قراءة في تجربة سمو الأميرة الجوهرة بنت فهد الإدارية.

تأتي تجربة سمو الأميرة الجوهرة بنت فهد بن محمد بن عبدالرحمن آل سعود (مديرة جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن سابقًا) مع التعليم في المملكة العربية السعودية لتشكّل علامة مميزة، فهي من الأسماء الرائدة في مجال التعليم وخدمة المرأة السعودية، وتعدّ من أوائل من التحق بالتعليم وقبل إقرار تعليم المرأة رسميًا في عام 1379هـ/1959م إذ درست في مدارس كريمات الملك سعود، وحازت أوليات كثيرة في مسيرتها مع التعليم إذ كانت على رأس أول دفعة تلتحق بكلية التربية بالرياض، وتخرجت من قسم اللغة العربية في عام 1394هـ/1974م، ثم واصلت دراستها العليا فورًا فكانت أول خريجة تحصل على الماجستير في النحو والصرف من كلية التربية عام 1397هـ/1977م، ثم كانت أول من حصل على الدكتوراه من الكلية نفسها في تخصص النحو والصرف في عام 1403هـ/1983م، ثم تحولت من طالبة وباحثة إلى إدارية في مواقع مهمة، وكانت البداية عندما عُيّنت عميدة لكلية التربية، ثم وكلية للرئيس العام لتعليم البنات، ثم تُوّجت مناصبها في مجال التعليم عندما اختارها ولاة الأمر أول مديرة لجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن في عام 1428هـ/2007م، ولمدة أربع سنوات، بعدها رغبت في الإحالة إلى التقاعد في عام 1432هـ/2011م. وبعد التقاعد رأت سمو الأميرة أن توثّق تجاربها الإدارية العديدة: عميدة لكلية التربية، ثم وكلية للرئيس العام لتعليم البنات، ثم مديرة لجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن في كتاب، وحسنًا فعلت، وصدر الكتاب بعنوان “محطات في حياتي مع الإدارة” عام 1435هـ/2014م، وجاء في 312 صفحة، ولكنه لم يوزّع بما يتناسب مع أهميته إذ لم يصل إلى المتخصصين والمهتمين بفن السيرة الذاتية، ولم أعلم عنه إلا عن طريق الدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيّع وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم طلبته من الدكتور وليد بن إبراهيم المهوّس وكيل جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن سابقًا، فتواصل مع سمو الأميرة، وتفضلت بإرسال مجموعة نسخ، وليس نسخة واحدة، وفور وصول النسخ بعثت بنسختين إلى رئيس جمعية السيرة الذاتية الحياتية الدكتور صالح معيض الغامدي، وإلى نائبة الرئيس الدكتوره أمل التميمي، وإلى بعض الزملاء الآخرين المهتمين بفن السيرة الذاتية. قرأت الكتاب باهتمام بالغ، وشدتني المعلومات الواردة فيه، فهي تؤرّخ لأجزاء من سيرة سمو الأميرة ومسيرتها، مع التعليم منذ الابتدائية وحتى الحصول على الدكتوراه، وهذا يشكّل ربع الكتاب تقريبًا، ثم رصدت فيما تبقى تجاربها الإدارية الثرية، وتخلل حديثها عن التجارب الإدارية شذرات سيريّة مهمة مثل الحديث عن والدها ومرضه ووفاته رحمه الله، وحديثها عن زواجها وسعادتها بهذا الزواج وثنائها على زوجها سمو الأمير سعود بن محمد رحمه الله، ثم حديثها عن والدتها ومرضها ثم وفاتها، وكنت أتمنى جمع هذه الشذرات عن والدها ووالدتها وزوجها في فصل مستقل مع مد النفس في الحديث عن هذه المحطات الأسرية المهمة؛ ولكن ربما حال عنوان الكتاب دون ذلك، فلعل سمو الأميرة الجوهرة في الطبعة القادمة تجعل السيرة شاملة لحياتها وليست عن التجربة الإدارية فقط. ومن هنا فإن عنوان العمل يقصر عن مضمونه إذ يمكن أن تشكّل السيرة الذاتية المحضة نحو ربع الكتاب، في حين يمكن وصف البقية بأنها مذكرات رصدت فيها سمو الأميرة تجاربها الإدارية وتدخل في صميم التأريخ لتاريخ التعليم في المملكة العربية السعودية، ووضعت سمو الأميرة ملحقًا في نهاية الكتاب في سبع صفحات فقط، وخلا الكتاب من الصور، ولعل الطبعة القادمة تتضمن بعض الصور الشخصية لوالدها وزوجها وبعض إخوانها، وبعض المباني التي تحدثت عنها، مع تغيير العنوان ليكون “محطات في حياتي” فقط ليتاح لها التأريخ لحياتها بشكل عام، بما فيها التجربة الإدارية. وحين ننظر إلى المكتبة السعودية نجد عملاً واحدًا سبق عمل سمو الأميرة، وهو “حياة في الإدارة” للدكتور غازي القصيبي الصادر في عام 1998م، وعملاً جاء بعد عمل سمو الأميرة، وهو “لعلي تركت خلفي أثرًا: حياتي بين الصيدلة والإدارة” للدكتور محمد المشعل الصادر في عام 2019م. وحينما ننظر إلى الأعمال السيريّة بشكل عام نجد أنها تتضمن في الجملة مقدمة يكشف فيها المؤلف مسوّغات التأليف ودوافع الكتابة، في حين لا نجد هذه المقدمات عادة في الأعمال الإبداعية الأخرى مثل المجموعات القصصية أو الدواوين الشعرية؛ ولعل السبب أن كاتب السيرة يشعر بشيء من الحرج أن يتحدث عن نفسه وتجاربه، ومن هنا فقد رأينا سمو الأميرة في هذا الكتاب تكشف جوانب من الحوافز التي أسهمت في أن تفكر في رصد تجاربها في الإدارة، وبعضها ورد في مقدمة الكتاب، وبعضها ورد في صفحات متأخرة جدًا من الكتاب. تقول سمو الأميرة في المقدّمة: “يرجع الفضل بعد الله عزوجل في عقد العزم على كتابة رحلة عمري مع الإدارة إلى بعض الزميلات اللاتي طلبن مني ذلك لكي يستفيد من تجاربي في الإدارة الآخرون”، وحينما نبحر في صفحات الكتاب ونكاد أن ننتهي من قراءته نعثر على سبب قوي دعا المؤلفة سمو الأميرة إلى رصد تجاربها الإدارية إذ توقفت في حديثها عن إدارتها لجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن عند بعض الشخصيات العلمية المرموقة التي استقطبتهم وزارة التعليم العالي لتنفيذ بعض الورش في الجامعة والاطلاع على مرافقها ومنجزاتها، ومنهم الدكتور ديفيد فرونماير الرئيس السابق لجامعة أوريجن في الولايات المتحدة الأمريكية، فبعد انتهاء الورشة وطرح بعض الأسئلة المهمة اقترح الدكتور ديفيد عليها أن تؤلف كتابًا عن تجاربها الإدارية في الجامعة، متضمنًا بعض التحديات التي واجهتها وكيف عُولجت حتى يستفيد منها الآخرون. هذا الموقف في نظري ربما يكون هو الذي أشعل رغبة الكتابة والتوثيق لدى سمو الأميرة، ثم جاء السبب السابق (اقتراح الزميلات) ليؤكد هذه الرغبة ويجددها. وأول ما يلفت النظر في سيرة سمو الأميرة وتجاربها مع الإدارة تلك الثقافة الشرعية واللغوية العالية إذ في كل محطاتها المختلفة طالبة، ثم معيدة، ثم عميدة، ثم وكيلة، ثم مديرة جامعة كانت في كل محطاتها تستدعي الآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة، والأبيات الشعرية، كما أنها استضاءت بوصايا والدها أمير القصيم سابقًا سمو الأمير فهد بن محمد آل سعود رحمه الله، وبوصايا والدتها وحكمتها، وأفادتها هذه الوصايا المهمة في تعاملها مع الناس في مراحل عديدة من حياتها، وخاصة عندما أصبحت مسؤولة وتواجه العديد من المشكلات التي تتطلب الصبر والتحمّل والتأني والمعالجة الحكيمة. وهذه الاستشهادات بالآيات القرآنية، أو بالأحاديث الشريفة، أو بالأبيات الشعرية لم تكن عابرة، بل كانت دستورًا أضاء لها الطريق، ويسّر لها السير في خطواتها، وأول ما يستوقفنا هنا افتتاحها سيرتها بقوله تعالى: “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”، ثم استشهدت بهذه الآية الكرية في نهاية الكتاب وهي تقول ملخصة تجربتها في إدارة الجامعة: “لقد عملت طوال فترة إدارتي للجامعة بكل ما أتاني الله من قوة وفكر على بنائها في ضوء الأسس العلمية والفنية والتقنية، وعلى تحسين أحوالها وتعزيز إرثها بما يُرضي الله عزوجل، كنت أضع ذلك نصب عيني في كل ما أقول وأفعل، وفيما آخذ وأدع، استجابة لقوله تعالى: “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”. إذن فالاستشهاد بهذه الآية الكريمة في مستهل السيرة وفي نهايتها يمثل أهم وصية من سمو الأميرة لمن يتصدى للإدارة أو النهوض بأي عمل بأن يراقب الله سبحانه وتعالى قبل مراقبة البشر، فإذا راقب الله وعلم أن الله يرى عمله فهذا كاف لأن يؤدي العمل بأمانة وإخلاص. ونعثر على حافز مهم تلقته من والدها رحمه الله حينما بشّرته بأنها عُيّنت على وظيفة (معيدة)، فقال لها: بل عميدة، ويشاء الله أن يتحقق تطلع والدها لمستقبلها لتكون عميدة لكلية التربية، ولا أشك في أن هذه الكلمة من والدها كان لها أكبر الأثر في أن تواصل رحلة العلم بلا كلل ولا ملل حتى تحصل على الدكتوراه، ثم تعيّن عميدة للكلية، وهي أول عميدة للكلية من خريجاتها، تقول سمو الأميرة راوية لهذا الموقف مع والدها: “ذهبت في زيارة لوالدي في القصيم حيث كان يعمل أميرًا لها كما سبق وأن ذكرت وأبلغته بذلك، ودار حوار بيني وبينه عن الوظيفة التي أشغلها حينذاك، فذكرت له أنني أعمل “معيدة” في الكلية، فما كان منه يرحمه الله إلا أن قال لي: أنت “عميدة”، فتخيّلت أنه أخطأ في مسمى الوظيفة، فقلت له: كلاّ يا أبي..إنني أعمل “معيدة”، ولست “عميدة”، فقال: كلاّ يا بنت فهد فإنك من وجهة نظري عميدة للكلية التي تعملين بها ولست معيدة، فتبسمت من مداعبته لي”. ومن الجوانب المضيئة في هذا العمل لسمو الأميرة الجوهرة، اهتمامها بالرصد التاريخي الدقيق إذ هي تؤرّخ لمراحل من حياتها، وتؤرّخ في الوقت نفسه لتعليم المرأة في المملكة وما واجهه من تحديات، ولا بد من الاستعانة بالتاريخ لكي يُعرف السياق الزمني للأحداث؛ لأن كثيرًا من المطالب والتطلعات للمرأة وتعليمها تحققت بفضل الله أولاً، ثم بجهود ولاة الأمر حفظهم الله، ومن أهم المنجزات: إنشاء جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، والانتهاء من المدينة الجامعية في واحد من أفضل المواقع في مدينة الرياض. أما حضور الشعر في هذا العمل فواضح، ويدل على عمق قراءات سمو الأميرة للشعر العربي: قديمه وحديثه إذ نرى استشهادًا ببعض الشعر القديم، كما نعثر على استشهاد بالشعر الحديث، وجاءت الأبيات مؤكدة للأفكار التي ترويها ومؤيدة لها، مع دلالة أكيدة على حسن الانتقاء وجمال التوظيف، ومن النماذج استشهادها ببيتين لابن فارس في المقدّمة تحثان على الجد والاجتهاد في طلب العلم، وهما قوله: إذا كان يُؤذيك حرُ المصيف ويُبس الخريف وبردُ الشتاء ويُلهيك حسنُ زمان الربيع فأخذك للعلمِ قل لي متى؟ فاستدعاؤها لهذين البيتين يدل على أنهما كانا حافزين لها على الجد وعدم الركون إلى الأعذار، وأنهما كانا دافعين لها على وصل الليل بالنهار طوال السنة في طلب العلم، وهو ما جعلها تحقق أهدافها، وتحصل على أعلى الدرجات العلمية. وحينما واجهت سمو الأميرة بعض المنغّصات في إدارتها للكلية تحلّت بالصبر، ثم استشهدت بوصية والدها بأن تصبر على الناس إن أرادت أن تحافظ على العلاقة معهم، ثم استشهدت بأبيات لبشّار بن برد، ومنها: إذا كنتَ في كل الأمور معاتبًا صديقك لم تلقَ الذي لا تُعاتبه فعش واحدًا أو صل أخاك فإنه مقارف ذنب مرةً ومجانبه إن الشعر حاضر في كل المواقف لدى سمو الأميرة، بل هو المحرّك أحيانًا لديها لاتخاذ القرار المناسب، تقول راوية لموقف، وهو أن تسافر في جولات من الرياض إلى كل منطقة أو مدينة أو مركز أو محافظة توجد فيها كلية لتفقد أوضاعها على الطبيعة بدلاً من اتخاذ قرارات بعد الاطلاع على تقرير عن بعد، فطرحت بعض الأخوات الموظفات في وكالة الرئاسة العامة لتعليم البنات بعض المصاعب التي ستواجهها من طول المسافات وصعوبة السفر بالسيارة وخلو بعض المدن أو المراكز من السكن المناسب، ولكنها اتخذت القرار الصعب، وهو تنفيذ هذه الجولات مهما بلغت المعوقات، مستندة في ذلك إلى بيت من الشعر، تقول سمو الأميرة راوية هذا الموقف ومعلقة على كلام زميلاتها: “رفضت وأصررت بضرورة القيام بهذه الجولات، ورأيت أن أنفذ القرار الذي انتهيت إليه بعزم صادق عملاً بقول الشاعر: إذا كنتَ ذا رأي فكن ذا عزيمةٍ فإن فسادَ الرأي أن تترددا أما استشهادها بالشعر الحديث فمحدود، ومنه استشهاد بأبيات لمحمد مصطفى حمام، وببيت لأحمد رامي. ويكشف الكتاب بوضوح الأعمال الجليلة المخلصة التي تصدت لها سمو الأميرة خدمة لوطنها وبنات وطنها، مستشعرة الأمانة التي قبلت بها، مراقبة لله في كل خطوة تخطوها، وفي خضم الاندماج مع العمل نسيت نفسها ولم تعط جسمها ما يحتاجه من الراحة، وتروي موقفًا صعبًا تعرضت له في ذروة التفاعل مع العمل والرغبة في الإنجاز دون حساب للوقت، تقول: “في أحد الأيام وأثناء قيامي بتدريس طالبات مرحلة البكالوريوس وإذا بي أسقط على الأرض ولم أشعر بنفسي، وحضرت طبيبة الكلية، وتم نقلي إلى عيادة الكلية، وعندما أفقت ووقفت على أرجلي نظرت في مرآة كبيرة في العيادة، فرأيت وجهي أشبه بالمحارب النازل في إجازة: أصفر اللون أكثر من المألوف، مغبرة الوجه والشعر بغبار الطباشير الذي كنت أستخدمه في الشرح للطالبات على السبورة..”، وشخّص الطبيب الحالة بأنها نتيجة الإجهاد، فحاولت أن تخفف العبء التدريسي. وأخيرًا، فإن هذا العمل يدخل في سياق الأعمال السيريّة الجيدة التي جمعت بين السيرة والمذكرات، ولم يخل من نصوص عالية كُتبت بلغة أدبية متميزة، ومنها حديثها عن مدينة الرياض في مستهل السيرة. * أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام سابقًا