لماذا سُمّيت بهذا الاسم؟
أحب الليالي القمرية. لذلك لا ألوم والد جدتي حين اختار لها اسم «قمرا». كيف ألومه وقد رأى في القمر كل هذا الجمال؟ أتخيّله في ليلة من ليالي زمانه، يرى القمر مكتملًا، فيعجبه المشهد إلى الحد الذي يجعله يريد أن يحتفظ به. لم يكن يملك صورة يلتقطها، ولا شاشة تحفظ له تلك اللحظة؛ كان يملك الكلمة، فسمّى بها ابنته. كان كثير من الآباء قديمًا يتأملون ما حولهم قبل أن يسمّوا أبناءهم؛ فلا يختارون الاسم عبثًا، وإنما يضعون فيه شيئًا من حبّهم. لذلك جاءت تسمياتهم عذبة. ولا يعني ذلك أنهم وُفّقوا في كل الأسماء؛ فهناك أسماء لم تكن موفّقة، لكن كثيرًا منها بقي جميلًا في أسماعنا حتى اليوم. وربما لكل اسم حكاية لا نعرفها. ولو سألت مجموعة من الناس: ما اسم جدتك؟ وهل تعرف حكاية اسمها؟ لاكتشفت كمّ الحكايات التي تختبئ خلف الأسماء. أما اليوم، فأصبح الاسم أحيانًا يمضي مع الترند؛ كل عام تظهر أسماء جديدة، فنختار منها ما يعجبنا. نبحث عن الغريب والنادر، وننسى أن أجمل الأسماء ليست بالضرورة أكثرها غرابة. أحيانًا يكون أجملها اسمًا نعرفه، لكننا حين نسمعه نشعر أنه يحمل شيئًا. ولماذا نبحث عن أسماء بعيدة، والعربية أمامنا بكل هذا الثراء؟ حين تقول «ليلى»، يحضر الليل بطوله وسكونه. وحين تقول «قمرا»، ترى القمر في تمامه. لهذا تبدو لي الأسماء كأنها تعيش بعد أصحابها، وتمشي بيننا من جيل إلى جيل. فالاسم هديتنا الأولى لأبنائنا. سيكبر الطفل، ويتغير شكله، وتتبدل أحلامه، وربما يسافر بعيدًا عن المكان الذي اختير فيه اسمه. لكنه سيظل يحمل الاسم الذي اختير له منذ يومه الأول. سيكتبه حين يتعلم الكتابة، ثم يضعه في رسائله وأوراقه، وسيظل اسمه أول ما يقوله حين يعرّف بنفسه. لهذا يبدو لي اختيار الاسم مسؤولية صغيرة في ظاهرها، لكنها طويلة الأثر. نحن نختار اسمًا لطفل لا نعرف بعد من سيكون؛ لا نعرف شخصيته، ولا أحلامه، ولا الطريق الذي سيمضي فيه. حين رزقني الله ابنتين، كنت أريد لكل واحدة منهما اسمًا يميّزها عن الأخرى، ويكون جميلًا في لفظه ومعناه. لم أكن أبحث عن اسم يلفت الانتباه لحظة سماعه فقط، وإنما عن اسم أستطيع أن أتخيل ابنتي وهي تكبر معه؛ اسمًا لا يبدو جميلًا لطفلة فحسب، بل يظل جميلًا لامرأة أيضًا. وقد سألتني ابنتي الكبرى ذات مرة: لماذا اخترتِ اسمي واسم أختي؟ وما معنى اسم كل واحدة منا؟ عندها شعرت أن الاسم ليس مجرد كلمة نختارها ثم نمضي؛ فسيأتي يوم يلتفت فيه الطفل إلى اسمه، ويريد أن يعرف حكايته. وربما أجمل ما يمكن أن نعطيه له، إلى جانب الاسم، حكاية يحب أن يرويها حين يُسأل: لماذا سُمّيت بهذا الاسم؟ ولست ضد الأسماء الجديدة؛ فلكل زمن ذائقته، ولكل جيل لغته. لكنني أحنّ إلى الاسم الذي تستطيع أن تبحث عن معناه، فتجد خلفه صورة، ثم تبحث عن تلك الصورة فتجد قصة تُروى. أحب الاسم الذي لا ينتهي مع نطقه؛ الاسم الذي يجعلك تتساءل: لماذا اختاروه؟ ماذا كانوا يرون حين سمّوه؟ وما الذي كان يعنيه لهم؟ وربما لهذا أحب «قمرا». ليس لأنها اسم جدتي فحسب، وإنما لأنها تحمل في داخلها نظرة رجل إلى القمر؛ رجل رأى ليلةً مضيئة، فتأملها، وأحبّها، ثم أراد أن يُبقي ذلك الجمال اسمًا.