في حسين بافقيه شيء من جدة، وشيء من مكة، وبينهما مزاج حجازيّ يعرف كيف يقول الكلام الجادّ من غير أن يتجهّم، وكيف يختلف من غير أن يفسد للاختلاف مجلسه. تلك سمة تسبق التعريفات المهنية التي التصقت باسمه، وتبدو أوضح كلما ابتعدنا قليلاً عن سيرته الرسمية واقتربنا من الرجل نفسه. تجلس إليه فلا تشعر أنك أمام ناقد يتهيّأ لإلقاء رأيه، ولا أمام مسؤول ثقافي سابق ما تزال ألقاب الوظيفة عالقة بصوته. سرعان ما تسقط المسافات ويظهر حسين الذي يعرفه أصدقاؤه ومجالس الثقافة، حاضر البديهة، سريع الالتقاط، ساخراً حين تستحق الأشياء السخرية، وجاداً عندما يصل الحديث إلى ما يؤمن به. لا يتكلف صورة المثقف ولا يحتاج إليها، وربما كانت هذه العفوية واحدة من أكثر صفاته حضوراً. يحمل الحجاز في طريقته أكثر مما يتحدث عنه. يظهر في الألفة، وخفّة العبارة، والميل إلى المجلس والحوار، وفي القدرة على الانتقال من حكاية صغيرة إلى معنى كبير من غير أن يشعر جليسه بأنه انتقل من حديث عابر إلى نقاش ثقافي. ومع ذلك، لا ينبغي أن تخدعنا هذه الخفّة. خلفها رجل يأخذ الثقافة بجدية كبيرة، ولا يطمئنّ بسهولة إلى الأفكار التي استقرت لمجرد أن الجميع اعتاد ترديدها. عرف بافقيه المشهد الثقافي السعودي من جهات متعددة، وعمل في مؤسساته وصحافته، لكنه احتفظ بمسافة تسمح له بأن يكون في داخله من غير أن يفقد القدرة على النظر إليه من الخارج. وهذه ليست معادلة يسيرة. فمن يدخل المؤسسة طويلاً قد يتماهى معها، ومن يعرف الوسط الثقافي وحساسياته قد يصبح أكثر حذراً في آرائه، غير أن بافقيه ظل أقرب إلى طبيعته التي ترى في السؤال ضرورة، وفي الاختلاف علامة صحة لا سبباً للقطيعة. ولعل هذا ما يفسر تلك المشاكسة الهادئة في شخصيته. لا يحتاج إلى رفع صوته كي يثبت موقفه، ولا يمنح موافقته لمجرد أن الرأي شائع أو أن صاحبه اسم كبير. يستطيع أن يختلف ثم يواصل الحديث، وأن يفصل بين الرأي وصاحبه، وهي خصلة افتقدها كثير من الحوارات الثقافية حين أصبح الاختلاف يُفهم أحياناً بوصفه خصومة شخصية. ولد حسين محمد بافقيه في جدة عام ١٩٦٤، لكن صلته بالمكان أعمق من واقعة الميلاد. جدة ومكة والطريق بينهما جزء من تكوينه الاجتماعي والثقافي. في المدينتين تشكلت تقاليد قديمة للمجالس والصحافة والأدب، وتجاورت أصوات وخلفيات متعددة، وكان الحوار جزءاً من الحياة اليومية قبل أن يصبح نشاطاً تنظمه المؤسسات. ومن هذه البيئة أخذ بافقيه شيئاً من طبيعته. لم يجعل الحجاز شعاراً يرفعه، وإنما ظل حاضراً في نبرته وفي علاقته بالناس. حتى الحكاية لديه لا تأتي للتباهي، بل تؤدي وظيفة في بناء الفكرة. قد يبدأ حديثه باسم أو موقف، ثم يتشعب قليلاً قبل أن يعود إلى أصل الموضوع وقد أضاف إليه معنى لم يكن ظاهراً في البداية. لذلك يصعب الفصل في شخصيته بين الناقد والحكّاء. كلاهما يعمل إلى جوار الآخر، ويمنح لغته نبرة لا تشبه جفاف الكتابة الأكاديمية ولا خفة الحديث العابر. درس اللغة العربية وآدابها في جامعة الملك عبدالعزيز، ثم حصل على الماجستير في النقد الأدبي الحديث من جامعة الملك سعود، غير أن مساره لم يتوقف عند الجامعة. أخذته التجربة إلى الصحافة والإدارة والعمل الثقافي، فرأس تحرير مجلة «الحج والعمرة»، ثم مجلة «الإعلام والاتصال»، وتولى الإدارة العامة ورئاسة تحرير صحيفة «أم القرى»، وعمل مديراً عاماً للأندية الأدبية. أتاحت له هذه المحطات أن يرى الثقافة من أكثر من نافذة. عرف الكاتب وهو يكتب، والصحافي وهو يلاحق السؤال، والمسؤول وهو يصطدم باللوائح والإمكانات، والمثقف وهو يطالب المؤسسة بما يتجاوز قدرتها أحياناً. لذلك لا تبدو نظرته إلى العمل الثقافي رومانسية تماماً. يعرف أن وراء المنصة ترتيبات، ووراء المهرجان قراراً، ووراء الفكرة الجميلة سلسلة طويلة من التفاصيل التي تحدد إن كانت ستصل إلى الناس أم ستظل اقتراحاً على الورق. ومن جرّب المؤسسة من الداخل لا يعود قادراً على النظر إليها بالطريقة نفسها. يصبح أكثر إدراكاً للفارق بين سهولة النقد وصعوبة الإنجاز، لكنه يصبح كذلك أقدر على معرفة مواضع الخلل. هذه الخبرة منحت بافقيه واقعية لم تنتزع منه نزعة السؤال، بل ربما زادتها وضوحاً. وفي مسيرته يصعب ربطه بموضوع واحد. كتب في النقد والتاريخ الثقافي والصحافة، وانشغل بشخصيات وقضايا متعددة، ودخل في نقاشات حول الأدب والثقافة وتحولاتهما. غير أن الخيط الأوضح لا يكمن في تنوع الموضوعات بقدر ما يظهر في طريقته في الاقتراب منها. هو لا يحب الإجابات الجاهزة، ولا يشعر بأن اتفاق الناس على رأي يمنحه حصانة من المراجعة. حين تتكرر العبارة نفسها طويلاً، يبدأ السؤال عند بافقيه. وحين يستقر وصفٌ (ما) حتى يبدو نهائياً، يجرّب النظر إليه من الجهة الأخرى. ليس بحثاً عن المخالفة لذاتها، وإنما لأن وظيفة النقد، في جوهرها، أن تمنع الأفكار من التحول إلى مسلمات لمجرد طول بقائها. وقد تختلف معه في النتيجة، لكنك نادراً ما تخرج من نقاشه من دون أن تعيد النظر في السؤال. وهذه قيمة لا تتوافر لكل كاتب. فالمثقف لا يقاس فقط بعدد الإجابات التي يقدمها، بل بقدرته على صياغة السؤال الذي يجعل الآخرين يفكرون مرة أخرى. وللصحافة أثر واضح في هذه الطريقة. فقد علمته أن الفكرة، مهما بلغت من العمق، تحتاج إلى قارئ، وأن اللغة التي لا تصل تتحول إلى جدار بين الكاتب وما يريد قوله. لذلك لا تبدو كتابته مأخوذة باستعراض المصطلحات، ولا يتعامل مع الغموض باعتباره دليلاً على المعرفة. يستطيع أن يناقش قضية أدبية أو تاريخية من غير أن يغلق الباب أمام القارئ غير المتخصص. وهو في ذلك امتداد لتقليد ثقافي سعودي قديم لم تكن فيه الحدود حادة بين الأديب والصحافي والناقد. كان الكاتب ينتقل بين المقالة والمنبر والكتاب، وكانت الصفحة الثقافية مجلساً آخر، ولكن على الورق. وحين عمل بافقيه في الصحافة أخذ منها حساسية السؤال والاقتراب من القارئ، وبقي شيء من الصحافي حاضراً فيه حتى بعد أن غادر مقاعد رئاسة التحرير. واللافت في تجربته أنه عاش تحولاً ثقافياً واسعاً من زمن الورق إلى زمن الشاشة. عرف الفترة التي كانت فيها المقالة تنتظر موعد صدور الصحيفة، والأمسية التي تجمع جمهورها في مكان واحد، والجدل الذي يبدأ في النادي ثم ينتقل إلى الصفحات والمجالس. ثم جاء زمن أصبح فيه الكاتب والقارئ والناقد على منصة واحدة، وأصبحت الفكرة تصل في ثوان، كما أصبح الحكم عليها أسرع من قراءتها أحياناً. لم يتعامل بافقيه مع هذا التحول بعقلية من يحنّ إلى زمن مضى ويرفض ما جاء بعده. بقي حاضراً ومشاركاً في النقاش، لكنه حمل معه شيئاً من قيم التكوين الأول. فالوسيلة يمكن أن تتغير، أما المعرفة فلا تختصرها سرعة الوصول. وكثرة الأصوات لا تعني بالضرورة اتساع الحوار، كما أن امتلاك المنبر لا يمنح صاحبه تلقائياً ما يستحق أن يقوله. وبين زمنين مختلفين بقي المجلس، بمعناه الإنساني، جزءاً من شخصيته. فالذين عرفوه عن قرب يعرفون أن الثقافة عنده لا تنفصل عن الصداقة. وفي جيله كانت العلاقات بين الأدباء تتشكل في الصحيفة والنادي والمقهى والسفر، وكان الاختلاف يستطيع أن يعيش إلى جوار المودة. قد يحتد النقاش في أمسية، ثم يلتقي المختلفون في اليوم التالي حول طاولة واحدة. هذه الروح تبدو اليوم أثمن مما كانت عليه. فقد جعلت وسائل التواصل التعبير أسرع، لكنها جعلت سوء الفهم أسرع أيضاً. رأي واحد قد يتحول إلى قطيعة، وجملة عابرة قد تقسم الناس إلى معسكرات. أما بافقيه فينتمي إلى تقليد يرى الاختلاف امتداداً للحوار لا إعلاناً عن نهايته، ويعرف أن الصداقة التي لا تحتمل رأياً مخالفاً ليست صداقة مطمئنة تماماً. وعلى امتداد هذه الرحلة تنقل بين صفات كثيرة. كان ناقداً وصحافياً ورئيس تحرير ومسؤولاً ثقافياً وكاتباً وباحثاً، لكنه لم يسمح لصفة واحدة بأن تبتلع بقية شخصيته. وهذه، ربما، إحدى أكثر سماته الإنسانية جاذبية. لم يتصرف كما لو أن الثقافة رتبة اجتماعية، ولم يجعل المعرفة مسافة بينه وبين الآخرين. ظل قادراً على أن يكون جاداً في رأيه وخفيفاً في حضوره، وأن يدخل في أكثر القضايا صرامة من دون أن يفقد حس الدعابة. المعرفة عند حسين بافقيه لم تصنع مسافة بينه وبين الناس. ظل قريباً من المجلس وأحاديثه وتلقائيته، حتى حين وضعته الوظيفة في موقع المسؤولية. لم يتغير صوته بتغير المقعد، ولم تتحول المكانة إلى حاجز يفصله عمن عرفوه قبلها. ولهذا يصعب اختصار حسين بافقيه في منصب شغله، أو كتاب أصدره، أو معركة ثقافية شارك فيها. تجربته أوسع من ذلك، فقد امتدت بين الصحافة والنقد والإدارة والمجالس، وبين جدة ومكة والرياض، وعبرت زمنين ثقافيين تبدلت بينهما أدوات الكتابة وفضاءات الحوار، فيما ظل محتفظاً بطريقته الخاصة في النظر إلى الأشياء. لقد بقي حجازياً من غير ادعاء، وناقداً من غير عبوس، وصحافياً يعرف قيمة القارئ، ومثقفاً لا يرى الاتفاق شرطاً للمودة، ولا الصداقة سبباً للمجاملة. دخل المؤسسة ولم يسمح لها أن تعيد تشكيله على صورتها، وعبر المواقع والألقاب من غير أن يحملها معه إلى كل مجلس. وبعد رحلة طويلة في الثقافة، ربما تكون تلك واحدة من أجمل خلاصات تجربته، أن تمنحك الحياة أسماء كثيرة، ثم تظل قادراً على الاحتفاظ باسمك الأول.. (حسين).! (*) كاتب وصحافي سعودي