الخطاب الملكي..

حين تعرف الدولة كيف تتغير.

في الخطاب الملكي السنوي الذي ألقاه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، في افتتاح السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى، اجتمعت ثلاثة أزمنة في سياق واحد: دولة تقترب من إكمال ثلاثة قرون من تاريخها، ورؤية تدخل عامها العاشر، ومرحلة جديدة تجعل الذكاء الاصطناعي أحد عناوينها الكبرى. وليس اجتماع هذه المستويات الزمنية في خطاب واحد مجرد ترتيب للمحاور؛ فهو يكشف عن فكرة أعمق في طريقة قراءة الدولة لمسيرتها: أن الاستمرار لا يعني الجمود، وأن التغيير لا يستلزم التخلي عن الثوابت. منذ بدايته، وضع الخطاب أساس هذه المعادلة حين استعاد مسيرة الدولة وما قامت عليه من كتاب الله وسنة رسوله، والتوحيد والعدل، والإرث والقيم الأصيلة، وربط ذلك بخدمة الحرمين الشريفين والمحافظة على الهوية الوطنية. هنا لا تظهر الثوابت باعتبارها قيدًا على الحركة، بل باعتبارها المرجعية التي تمنح الحركة اتجاهها. ولذلك فإن ما يتغير هو أدوات الدولة ومؤسساتها ووسائل إنتاجها وإدارتها، أما ما يمنحها تعريفها لنفسها فيظل خارج دائرة التبدل. ومن هذه الزاوية، يصبح استحضار ثلاثة قرون من تاريخ الدولة أكثر من استعادة للذاكرة الوطنية. فالدولة التي تغيرت مؤسساتها واقتصادها وأدوات إدارتها عبر مراحلها التاريخية، لم تكن مضطرة في كل مرحلة إلى إعادة تعريف ذاتها من الصفر. الاستمرارية هنا ليست بقاء الصورة على حالها، وإنما القدرة على الانتقال من مرحلة إلى أخرى مع الاحتفاظ بالعناصر التي ترى الدولة أنها تشكل أساس هويتها. ولذلك جاء المستقبل في الخطاب امتدادًا للتاريخ، لا قطيعة معه. ثم ينتقل الخطاب من التاريخ إلى التحول الذي تمثله رؤية المملكة 2030، فتأتي الأرقام باعتبارها شواهد على مسار بدأ منذ عقد. الإشارة إلى تحقيق 93% من مؤشرات برامج واستراتيجيات الرؤية، ونمو الصادرات غير النفطية بنسبة 155% مقارنة بعام 2016، وارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51%، لا تكتسب أهميتها من حجم الأرقام وحده، وإنما من دلالتها على إعادة تشكيل بعض مكونات الاقتصاد وأدوار الفاعلين فيه. فالاقتصاد المتنوع لا يعني إضافة قطاعات جديدة فحسب، وإنما يعني توسيع مصادر النشاط والإنتاج والاستثمار، وبناء منظومات اقتصادية تستطيع أن تعمل بدرجة أكبر من التنوع والاستقلالية. ولهذا جاء في الخطاب الحديث عن منظومات الاقتصاد المحلي، والشراكة مع القطاع الخاص، والمحتوى المحلي، ودور صندوق التنمية الوطني. فالتحول الاقتصادي لا يستقر بمجرد إطلاق المشاريع؛ إنما يستقر حين تتحول المشاريع إلى بيئة إنتاج، والإنفاق إلى استثمار، والاستثمار إلى فرص مستدامة. لكن الخطاب لا يقيس التحول بالأرقام الاقتصادية وحدها. وهنا تبرز إحدى أهم نقاطه: وضع المواطن في قلب المسار التنموي، عبر التعليم والصحة والإسكان والعمل وتنمية رأس المال البشري. فالتغيير الاقتصادي يعيد تعريف المهارات المطلوبة، وتغير المهارات يفرض على التعليم أن يتطور، وتبدل سوق العمل يجعل التعلم المستمر والقدرة على التكيف جزءًا من قيمة الفرد الاقتصادية. ولهذا فإن المواطن ليس مستفيدًا من التحول فحسب، بل هو أحد مقاييس نجاحه. فالاقتصاد لا يكتمل أثره إذا لم يفتح مسارات أوسع للعمل والإنتاج، والتقنية لا تحقق غايتها إذا لم تنعكس على جودة الخدمة، والتعليم لا يبلغ مقصده إذا لم يتحول إلى قدرة حقيقية على المنافسة والتعلم. من هنا تبدو إشارة الخطاب إلى الإنسان ورأس المال البشري جزءًا من صلب التحول، لا محورًا اجتماعيًا منفصلًا عن الاقتصاد. وعند هذه النقطة يأتي الذكاء الاصطناعي باعتباره الامتحان التالي لهذا المسار. فاختيار عام 2026 «عامًا للذكاء الاصطناعي» لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره احتفاءً بتقنية صاعدة فحسب، بل باعتباره سؤالًا عن قدرة الدولة على تحويل التقنية إلى إنتاجية وخدمات وكفاءات. والخطاب نفسه ربط الذكاء الاصطناعي برفع الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات، وتدريب المواهب السعودية. وبذلك ينتقل السؤال من: هل نستخدم التقنية؟ إلى سؤال أعمق: كيف نجعل منها جزءًا من القدرة الوطنية على الإنتاج والمعرفة والإدارة؟ ويكتسب هذا المعنى أهمية أكبر في ضوء الحضور السعودي المتزايد في النقاش الدولي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي؛ فقد استضافت الرياض في سبتمبر 2026 منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وشهد المنتدى توافقًا دوليًا حول أطر الحوكمة والاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التقنيات. وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي في سياق الخطاب امتدادًا لمسار التحول، لا مجرد عنوان تقني عابر. ومن أكثر أفكار الخطاب دلالة أن التخطيط طويل المدى لا يعني ثبات الظروف. فالعالم يتغير، والاقتصاد يتغير، والتقنية تتغير، والمخاطر تتغير؛ وما يجعل الخطة قابلة للاستمرار ليس قدرتها على توقع كل متغير، وإنما قدرة مؤسسات الدولة على تعديل أدواتها والاستجابة للمتغيرات دون أن تفقد اتجاهها العام. هذه هي المرونة التي تجعل التخطيط نقيضًا للفوضى، لا نقيضًا للتكيف. ويظهر المنطق نفسه في الجانب الأمني والسياسي من الخطاب. فالمشهد الإقليمي والدولي يحمل ملفات متحركة، من الأمن الخليجي والطاقة والممرات البحرية إلى فلسطين واليمن والسودان، لكن التعامل معها يجمع بين أدوات مختلفة: السعي إلى الحلول الدبلوماسية وخفض التصعيد من جهة، وحماية الأمن والمصالح الوطنية من جهة أخرى. وهنا أيضًا يبدو الثابت هو المصلحة، بينما تتغير الوسائل بحسب طبيعة الظرف. وفي قلب هذا كله يظل الحرم المكي حاضرًا بوصفه أحد أوضح وجوه الاستمرارية. فالاقتصاد يتغير، والإدارة تتطور، والتقنية تتقدم، ومؤسسات التعليم والعمل تعيد تشكيل نفسها، لكن خدمة الحرمين والمحافظة على مكانتهما الدينية تظل في صميم الخطاب. وفي هذه المفارقة الهادئة تتضح فكرته الأساسية: يمكن للدولة أن تغير كثيرًا من أدواتها دون أن تتخلى عن العناصر التي ترى أنها تشكل هويتها. لهذا لا يبدو الخطاب الملكي مجرد عرض سنوي للمنجزات أو تحديد للأولويات المقبلة؛ بل يمكن قراءته باعتباره نصًا يشرح، بصورة مباشرة وغير مباشرة، طريقة إدارة التحول. يبدأ من تاريخ الدولة ومرجعيتها، ويمر بالاقتصاد ومؤسسات التنمية، ويصل إلى المواطن ورأس المال البشري، ثم يفتح المجال أمام الذكاء الاصطناعي والتحديات الإقليمية والدولية. وبين هذه المستويات جميعًا يظل السؤال واحدًا: ما الذي ينبغي أن يبقى ثابتًا، وما الذي ينبغي أن يتغير؟ وهنا تكمن قيمة التجربة التي يعرضها الخطاب: فالثبات لا يعني الاحتفاظ بالأدوات القديمة، والتغيير لا يعني التخلي عن الهوية. الدولة التي تميز بين الغاية والوسيلة تستطيع أن تطور الوسيلة دون أن تفقد الغاية، وأن تدخل مجالات جديدة دون أن تجعل كل جديد قطيعة مع ما سبقه. ثلاثة قرون من التاريخ، وعشر سنوات من التحول، وعام يضع الذكاء الاصطناعي في مقدمة الأولويات؛ ثلاثة مستويات تبدو متباعدة في الزمن، لكنها اجتمعت في خطاب واحد لتقول إن استدامة الدولة لا تعني أن تبقى كما هي، وإنما أن تمتلك القدرة على التطور مع احتفاظها بما ترى أنه جوهر هويتها. وهكذا يصبح السؤال الذي يتركه الخطاب أبعد من «ماذا أنجزنا؟» إلى «كيف نواصل التغيير دون أن نفقد البوصلة؟». ولعل الإجابة التي تنتظم في ثناياه أن الدولة التي تعرف ما الذي يجب أن يبقى، تكون أقدر على تغيير كل ما عداه.