فيلق النساء ..

دارة الملك عبد العزيز تنقل تاريخ «غصيبة» إلى الرواية .

مع ذكرى اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية يحضر التاريخ، ولعل مبادرة(تاريخنا قصة) إحدى أهم المشاريع الثقافية التي أطلقتها دارة الملك عبد العزيز بالتعاون مع المؤسسات الثقافية الوطنية،وهنا تحضر رواية (غصيبة) للكاتبة لطيفة هيف القحطاني، حيث يُعدُّ حيُّ غصيبة مركز الحكم في الدرعية، والتي تأسست عام 1446م على يد الأمير مانع المريدي جد الأسرة السعودية الحاكمة. في رواية غصيبة الصادرة هذا العام2026م تقدم الكاتبة لطيفة هيف عملا مختلفا في زاوية النظر حيث توغل عميقا في حفريات ثقافية تاريخية عبر أجيال تلوح ملامحها اليوم في هذا السجل الوثائقي الفني الذي يجمع كثيرا من سير النساء وأحاديثهن المكتنزة بالمعلومات والتفاصيل الدقيقة للحياة والصراعات في تلك الفترة من الزمن ،ويبدو أن هذا التاريخ الاجتماعي بمافيه من الموروث الثقافي لايقل أهمية عن الجوانب الأخرى . في الرواية تبدو مسألة في غاية الأهمية، إنها بطولة الكائن الكتلة، ممثلا في مجتمع النساء ، إذ يمثل النسيج الذي حمل القيمة العليا للتاريخ الاجتماعي وقد نهضت الرواية بإعادة انتاجه، تماما مثلما أعاد الكاتب أحمد السماري إنتاج عوالم رواية (فيلق الإبل ) المنشورة أيضا ضمن مشروع تاريخنا قصة، الذي يهتم بتحويل الوقائع التاريخية الوطنية إلى روايات إنسانية مؤثرة، وهنا في رواية (غصيبة) يظهر فيلق النساء في مواجهة الخصوم والظروف؛ الأعداء من البشر، والفقد والمرض والفقر وتقلبات طقس الحياة الذي يفيض بالوجع والرحيل . حياة مثل اسم تلك الرواية، أعني صيغة غصيبة، مفردة نافرة كفرس، ذات دلالة حادة مثل رمح،تضج بمعاني العنف،تكشف بالمناجزة والتأمل عن حمولات ثقافية مخيفة عميقة ، هكذا صح لهذا المكان أن يستحضر في اسمه مشهد الأخذ بقوة ومتطلبات الصراع، دون أن تغيب عنه- من خلال صيغة الكلمة - روح الأنثى التي تسيطر على مجمل الرواية. وتنفتح الرواية كذلك على أحداث تمور بمشاهد الفناء عبر مساحات واسعة من الزمان والمكان، ويلفت النظر حضور المرأة أيضا من خلال أسماء النساء في تلك المرحلة في تلك البيئة، ويسيطر معجم لغوي واضح لمجتمع معين تحضر فيه المرأة مثلما تحضر في الرواية من أول سطر وحتى السطر الأخير، وتظهر الشخصيات النسائية هنا عبر حياة معطوبة وشخصيات مهشمة وأرواح نسوة يقاومن الفناء، حتى مع انغلاق الأفق أمامهن فإنهن يقاومن ويتمسكن بالجذور، وهنا تتقدم حكايات النساء لتكون هي حكايات المتن في النص دون أن ينفتح كثيرا على التاريخ السري للحياة الاجتماعية، في حين يعلو صوت المرأة على أصوات قعقعة السيوف والرماح وطلقات البنادق في أوقات الحروب، وتظهر سلطة الأنثى البطل في إحكام قبضتها على السياقات الثقافية والحركةالتاريخية لأبطال الجزيرة العربية في ذلك المكان، حتى في أصعب مفاصل الأحداث. وتبدو الدهشة الأجمل لهذا العمل من خلال النظر إلى ماكان يقوله ألَمُ واقعِ غصيبة،وما يقوله اليوم قلمُ وخيال لطيفة، وهكذا فإن من يريد الولوج إلى عوالم هذه الرواية عليه أن يدخل إليها من باب النساء.