سلخوا جلده ... وبقي شِعْرُهُ سلخوا جسده ... وبقي شِعرُهُ
ثمة موت ينهي حياة صاحبه، وثمة موت يبدأ به صاحبه حياة أخرى في ذاكرة التاريخ. وبين السيف والمقصلة والمشنقة والحريق، ابتكرت السلطات عبر العصور طرائق كثيرة لمعاقبة من رأت فيهم خطرًا عليها. لكن قليلًا من أصحاب الفكر واجهوا نهاية بالقسوة التي واجه بها الشاعر والمتصوف عماد الدين نسيمي مصيره في حلب مطلع القرن الخامس عشر. فقد صدر الأمر بسلخه والتمثيل بجسده، وتوارثت الذاكرة الشعبية رواية تقول إنه سُلخ حيًا. وكان من شأن هذه العقوبة أن تكون أبلغ من الموت، وأن تحول جسد الرجل إلى رسالة تخويف لكل من يفكر في السير على طريقه. لكن المفارقة أن الجسد اختفى وبقي الشعر، وبقي اسم المحكوم عليه عبر ستة قرون، بينما انزوت أسماء كثير ممن شاركوا في اتهامه ومحاكمته وإدانته. بداية نسيمي لا تخلو من الغموض. فقد اختلف الباحثون في مكان ولادته، ونُسب إلى شيروان وشماخي وتبريز وبغداد، كما تختلف المصادر في تحديد سنة مولده، وإن كان الراجح أنه ولد نحو سنة ١٣٦٩م. وهذا الغموض الذي يكتنف بدايات سيرته سيمتد حتى تاريخ مقتله. لكن المؤكد أن نسيمي نشأ في فضاء ثقافي كان يعج بالفلسفة والتصوف والشعر والجدل الديني، وأصبح شاعرًا متعدد اللغات، وترك ديوانًا بالتركية وآخر بالفارسية، وتُنسب إليه أشعار بالعربية أيضًا. لم يكن الشعر لدى نسيمي مجرد صنعة أدبية أو وسيلة للمديح والغزل، بل أصبح وعاءً لفكرته عن الإنسان والكون والخالق. وتأثر بالتراث الصوفي، وبخاصة ذلك التيار الذي ارتبط بأسماء كبار المتصوفة، ويظهر في شعره أثر الحسين بن منصور الحلاج بصورة واضحة. وتشير دراسات أدبه إلى أن مرحلته الشعرية الأولى سبقت تحوله إلى النزعة الحروفية، وأن شعره آنذاك جمع بين التصوف، وأغراض الغزل، والشوق، والفراق. ثم وقع اللقاء الذي غير حياته. التقى نسيمي فضل الله الأسترآبادي، المعروف أيضًا بفضل الله نعيمي، مؤسس الحروفية فتحول اللقاء إلى منعطف فكري وحياتي حاسم. ظهرت النزعة الحروفية في القرن الرابع عشر الميلادي، وبنت جانبًا كبيرًا من رؤيتها على الاعتقاد بأن للحروف والأعداد أسرارًا ودلالات تتجاوز ظاهر اللغة، وأن الإنسان والكون والنصوص المقدسة يمكن قراءتها من خلال تلك الرموز. وتحولت الحروف عندها من أدوات لكتابة الكلمات إلى مفاتيح لفهم الوجود. ومن أشهر قصائده على الإطلاق القصيدة التي يدور مطلعها حول أن العالمين لا يسعانه. ومن ترجمتها العربية المنشورة: “اتسع كلا العالمين في داخلي، لا يمكن لهذا العالم احتوائي، جوهر اللامكان أنا، لا يحتويني الكون ولا المكان». وفي موضع آخر منها، بحسب ترجمة عربية أخرى: «أنا السهم وأنا القوس أنا الشيخ وأنا الشاب”. وليس هذا مجرد إفراط شاعر في الاعتداد بذاته، وإنما تعبير عن رؤيته الصوفية والحروفية لمكانة الإنسان وعلاقته بالوجود. ومن هنا يمكن فهم كيف قرأ أتباعه هذا الشعر باعتباره كشفًا صوفيًا، بينما رأى فيه خصومه تجاوزًا للحدود العقدية لا يمكن السكوت عنه. أُُعْدِمَ فضل الله الأسترآبادي نفسه في تسعينيات القرن الرابع عشر، لكن قتل المؤسس لم يقتل الفكرة. كان نسيمي واحدًا ممن حملوها بعده، بل أصبح بشاعريته وقدرته على مخاطبة الناس أحد أشهر وجوه الحروفية. وهنا بدأت خطورة الشاعر في نظر خصومه. فالفيلسوف يستطيع أن يكتب كتابًا لا يقرأه إلا القليل، أما الشاعر فيستطيع أن يحول الفكرة إلى بيت يحفظه الناس ويرددونه. وهكذا لم تعد الحروفية في شعر نسيمي أفكارًا حبيسة الكتب، وإنما أصبحت قصائد تنتقل من فم إلى فم. تنقل نسيمي بين مناطق مختلفة، ووصل في نهاية المطاف إلى حلب، المدينة التي كانت في ذلك الوقت تحت حكم سلطنة المماليك. كانت حلب مدينة علم وتجارة، وملتقى للفقهاء والمتصوفة والتجار وأصحاب المذاهب والأفكار، لكنها أصبحت بالنسبة إلى نسيمي المحطة الأخيرة. انتشرت أفكاره، واجتمع حوله أتباع، وبلغ أمره السلطة. وهنا تنتقل قصته من عالم الشعر والتصوف إلى قاعة المحكمة. وتقدم المصادر الحلبية القديمة مشهدًا لافتًا لمحاكمته. فقد أورد محمد راغب الطباخ في كتابه إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، نقلًا عن كنوز الذهب، أن الدعوى أقيمت على نسيمي في دار العدل بحلب بحضور نائب المدينة وقضاتها وعلمائها. والمثير أن المحاكمة لم تكن بالصورة المبسطة التي قد نتخيلها: مجموعة من الفقهاء اتفقت على تكفير الرجل ثم أمرت بقتله. كانت المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك. فقد قام رجل يدعى ابن الشنقشي الحنفي بالدعوى على نسيمي متهمًا إياه بأقوال نسبت إليه. لكن نائب حلب الأمير يشبك اليوسفي طالبه بإثبات ما يدعيه، وإلا تعرض هو نفسه للعقوبة، فتراجع الرجل عن دعواه. أما نسيمي، فتقول الرواية التاريخية إنه ظل ينطق بالشهادتين وينفي ما نُسب إليه. ثم تدخل الشيخ شهاب الدين ابن هلال وأفتى بأن نسيمي زنديق يستحق القتل ولا تقبل توبته. غير أن المفاجأة كانت أن بقية القضاة والعلماء الحاضرين لم يوافقوا على فتواه. سأل القاضي المالكي ابن هلال إن كان مستعدًا لكتابة فتواه بخطه، ففعل. ثم عرضت الفتوى على العلماء والقضاة فلم يوافقوه عليها. عندها رفض القاضي المالكي أن يُقتل رجل استنادًا إلى فتوى لم يوافق عليها بقية أهل المجلس. رفض نائب حلب أن يقتل نسيمي من تلقاء نفسه، وقرر رفع أمره إلى السلطان. وكانت حلب آنذاك ولاية مملوكية، وكان السلطان آنذاك الملك المؤيد شيخ المحمودي سلطان الدولة المملوكية في القاهرة. وتفيد الرواية التاريخية بأن نسيمي بقي معتقلًا في انتظار القرار القادم من مركز السلطنة. وهكذا أصبح مصير شاعر يقبع في حلب معلقًا بأمر سياسي يصل من القاهرة. ثم جاء القرار. وصدر الأمر السلطاني بقتله وسلخه والتشهير به، بل تذكر الروايات أمرًا بتقطيع جسده وإرسال أجزاء منه إلى بعض الحكام الذين كان يُعْتَقَد أن لنسيمي وأفكاره تأثيرًا في مناطقهم. أما الرواية الشائعة التي تقول إنه سُلخ حيًا، فقد أصبحت جزءً من الذاكرة التي أحاطت بمقتله، لكن المصادر لا تتيح الجزم بجميع تفاصيلها. والثابت أن الأمر صدر بسلخه والتمثيل بجسده، وهي حقيقة لا تحتاج إلى إضافات أسطورية كي تكشف مقدار القسوة التي تعرض لها. حين نسأل بعد ستة قرون: من قتل عماد الدين نسيمي؟ لا تكفي إجابة من كلمة واحدة. كانت هناك خصومة دينية وفكرية مع الحروفية، وكانت هناك فتوى فردية بإهدار حياته، لكن كان هناك أيضًا قضاة لم يوافقوا عليها. وكانت هناك سلطة محلية اعتقلته ورفعت أمره إلى القاهرة، ثم كانت هناك في النهاية سلطة سياسية عليا أصدرت الأمر بقتله وسلخه والتمثيل بجسده. ومن ثم فإن السلطة المملوكية في حلب حاكمت نسيمي، بينما صدر القرار النهائي بإعدامه عن السلطان المملوكي في القاهرة. وتحدد بعض المصادر مقتل نسيمي بسنة ٨٢٠هـ، الموافقة تقريبًا لسنة ١٤١٧م، فيما تضعه مصادر ودراسات أخرى في حدود ١٤١٨ أو ١٤١٩م. ربما اعتقد الذين أصدروا الأمر بقتل الشاعر عماد الدين نسيمي أن قصته ستنتهي في اللحظة التي يتوقف فيها قلبه. لكن الذي حدث كان عكس ذلك. عاش شعره، وأصبح واحدًا من الأسماء الكبرى في تاريخ الشعر الأذربيجاني والتركي والفارسي والتصوف الإسلامي. وبقيت قصائده تُقرأ بعد قرون من اختفاء الذين اتهموه وحاكموه وأصدروا الأمر بقتله. لقد سلخوا جلد نسيمي، لكنهم لم يستطيعوا أن يسلخوا كلماته من ذاكرة التاريخ.