المدير التنفيذي لجمعية السرد يقرأ واقع الحراك الثقافي ومستقبله بعين الخبرة المؤسسية والعمل الميداني..

فالح العنزي: الدورة المقبلة لـ”نالا” ستخصص للرواية السعودية أو لكتابة الحياة.

كشف المدير التنفيذي لجمعية آداب وفنون السرد «نالا» فالح العنزي عن اتجاه الجمعية إلى تخصيص الدورة المقبلة من «ملتقى نالا للسرد» لأحد أجناس السرد، إما الرواية السعودية وإما «كتابة الحياة» من مذكرات ويوميات وأدب رحلات، على أن يُعلن القرار في حينه. وأوضح أن الجمعية تعمل على تحويل بحوث الدورة الأولى، التي أُقيمت في الرياض يومي 9 و10 سبتمبر 2026، إلى كتاب محكَّم يُتاح للباحثين. وتأتي هذه الخطوات في وقت يشهد فيه القطاع الثقافي السعودي تحولًا في مسار النشاط الأدبي، من الدوائر المحدودة إلى الفضاءات العامة والجماهيرية. وفي هذا السياق يؤكد العنزي أهمية تجسير الفجوة بين جيل الرواد والأجيال الجديدة، وأن تمتد المشاريع الثقافية إلى ما بعد الفعاليات نفسها. وفي هذا الحوار الخاص مع «شرفات»، يتحدث العنزي عن مخرجات الدورة الأولى من الملتقى، التي خُصصت للقصة القصيرة وحملت اسم محمد علي علوان، وعن توصياتها الثماني، ثم عن العوامل التي أسهمت في نجاحها واستدامة أثرها المعرفي. كما يستعيد تجربته في العمل الثقافي، وهو الكاتب القصصي المعروف، ومنها عمله مقررًا للجنة الثقافية في مهرجان الجنادرية، ليقدم قراءة نقدية لواقع المشهد الثقافي المحلي، ومتطلبات تجسير الأجيال، وصناعة الملتقيات الأدبية الأكثر أثرا. وهنا نص الحوار: صدارة النقاش الثقافي *حظي ملتقى نالا للسرد باهتمام لافت في الأوساط الثقافية، واستقطب في دورته الأولى حضورًا من المثقفين والكتاب والباحثين. وأنت تعرف أن كسب اهتمام المثقفين واستمرار تفاعلهم ليس مهمة سهلة. من موقعك مديرًا تنفيذيًّا للجمعية، كيف تفسر هذا الحضور؟ وما العناصر التي تعتقد أنها أسهمت في أن يجد الملتقى هذا الصدى؟ وهل يمكن أن تستخلصوا من تجربته الأولى ما يشبه «البوصلة» التي تساعدكم، وتفيد غيركم، في تصميم لقاءات وفعاليات ثقافية أكثر أثرًا؟ -نجاح الدورة الأولى من ملتقى نالا للسرد جاء – بعد توفيق الله – نتيجة عمل مؤسسي بدأ مبكرًا، وتكاملت فيه رؤية مجلس إدارة جمعية آداب وفنون السرد (نالا)، برئاسة الأستاذ يوسف المحيميد، مع جهود اللجان التحضيرية والعلمية والإعلامية والتنظيمية، وسائر فرق العمل. وقد كان من أكثر ما أسعدنا أن الحضور ظل كثيفًا ومتفاعلًا حتى اليوم الثاني والأخير، وهو مؤشر مهم بالنسبة لنا؛ لأن التحدي في الفعاليات الثقافية يتمثل أولًا في جذب الجمهور إلى الافتتاح، والأصعب هو اقناعه بالبقاء، والإنصات، والمشاركة في الحوار. وأعتقد أن أول أسباب هذا الحضور أن الملتقى اختار التخصص بدل الاتساع. فقد خصص دورته الأولى للقصة القصيرة، ومنح هذا الفن مساحة كاملة للبحث والنقد والشهادة الإبداعية. كانت هناك حاجة إلى منصة تجمع كتّاب القصة ونقادها وباحثيها وقرّاءها في مكان واحد، وتعيد هذا الفن إلى صدارة النقاش الثقافي بما يليق بتاريخه ومنجزه. وجاء اختيار القاص الراحل محمد علي علوان – رحمه الله – اسمًا للدورة ليمنحها بعدًا آخر؛ إذ لم نرد أن يكون التكريم احتفاءً بروتوكوليًا تقليديًا، فقد حاولنا بصدق تحويل الوفاء إلى معرفة. ولذلك سار الاحتفاء به في ثلاثة مسارات متكاملة: ندوة نقدية موسعة شارك فيها أكاديميون ونقاد، ودرست جوانب من تجربته القصصية، وفيلم وثائقي استعاد سيرته الإنسانية والإعلامية والإبداعية، إلى جانب طباعة أعماله القصصية الكاملة. ومن هنا أصبح الوفاء للكاتب مدخلًا لإعادة قراءة منجزه وإتاحته للأجيال الجديدة. كما أعتقد أن البرنامج العلمي أسهم بصورة مباشرة في صناعة هذا الصدى. فقد بُني على أربعة محاور تناولت التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة، والثيمات البارزة والمتكررة فيها، وتسريد المدينة، والسمات الفنية للقصة القصيرة السعودية المعاصرة. ولم تقتصر الجلسات على الأوراق الأكاديمية؛ فقد حضرت إلى جانبها شهادات المبدعين وتجاربهم الشخصية في الكتابة، وهو ما صنع توازنًا بين صوت الناقد وصوت الكاتب، وبين النظرية والتجربة الحية. وكان تنوع الأجيال والرؤى عنصرًا مهمًا أيضًا. حرص الملتقى على استضافة قامات أدبية ونقدية ذات خبرة طويلة، وفي الوقت نفسه إفساح المجال لأصوات وتجارب أخرى، فالتقت خبرة الرواد بحيوية الأجيال الجديدة. وأحسب أن هذا التنوع أسهم في خلق شعور لدى الحاضرين بأنهم أمام ملتقى للحوار، لا منصة أحادية الاتجاه؛ ولذلك تجاوز التفاعل حدود الجلسات إلى الممرات واللقاءات الجانبية والحوارات التي نشأت بين المشاركين والجمهور. البوصلة الثقافية أما إذا أردنا أن نستخلص من التجربة الأولى ما يمكن تسميته «بوصلة» لصناعة ملتقى ثقافي أكثر أثرًا، فأظن أنها تبدأ من وضوح الهوية. الفعالية الثقافية التي تعرف سؤالها جيدًا، وتحدد مجالها، وتختار موضوعاتها ومشاركيها بعناية، تكون أقدر على تكوين جمهور حقيقي حولها. ثم يأتي العمل المؤسسي وتكامل اللجان، وجودة المحتوى، والتوازن بين المعرفة والمتعة، وبين الوفاء للذاكرة وفتح المجال للمستقبل. والأهم أن يشعر المثقف والمبدع والباحث والجمهور بأنهم شركاء في الفعالية، لا مجرد متلقين على هامشها. والنجاح الذي تحقق في الدورة الأولى، التي أقيمت بالرياض يومي 9 و10 سبتمبر 2026م، نحن في (نالا) ننظر إليه كمسؤولية ترفع سقف التوقعات للدورات المقبلة. ومن هنا نتطلع إلى أن تتخصص كل دورة في جنس أو قضية من قضايا السرد، وأن يستمر الاحتفاء بالرواد وقراءة منجزهم، بالتوازي مع تمكين الأجيال الجديدة وتجسير العلاقة بينها وبين من أسسوا الحراك الأدبي والثقافي. ويبقى بالنسبة إلينا معيارا بالغ الأهمية: ألا ينتهي الملتقى بانتهاء موعده. فاستدامة الأثر جزء من مفهومنا للنجاح؛ ولهذا نعمل على تحويل الأوراق والبحوث التي قُدمت فيه إلى كتاب يُنشر ويُتاح للباحثين والمهتمين، لتنتقل المعرفة التي أنتجتها الجلسات من فضاء اللقاء المؤقت إلى ذاكرة ثقافية قابلة للرجوع والدراسة.  مشروع طويل المدى *خرج الملتقى بثماني توصيات في دورته الأولى؛ وهو عدد لافت، بالنظر إلى أن بعضها لا يتعلق بالدورة المقبلة فقط، وإنما يمتد إلى التوثيق والدراسة والنشر وإنتاج المعرفة وتمكين الأجيال الجديدة وإطلاق المبادرات. وقد قرأ البعض هذه التوصيات باعتبارها إعلانًا مبكرًا عن طموح يتجاوز إقامة ملتقى دوري إلى تأسيس مشروع طويل المدى، للنهوض بالسرد السعودي. هل هذا بالفعل ما تطمح إليه جمعية السرد «نالا»؟ أم أن الحديث عن مشروع بهذا الحجم ما يزال سابقًا لأوانه؟ -إن القراءة التي رأت في توصيات (ملتقى نالا للسرد) مشروعًا طويل المدى، وليست مجرد تنظيم لحدث دوري عابر، هي قراءة دقيقة وتوصيف حقيقي لجوهر أهداف «جمعية آداب وفنون السرد»؛ فرؤية مجلس إدارة جمعية آداب وفنون السرد بقيادة الصديق والزميل الروائي الأستاذ يوسف المحيميد، تتجاوز تنظيم ملتقى سنوي، ينتهي بانتهاء فعالياته إلى ترسيخ دورها كمشروع ثقافي متكامل ومستدام؛ للنهوض بالسرد السعودي عبر عدة ركائز أساسية، منها تحكيم ونشر بحوث الملتقى في كتاب يُتاح للباحثين، ونشر الأعمال الكاملة للرواد. وهذا يحافظ على استدامة الأثر للملتقى، وإيجاد مراجع أكاديمية وتوثيقية للسرد المحلي. وإتاحة الدراسات والبحوث الموثقة للباحثين الشباب وكتّاب القصة الجدد، بحيث تضمن الجمعية انتقال الخبرات والمحافظة على الهوية السردية وتجددها بين الأجيال. مهرجان الرواية السعودية *في الجلسات الجانبية للملتقى، تردد حديث، بدا أقرب إلى الأمنية منه إلى المعلومة المؤكدة، عن توجه الجمعية نحو تنظيم مهرجان للرواية السعودية. هل ثمة بالفعل تفكير في هذا الاتجاه داخل الجمعية؟ وهل يمكن أن نرى «مهرجان الرواية السعودية» ضمن مشاريعها المقبلة؟  -أنت أشرت في سؤالك إلى نقطة في غاية الأهمية؛ فالجلسات الجانبية أو الهامشية في الملتقيات الثقافية أو المهرجانات أو معارض الكتب، تكتسب أهمية لا تقل عن الجلسات الرئيسية المنعقدة على المنصة؛ فالجلسات الجانبية تمتاز بحرية الطرح وعفوية الحوار، وتساهم في بناء شراكات ومشاريع ثقافية، مثل: الاتفاق على إصدار الكتب، أو تنظيم ندوات مستقبلية، أو توقيع شراكات بين مؤسسات ثقافية. وتساهم تلك الجلسات الجانبية في تقريب المسافة بين النخب الثقافية والجمهور. وبالعودة إلى سؤالك؛ فقد أعلن (ملتقى نالا للسرد) الذي تنظمه جمعية آداب وفنون السرد (نالا) في ختام دورته الأولى التي خصصت للقصة القصيرة “دورة محمد علوان” عن ثماني توصيات رئيسية لتطوير المشهد الثقافي السردي، وكان أولها الحفاظ على الاستمرارية والدورية، بحيث يجري تنظيم الملتقى بشكل دوري متخصص، وتخصص كل دورة لجنس أدبي، وبمشيئة الله، ستكون الدورة القادمة من (ملتقى نالا للسرد) مخصصة لأحد أجناس السرد، إما الرواية السعودية أو كتابة الحياة من خلال المذكرات واليوميات وأدب الرحلات وما شابه، وسنعلن عن ذلك في حينه. من النخبوية إلى الجماهيرية *عملت أنت لسنوات مقررًا للجنة الثقافية في المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية)، وشاركت في تنظيم وإدارة عدد كبير من الفعاليات والبرامج والندوات الثقافية، بما أتاح لك خبرة واسعة في رصد المشهد الثقافي ومكوناته وتفاعلاته. اليوم، وبعد التحولات الكبيرة التي شهدها القطاع الثقافي السعودي، كيف تنظر إلى المشهد الثقافي المحلي؟ وما الذي ترى أنه ما يزال ينقصه أو يحتاج إلى مراجعة وتطوير؟ وما أبرز الملاحظات التي، من واقع تجربتك، ينبغي أن تلتفت إليها المؤسسات الثقافية؟ -تُعد الثقافة من الركائز الأساسية في رؤية السعودية ٢٠٣٠؛ فهي عنصر جوهري في بناء مجتمع حيوي وتحسين جودة الحياة، إضافة إلى كون الثقافة قطاعًا اقتصاديًّا واعدًا؛ يسهم في التنويع الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة؛ لذلك نجد أن المشهد الثقافي السعودي، يعيش اليوم مرحلة تاريخية غير مسبوقة من التحول والتمكين، حيث انتقل من الاجتهادات المؤسسية المحدودة إلى العمل الإستراتيجي المنظم، تحت مظلة وزارة الثقافة، بقيادة سمو الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وهيئاتها المتخصصة. ومن أبرز الملاحظات، أن المشهد الثقافي الحالي، تحول من النخبوية إلى الجماهيرية، فشهدنا في الحراك الثقافي تحولًا مكانيًّا ونوعيًّا، انتقلت الأنشطة الثقافية من دائرة مغلقة، تقتصر على المثقفين والأكاديميين إلى فضاء واسع، يسهل على عامة المجتمع الوصول إليه والتفاعل معه. وخير مثال على ذلك، المبادرة التي أطلقتها -مشكورة- هيئة الأدب والنشر والترجمة، وهي مبادرة “الشريك الأدبي” التي تم مؤخرا الاحتفال بختام نسختها الخامسة، حيث تم من خلال هذه المبادرة نقل الأنشطة والفعاليات الثقافية إلى المقاهي والأماكن العامة التي يرتادها الناس يوميًّا، فتحول الخطاب الثقافي من طابعه الأكاديمي والفلسفي إلى حوارات تفاعلية، وورش عمل، وأمسيات مبسطة، تناسب مختلف الاهتمامات والفئات العمرية، وأتاحت الفرصة للشباب المبدع للتعبير عن أنفسهم أمام جمهور متنوع. أعتقد أن المشهد بحاجة إلى ملتقيات ثقافية، تعمل كجسر يربط بين أصالة الماضي وتطلعات المستقبل، وتعزز الحوار الفكري والثقافي، وتضمن تجدد واستدامة النتاج الثقافي؛ ليترك أثرًا معرفيًّا مدونًا. الثقافة بناء تراكمي متجدد، ينمو ويتطور عبر الأجيال، ويصبح رصيدًا مشتركًا للبشرية، وتُعد الثقافة من أبرز أدوات القوة الناعمة للدول؛ للتأثير وجذب الآخرين بالإقناع لا بالإكراه، ونحن أمة تفتخر بتاريخها وعمقها الحضاري؛ وهو ما يمنحها القدرة على الاستمرار والتكيف مع متطلبات العصر، والقدرة على الإبداع والنماء. وهنا تبرز أهمية التفات المؤسسات الثقافية إلى تجسير الفجوة بين الأجيال، وربط جيل الشباب المبدع بجيل الرواد الذين أسسوا الحراك الأدبي والثقافي في بلادنا الغالية.