بعد 12 عاما من الانقلاب..

«فجر اليمن» يشرق من جديد.

بدأت يوم الرابع من أكتوبر عام ٢٠٢٦م معركة “فجر اليمن” التي حملت اسم اليمن مجازاً، مع أنها معركة فجر العرب وفجر الحرية لكل من يؤمن بها في مواجهة أحقر عصابة ميليشياوية عنصرية كهنوتية متخلفة، وسيخلد يوم انطلاقة هذه المعركة في أنصع صفحات التاريخ ولن تنساه الأجيال. فبعد أن انقلب الحوثيون على شرعية الدولة اليمنية عام ٢٠١٤م واختطفوا كل مؤسساتها، وأطل مشروعهم بقرونه الإيرانية الفارسية، انطلقت “عاصفة الحزم” كتحالف عربي بقيادة المملكة العربية السعودية، وكحالة استشعار للأمن القومي العربي في مواجهة المشروع الإيراني الذي لا يستهدف اليمن وحدها، وإنما يستهدف العرب كافة. وقلمت العاصفة مخالب المشروع الإيراني فور انطلاقتها، لكن مجريات الأحداث أخرت الحسم النهائي حتى يوم إعلان الرئيس اليمني الدكتور رشاد محمد العليمي انطلاق معركة التحرير الشاملة في الرابع من أكتوبر الحالي، بعد أن تمادت العصابة الحوثية الإيرانية في صلفها وغرورها، وتحولت هذه العصابة إلى أداة إيرانية في سياق أعمال إيران الشيطانية التي جلبت كل الشرور والكوارث للمنطقة وهددت أمنها واستقرارها، بل ومثلت حالة خروج عن الشرعية الدولية وهددت الأمن والاستقرار الدوليين، وشايعها الحوثيون في تهديد أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. أخر فصول الصراع وللصراع في اليمن قصة يطول شرحها، فجذوره التاريخية تعود للعام ٢٠٠ هجرية، لكننا سنستعرض هنا آخر فصول هذا الصراع وهو الانقلاب الحوثي بكل ما جلبه على اليمن من كوارث على مدى اثني عشر عاماً. لم يكن الانقلاب الحوثي في اليمن على الشرعية الدستورية عام ٢٠١٤م شأناً يمنياً خالصاً، فقد حدث في مرحلة كان اليمن يقف فيها على أعتاب مرحلة جديدة بعد أن نجحت المبادرة الخليجية في تهدئة الأوضاع إثر اضطرابات ٢٠١١م، وبموجب المبادرة سلم الرئيس علي عبد الله صالح السلطة، وانتُخب الرئيس عبدربه منصور رئيساً لمرحلة انتقالية. وشهد اليمن أيضاً بموجب المبادرة حواراً وطنياً واسعاً، وإلى جانب دول الخليج التي تقف خلف المبادرة بقيادة المملكة العربية السعودية، تشكلت مجموعة الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وشهدت توسعاً حتى بلغت ١٨ دولة، وأفضت مخرجات الحوار الوطني إلى إعلان اليمن دولة اتحادية من ستة أقاليم، وتمت صياغة مشروع دستور جديد ينظم هذه الحالة. ميليشيا خارجة عن المنطق بعد انتهاء مؤتمر الحوار الوطني، قامت كل القوى المشاركة فيه بالتوقيع على مخرجاته إلا ميليشيا الحوثي، فقد رفضت التوقيع رغم مشاركتها في المؤتمر واستيعاب المؤتمر لكل مطالبها الظاهرية، وباءت كل المحاولات المحلية والإقليمية والدولية بالفشل في إقناع هذه الميليشيا بالانخراط فيما قبل به كل اليمنيين. لم تكن للحوثيين مطالب واضحة، فهذه الميليشيات خارجة في مطالبها عن كل قواعد العقل والمنطق وكل النواميس والسنن، فهم يطالبون بحق إلهي في الحكم وأن الله خلقهم سادة وخلق غيرهم عبيداً، وهي مطالب يستحيل القبول بها أو تنفيذها على أرض الواقع. ولنا وقفة هنا مع بشاعة ما أحدثه الانقلاب الحوثي وما عاناه اليمنيون خلال ١٢ عاماً من تسلط هذه الميليشيا؛ فالانقلابات عادة ما تقوم بها جماعة أو أفراد يطمحون للحكم وبوصولهم إليه تستمر الحياة دون المساس بمصالح الناس أو تعطيل الحياة العامة، لكن ماذا عمل الحوثيون فور استيلائهم على السلطة؟ قاموا بنهب موجودات البنك المركزي وحرمان الموظفين من رواتبهم نهائياً وتركهم بلا مصدر للعيش، بما في ذلك مرتبات المتقاعدين في القطاعين العام والخاص. سياسة الإفقار بعد حرمانهم للموظفين من رواتبهم اتجهوا إلى انتهاج سياسة الإفقار، وذلك من خلال احتكارهم لكل متطلبات الحياة وبيعها للناس في السوق السوداء وبأسعار باهظة، وفرض جبايات وإتاوات باهظة على التجار، وأخذ الخمس من أموال الناس، وإرغام الناس على شراء مساكنهم بدعوى أنها مبنية على أوقاف تخص أجدادهم، ويضيق الحصر عن استيعاب جرائمهم المالية. أما سياسة القمع والإرهاب والتنكيل فحدث عنها ولا حرج، فالاختطافات والإخفاء القسري وموت الناس تحت وطأة التعذيب في المعتقلات السرية، وملاحقة الناشطين الحقوقيين والإعلاميين والسياسيين، ومصادرة الأملاك، وهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، والتهجير، وقتل النساء والأطفال والشيوخ، وتجنيد الأطفال، والعديد من الجرائم التي تندرج تحت وصف جرائم الحرب والتي تم رصد العديد منها من قبل المنظمات الدولية والمحلية المعنية بهذا الجانب. أما فيما يتعلق بالاعتداء على عقيدة الشعب وهويته، فقد قاموا بتغيير المناهج الدراسية وفرض خرافاتهم وأباطيلهم فيها، إضافة إلى الدورات الإلزامية التي يطلقون عليها دورات ثقافية، وإقامة المعسكرات الصيفية، إلى جانب هدم المساجد وتحويل العديد من بيوت الله إلى مجالس لمضغ القات واللهو والعبث، وسب الصحابة علناً على منابر الجمعة، وإغلاق مدارس تعليم القرآن الكريم، بل وصل بهم الحد إلى أن من يسمونهم علماء أنكروا القرآن الكريم وادعوا أن لديهم قرآناً آخر. 12 عاما من الانقلاب هذه صورة تقريبية لما حدث في اليمن وما عاناه اليمنيون خلال ١٢ سنة منذ انقلاب ميليشيا الحوثي الإرهابية الإيرانية، ولم يكن بالإمكان إيراد كل التفاصيل، ولكن ما شرحناه كفيل بإقناع كل من يطلع عليه بعدالة المعركة التي يخوضها الجيش اليمني والمقاومة الشعبية بإسناد تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية للحكومة في سبيل استعادة مؤسسات الدولة المختطفة من قبل الحوثيين، كما أن هذه التفاصيل تكشف بشاعة المشروع الإيراني التآمري على العرب. وخلال الفترة منذ انقلاب الحوثي عام ٢٠١٤م حتى إعلان عملية فجر اليمن، مدت الحكومة يدها لكل المحاولات الرامية لحل المشكلة سلمياً بل واستجابت لكل المساعي والضغوط التي مورست، لكن الميليشيا لم تجنح للسلم، وظل أطراف كثيرون في العالم يعتقدون إمكانية حدوث اختراق يقود الميليشيات إلى طاولة المفاوضات ويحقن دماء اليمنيين، لكن هذا الاعتقاد لم يتحقق مما يجعل أمر الحسم العسكري هو الخيار الصائب وعملاً بالمثل القائل: “آخر العلاج الكي”. ولقد تزامن مع إعلان عملية فجر اليمن إعلان عفو عام عن كل من يترك الميليشيات ويعود لصف الدولة مع ضمان كافة الحقوق للعائدين، مع تأكيد الرئيس في إعلانه أن الحرب ليست موجهة لمنطقة معينة ولا لمذهب أو طائفة، وإنما هي حرب ضد الانقلاب لاستعادة دولة كل اليمنيين. مؤشرات النصر وبعد مضي أيام على انطلاق معركة تحرير اليمن، فإن كل المؤشرات وما تحقق من نصر للجيش اليمني والتشكيلات المناصرة له أمر يدعو للتفاؤل بقرب انتهاء معاناة اليمنيين، مع وجود تأييد دولي لهذه المعركة بعد أن عرف العالم طبيعة الميليشيات الحوثية على حقيقتها. وتبعاً لعدالة المعركة التي تخوضها الشرعية اليمنية، فإن النصر آتٍ لا محالة، وسيشرق فجر يمن جديد ليعود سعيداً كما كان. *كاتب وصحفي يمني.