروسية، توُعد واحدة من أبرد المناطق المأهولة على وجه الأرض، حيث تسجل درجات حرارة شتوية قاسية تتجاوز أحيانًا 60 إلى 70 درجة مئوية تحت الصفر. نهر الدانوب هو ثاني أطول نهر في أوروبا بعد نهر الفولجا، ويبلغ طوله حوالي 2,850 إلى 2,864 كيلومترًا، ويمر بعشر دول. بحيرة هورون: هي إحدى البحيرات العظمى الخمس في أمريكا الشمالية، تقع بين مقاطعة أونتاريو في كندا وولاية ميشيغان في الولايات المتحدة. وقد اكتُشفت فيها مؤخرًا آثار حضارة قديمة تحت الماء تعود لنحو 9000 عام. الأخدود العظيم أو غراند كانيون Grand Canyon هو خانق ضخم وعميق يقع في الجزء الشمالي الغربي من ولاية أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية، ويحتوي على متنزه الخانق العظيم الوطني المسجل كأحد مواقع التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1979. شبوة: محافظة يمنية نجد: أحد أكبر أقاليم شبه الجزيرة العربية التاريخية وأكبرها مساحة، وتقع في وسط المملكة العربية السعودية ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتي؟: مطلع قصيدة لشاعر اليمن العظيم الراحل عبدالله البردوني مع تحوير بسيط القيل: هو لقب مَلَكي أو رتبة سياسية قديمة في اليمن القديم (مثل ملوك حمير وسبأ)، ويعني الملك أو السيد الذي يكون في مرتبة دون الملك الأعظم، وله نفوذ وكلمة نافذة على قومه ومنطقته («المخلاف»). وجمعها أقيال حضرموت: محافظة يمنية كانت مركزًا لمملكة يمنية قديمة ازدهرت عبر طرق تجارة اللبان والبخور وعاصرت ممالك سبأ ومعين وحمير السراة: أو جبال السروات على السلسلة الجبلية الكبرى الممتدة في الجزء الغربي من شبه الجزيرة العربية، بموازاة الساحل الشرقي للبحر الأحمر، عبر السعودية واليمن. العُلا: يُقدَّر عمر الاستيطان البشري فيها بنحو 4000 عام (بل تشهد على أكثر من 200 ألف عام من التاريخ البشري)، ومرت عليها حضارات قديمة عديدة مثل: الأنباط، والدادانيون، واللحيانيون القتبانية: هي إحدى أهم الممالك واللغات القديمة التي قامت في جنوب شبه الجزيرة العربية (في اليمن الحالي، تحديدًا في محافظة شبوة ومناطق وادي بيحان)