ولد الأستاذ حسن محمد كتبي بالطائف عام 1329 هـ / 1910 مـ، توفيت والدته قبل أن يفقه معاني الحياة - كما يقول في هذه حياتي - وكانوا ثلاثة إخوة، وتولت شقيقتهم تربيتهم، «نشأت في وسط محافظ على التقاليد العريقة ذات الطابع الأصيل في البيوت الحجازية». التحق بمدرسة الفلاح بمكة المكرمة التي تدرس اللغة العربية والدين، وهي البيئة التي نشأ وسطها، حفظ القرآن الكريم ودرس تفسيره والأحاديث النبوية والفقه وأصوله... وقال: «وكان أسمى أمل لي في الحياة أن أجدني في يوم من الأيام في المسجد الحرام وحولي هالة من الطلبة الذين يخطئهم العدد في أيديهم كراريس العلوم التي كنت أدرسها وكأنما على رؤوسهم الطير وأنا أنثر عليهم العلم والمعرفة كما كان يفعل أساتيذي...» ص 57. وعندما زارهم مؤسس مدارس الفلاح الحاج محمد علي زينل رضا، يصفه بالمنقذ؛ فقد رأى فيه المنقذ من تعنت الحكومة العثمانية التي ترفض التدريس باللغة العربية، إذ صابر وكافح حتى بلغ غايته في تأسيس مدارس الفلاح في جدة ومكة والبحرين وببومباي، ومهد الطريق للنهضة العلمية الشاملة. «... وكانت الزيارة عام 1348 هـ بقصد أن يأخذ نخبة مختارة من متخرجي هذه المدارس ليؤلف منهم بعثة تدريس تحت نظره في بومباي بالهند حيث مركز تجارته ومقامه، ويشرف على توجيهها توجيها يتلاءم مع الواجبات والمسؤوليات التي كان يحس بأنها ستواجه أفرادها في حياتهم الاجتماعية، وكنت أحد أفراد هذه البعثة» ص 60. ركبوا الباخرة علوي من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي، ليجد نفسه في وسط مدينة ضخمة كبيرة تعج بمداخن المصانع وضجيج المواصلات وتزاحم الأحياء وصراعهم على الحياة والرزق... استقبلهم الحاج وهيأ لهم السكن والإعاشة والمواصلات... ووحد زيهم ليضفي عليهم الهيبة والكمال، فمن الثوب ومن فوقه الجبة، والرأس تغطيه قلنسوة معمولة من شبكة الخيزران، مما يوحي بالوقار واصطناع الرزانة، وحتى برنامج الفسح ومواعيد الطعام وأنواعه ومواعيد النوم والالتزام بالنظام ص 65. وركزت الدراسة على اللغة العربية والعلوم الدينية مع حصص ليست ذات بال في اللغة الإنجليزية والأردو. قال إنه انقطع للدرس طوال ثلاث سنوات، وكان الحاج يتهيأ لهم الفرص المناسبة ويحثهم على التحلي بالأخلاق الإسلامية. وفي عام 1350 هـ ابتدأت الأزمة التي سبقت الحرب العالمية الثانية ولحق تجارته تدهور عظيم... ولم يستطع إبقاء البعثة فتقرر إعادتها... وقد أخذ عهدا أن يعمل بالتعليم... وقال: «...فقد جدت أمور كثيرة خلال هذه السنوات الثلاث التي قضيناها بعيدا عن الأهل والوطن، حولت أفكاري تحويلا تاما وشعرت بأن مسؤولية العلم لا تنحصر في قراءة الكتب وفهمها والتشبه بأصحابها، ولكنها مسؤولية الحياة وليس العلم إلا السلاح الذي يتقلده المحارب عند خروجه للمعركة...» ص 73. عاد لمدرسته مدرسا فاصطدم بمن لا يتفق وهدفه في إيجاد المدرسة الفاضلة... فبدأ يكتب في صوت الحجاز بعض الخواطر، ثم عرض لكتابي (قلب جزيرة العرب) لفؤاد حمزة، ولكتاب (الأمير) ميكيافيلي، وبدأ يشرح مقدمة ابن خلدون... ولم تطل فترة كتاباته إذ عرضت عليه رئاسة تحرير الصحيفة (صوت الحجاز) والذي اصطدم مع صاحبها محمد صالح نصيف، فقال عنه محمد علي مغربي في كتابه (أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر) ط1. 1401 هـ / 1981 مـ: «ولعله من الطريف أن نذكر أن المرحوم الشيخ محمد صالح نصيف عهد في وقت من الأوقات إلى الأستاذ حسن كتبي – وزير الحج السابق – برئاسة تحرير صوت الحجاز، ويبدو أن خلافا وقع بين الرجلين فصدرت الصحيفة في أحد الأعداد وكل ما فيها بتوقيع حسن كتبي من الافتتاحية إلى آخر عمود في الصحيفة... لأنه أراد إحراجه وإظهاره غير المستأثر بالكتابة وحده» ص 266. ثم عرض عليه السيد صالح شطا العمل بالمعهد العلمي السعودي أستاذا لقسم التخصص في القضاء الشرعي، ورغم اختلافه مع مدير المعهد إلا أنه شعر بمنتهى الغبطة عندما وجد من بين تلامذته طالبين ينمان عن الذكاء والنباهة وهما أحمد عبد الغفور عطار، وحسين عرب، وفي قسم القضاء حمد الجاسر الذي أصبح عمدة في التاريخ والأدب العربي واللغة، وقال: «ولست أنسب لنفسي فضل تبريزهم، وإنما ذلك يرجع لاستعدادهم ودرسهم المتواصل وذكائهم...» ص 86. ولقي إنكارا ورفضا لما كان يعمل له مما سبب له صدمة قوية فقرر السفر إلى جنوب أفريقيا فلم يوفق للحصول على إذن، فسافر للطائف على أمل فصله من التعليم فتلقى أمرا بتعيينه مديرا لمدرسة الطائف وأقنعه صالح شطا بالقبول. تعرف على الشريف علي عدنان فأحبه وخطب إحدى كريماته: «كان زواجا موفقا، فتح آفاق نفسي على حب الحياة والاعتزاز بها... وكذلك امتدت السعادة المنزلية إلى العمل فجعلت منه شيئا محببا، وضاعفت من رغبتي في الإقبال عليه» ص 90. انتقل بعد فترة لوزارة المالية ووجد من رئيسه محمد سرور الصبان وزملائه من هواة الأدب: «فكنا إذا فرغنا من العمل عقدنا حلقات نتدارس فيها الأدب، ونتناقل الشعر، ونتنافس في المواضيع العامة، وكانت هذه الفرصة هي المتعة الوحيدة»، وفي بداية عام 1356 هـ رزق بابنه عدنان. اقترح عليه الانتقال إلى مصر لإدارة أملاك الشريف عون في مصر، وفعلا استقر بالقاهرة وأدخل ابنه عدنان إحدى مدارسها، ولكنه لم يستطع لكثرة المشاكل والاختلاف بين الورثة، وفي عام 1375 هـ طلب منه تأسيس فرع للبنك الأهلي التجاري بمصر فطلب إضافة السعودي إلى اسمه بمباركة من محمد سرور الصبان وزير المالية وقتها. قال عنه الشيخ حمد الجاسر في (من سوانح الذكريات): «السيد حسن، فقد كان ذا أثر لا ينسى في نفوس تلاميذه لرقة خلقه، وحرصه على توثيق صلته بهم، يضاف إلى ذلك أنه من حيث السن كأوسطهم... ما أسرع ما زال ما بينه وبين طلابه من عدم انسجام يحدث عادة عند الالتقاء بمجهول الطباع، حتى أصبح من أقرب الأساتذة إلى نفوس كثير منهم، فهو يتفق معهم في الآمال والرغبات، وهو ذو اتجاهات فكرية تستهوي ميول بعضهم، فقد كان معدودا ممن لمعت أسماؤهم من الكُتاب في تلك الفترة» ص 322. وقال: «وللسيد حسن جولات واسعة في ميدان الكتابة والتأليف... بل تكاد تبرز في كثير من كتاباته الصفة الغالبة على طبعه وهي طيبة القلب... وقد تولى أعمالا كان آخرها وزارة الحج والأوقاف» ص 323. ترجم له أحمد سعيد بن سلم بموسوعة الأدباء والكُتاب السعوديين خلال مائة عام، ط2. ج4. وذكر مؤلفاته: الأدب الفني، أشخاص في حياتي، سياستنا وأهدافنا، نظرة ومواقف، هذه حياتي، ملامح من شخصية البلاد العربية المقدسة، دورنا في زحمة الأحداث، ملامح السياسة العربية والحكم الديمقراطي، الدين مهد دعوة التضامن الإسلامي، حصيلة الفتن المتعاقبة، السياسة الإسلامية، السياسة في المجال الدولي، مطابخ السياسة القذرة، الأمل في أجيال يتحقق، بصراحة وإيمان أيضا، حكم فيصل بن عبد العزيز، القواعد السياسية الروحية في الاقتصاد الإسلامي، التضامن الإسلامي بين أنصاره وخصومه، في موكب الحياة... ماضينا وحاضرنا. اختير له في (موسوعة الأدب العربي السعودي الحديث) المجلد السادس السيرة الذاتية موضوع (أشخاص في حياتي) ص 113 - 126. ترجم له عبد الله بن إبراهيم الزهراني في (قاموس الأدب والأدباء في المملكة العربية السعودية) دارة الملك عبد العزيز ط1. ج3. واستعرض سيرته العلمية والعملية، ومنها أنه «عاد للمملكة للإقامة بها سنة 1378 هـ وليشرف على أعماله التجارية.» وفي رمضان سنة 1390 هـ أسندت إليه وزارة الحج والأوقاف، وحصل على عدد من الأوسمة من داخل المملكة وخارجها. وبعد استعراضه لمؤلفاته قال: «ومطالع نصوصه، سواء المقالات المبتسرة أم كتبه المطبوعة، يجد أنه صاحب قلم متميز، وأسلوبه من الأساليب العالية الواضحة، ونجد أن علي باكثير يثني عليه بقوله: «يرى الأدب جدا لا لهوا»، ويرى الأدب ضرورة لا ترفا، وهو يزاوله لا على أنه حرفة من الحرف بل على أنه رسالة يضطلع بها وطنه وقومه وملته». «ثم إنه سلك في كتابة سيرته الذاتية مسلكا مختلفا، إذ اتخذ الحديث عن الآخرين في الحياة وسيلة غير مباشرة للحديث عن تجاربه في الحياة، يتعامل بموضوعية مع الأشخاص الذين يكتب عنهم...» ص 1408 - 1409. توفي رحمه الله في المدينة المنورة عن عمر ناهز المئة.