تحتل الكوميديا الخالصة مكاناً نادراً في تاريخ الأدب لا سيما تلك الضحكة التي يوقظها كتاب كامل فهي تحمل مشهداً أكثر ندرة. هناك سمة رمزية كئيبة وتراجيديا أكثر غلبة ارتبطت بعالم الأدب والقراءة مما يبدو غريباً بعض الشيء في هذا العالم الأدبي أن رأيت نفسك تضحك بشدة أو شخص أخر بملء روحه وأنت تمسك كتاب من الغلاف إلى الغلاف ؟ في عام 1882جلست ابنة أخ الكاتب الإنكليزي أنتوني ترولوب إلى جواره تقرأ له رواية كوميدية للكاتب ف. أنستي و كان الأب في الرواية قد استيقظ داخل جسد ابنه وعاد إلى سنوات الشباب محملاً بخبرة رجل ناضج، ثم بدأ يكتشف أن الشباب الذي كان يحسده عليه أشد فوضى وإحراجا مما تخيل, كان ترولوب يضحك بشدة من تسلسل المشاهد في الرواية واشتد الضحك به حتى أصيب بجلطة دماغية عاش بعدها شهراً واحداً ثم توفي. تحمل الحكاية قسوة غريبة تليق بتاريخ الكوميديا, كتاب يجعل قارئه يضحك ثم يترك الضحك أثره في الجسد وتبدو هذه الواقعة مهما أحاط بها من مبالغة لاحقة قريبة من جوهر الكوميديا الخالصة صفحات تملك القدرة على انتزاع القارئ من مكانه وإرباك راحته وتحويل القراءة من فعل فكري صامت إلى ضحكة صاخبة تخرج من صاحبها رغماً عنه, هذا الأثر نادر في الأدب لأن الأدب الكوميدي حاضراً في كل مكان, نراها في روايات ساخرة و قصائد هزلية وفي المسرح وهذا الحضور يخفي حقيقة أخرى لمعظم هذه الأعمال كأنها تستعير الضحك ليصل إلى غاية أخرى أكبر من واقع الحدث الحقيقي, مثلاً أن يضحك القارئ من البخيل ثم يكتشف نقدًا للطبقة أو يضحك من الموظف المرتبك بمشكله في العمل ثم يجد أمامه مؤسسة فاسدة أو حتى يضحك من العاشق ويسميه الأحمق ثم يواجه خوفاً من الوحدة أو الموت وهنا كل ما نراه هو دخول في الكوميديا السوداء وكآبة الواقع أما الكوميديا الخالصة التي يظل الضحك فيها بشكل نقي ويكون هو غاية العمل وقوته المحركة فتظهر نادراً . تاريخ الأدب منح التراجيديا منزلة أعلى من الكوميديا وارتبطت قيمة العمل بالمعاناة والمصير والموت والصدمة, وعندما دخل الضحك إلى الأدب كان يحمل مهمة إضافية لفضح السلطة وانتقاد الطبقات وتعرية العادات ومقاومة اللغة ونقد الذات وكلها صورت تحت محور الكوميديا السوداء وهي لا زالت في نطاق التراجيديا والمأساة ولا نستطيع تسميتها بكوميديا خالصة . تحتاج الكوميديا الخالصة إلى بداية و نهاية تناسب عالمها, ندرة الكوميديا الخالصة كونها تجمع شروطاً صعبة في عمل واحد و تحتاج إلى ضحك مستمر بمفارقة متجددة وشخصيات تحتفظ بقدرتها على الإضحاك بتسلسل السرد بحبكة تتقدم من غير بطئ ونهاية تمنح القارئ إحساسا بالاكتمال, هنا يحتاج الكاتب إلى خلق مسار جديد داخل النهاية نفسها وإلى تحويل الحل المتوقع إلى مفاجأة إضافية . تُخلق الكوميديا الأدبية الخالصة على مفتاح المفارقة والمفارقة تحتاج إلى المفاجأة ليضحك القارئ من النتيجة لأنها جاءت على خلاف توقعه بعد انكشافها و يصبح على الكاتب ابتكار نتيجة أخرى فيواجه الكاتب هنا خطرين بين التكرار والتصنع لأن التكرار يضعف الضحك والتصنع يحول الشخصيات إلى أدوات تتحرك كي تنتج نكتة, ولن تنجح الكوميديا إلا حين تأتي المفارقة من طبيعة الشخصيات وتفشل حين يظهر الكاتب خلفها وهو يدفعها إلى الحركة. حين يصبح الضحك هو غاية الأدب يحافظ الكاتب على هذه الطاقة عبر تجدد المواقف, كل خطأ يفتح ظل للقارئ وهو ممسكاً بالكتاب لأن الحكاية تتحرك ولأن الشخصية التي خرجت من موقف مضحك تدخل مباشرة في موقف آخر أكثر إضحاكاً, و تنجح بعض الكتب في البداية ثم تهدأ في منتصفها وتظهر الفكرة الكوميدية بوضوح مع شخصيات حية من غير شرح نفسي كثيف ليتعرف القارئ إليها من خلال أفعالها ويكتشف طباعها أثناء القراءة بفهم آلية عمل الشخصية ليمنح القارئ تجربة متواصلة تشبه الجلوس أمام مشهد طويل تتغير فيه الوجوه وتستمر اللعبة العبثية الضاحكة فيبدأ القارئ يضحك من الجملة ثم من رد الفعل ثم من النتيجة التي تصيب الجميع ومن ثم تتصل اللحظات ببعضها لصبح الضحك جزء من إيقاع القراءة. يظل يشعر القارئ بندرة الكوميديا الخالصة حين يبحث عن كتاب يقرأه للضحك وحده وبعمق وجودي لا يحمل اي سطحية مربكة, قد يجد روايات عميقة و روايات ساخرة بشخصيات منهكة ثم يكتشف أن الضحك يتوقف بعد فصل أو فصلين, نعم يظل الكتاب ممتعاً وقد يكون عميقاً ومؤثراً لكن تجربة الضحك المستمر تنقطع. لهذا يفتح القارئ كتاباً كوميدياً حقيقاً فيشعر بأنه أمام تجربة نادرة فيضحك من الشخصيات ثم يضحك من طريقة تفكيرها ومن العالم الذي جمعها في مكان واحد, فيستمر الضحك لأن الحكاية نفسها تعرف كيف صنعت وجدانية إنسانية من خلال الضحك الخالص ببساطة, فقط كتاب يمسكه القارئ من أجل الضحك ويظل يضحك فعلأ وهو يقرأ. تعامل النقد الأدبي طويلاً على المفاهيم الساخرة مع أن لكل منها وظيفة مختلفة وترجع صعوبة تحديد الكوميديا إلى التداخل بين مفاهيم متجاورة بين الفكاهة والسخرية والهزل والتهكم والباروديا والعبث مع أن لكل منها وظيفة مختلفة, فالفكاهة قد تظهر في جملة أو موقف والسخرية تقوم على مسافة نقدية بين القول والقصد, أما الكوميديا فتتطلب أسس سردية أو درامية تنتظم فيها الشخصيات والأحداث والنهايات وفق منطق خاص, وتشير الدراسات النقدية الحديثة إلى أن مفهوم الكوميديا اتسع ليشمل السخرية والمحاكاة الساخرة والرومانسية والهزل والتلاعب اللغوي، وهو الأمر الذي جعل حدوده أقل استقرارا من حدود التراجيديا لهذا ارتبطت الكوميديا منذ بداياتها بفكرة الخطأ والخلل والانحراف عن المعيار وذلك عندما نرى أن مصدرها يتصل بالقبح الذي يثير الضحك من دون أن يقود إلى ألم مأساوي، وهي صيغة تكشف طبيعة الكوميديا على إنها تعالج خللاً ما لكنها تمنحه مسافة آمنة تسمح للمتلقي بالنظر إليه من الخارج, غير أن هذه المسافة لها شكل غير آمن دائماً لأن كثير من الأعمال الكوميدية العظيمة تبدأ بالضحك وتنتهي بإعادة النظر في النظام الذي أنتج الموقف المضحك. وتحت كل الدراسات النقدية التي تناولت المشهد الساخر في الأدب كلها تداخلت في تساؤل واحد, لماذا غلبت التراجيديا على موقف الكوميديا وشوهت الأصل الكوميدي؟ وهذا المأزق التساؤلي لأن التراجيديا احتلت موقعاً مركزياً في تاريخ التفكير الأدبي لأنها انسجمت مع التصور التقليدي للإنسان على كائن مأساوي محكوم بالصراع والمصير, أما الكوميديا فظلت في مراحل كثيرة مرتبطة بالحياة اليومية والعادات الاجتماعية والشخصيات العادية, ولكون التراجيديا تتحدث عن الملوك والأبطال والآلهة بينما انشغلت الكوميديا بالبخلاء والمحتالين والعشاق والخدم والحمقى وقد أسهم هذا التوزيع الطبقي في منح التراجيديا منزلة فنية أعلى وكأن الجدية معيار القيمة والضحك لا ينتج اي معرفة عميقة, حتى أرسطو الذي أشار إلى الكوميديا في سياق تصنيف الشعر والدراما لم يترك لنا دراسة مكتملة عنها تضاهي ما خص به التراجيديا من تحليل وقد أدى غياب النص الكوميدي المؤسس إلى استمرار الاعتقاد بأن الكوميديا أقل قابلية للتنظير مع أن تاريخها يكشف عن أنظمة معقدة في تشكيل الحبكة والشخصية, وتلفت المراجع النقدية إلى أن الكوميديا حظيت منذ البداية باهتمام نقدي أقل من التراجيديا رغم كونها نوع ادبي أصيل له تطوره وأشكاله . من جهة أخرى يبدو الشعر أكثر استعداد للكوميديا من الرواية, فالقصيدة القصيرة تمنح قدرة على تكثيف المفارقة اللغوية واللغة الشعرية تسمح باللعب والتضخيم وقلب الموقف ومع ذلك ظل الشعر الكوميدي الخالص نادراً أيضاً لأن الكوميديا الشعرية غالبًا ما ارتبطت بالهجاء الذي يتجه إلى غرض خارج الضحك مثل التشهير والانتقام أو الدفاع عن الذات. في الشعر العربي حضرت الطرافة في المفاخرات والنقائض والمحاورات كما حضرت السخرية في هجاء الأشخاص والقبائل والخصوم غير أن هذه الأشكال تبتعد كلها عن نطاق الكوميديا الصافية لأن الضحك فيها يحمل وظيفة اجتماعية واضحة يشارك في صراع المكانة والسمعة, ولأن جوهر القصيدة الهجائية السخرية من الآخر كي تهز صورته وتمنح الشاعر موقعاً أعلى منه وهذا ما يجعلها تبدو كوميديا بسلاح موجه و كوميديا مكثفة في عالم الحروب النفسية . مع ذلك تظل هناك تجارب شعرية جعلت من اللعب اللغوي مبدأً جوهريا في هذه التجارب يكون الضحك رد فعل على موضوع خارجي ينشأ من اللغة نفسها, نشأة من الجناس و تتحول اللغة إلى شخصية كوميدية يصبح القارئ شريك في لعبة خارج قوانين المواعظ المباشرة, لكن هذا النوع من الشعر يظل محدود الانتشار لأنه يتطلب حس إيقاعي ثقافي خاص كما أن ترجمته إلى أزمنة ولغات أخرى تفقده كثيراً من قوته. تكمن قوة الكوميديا الصافية في أنها ترفض تحويل الضحك إلى وسيلة تبرير, أي إنها لا تقول إن الضحك يقود بالضرورة إلى الإصلاح ولا تريد أن تمنح القارئ نهاية أخلاقية واضحة, هي غالبا تترك الشخصيات داخل تناقضاتها وتتيح للفوضى أن تستمر وللخطأ أن يتكرر وبهذا النظام تبدو الكوميديا الصافية أكثر راديكالية من السخرية الإصلاحية لأنها لا تعاقب نفسها ولا العالم وتكشف أن العالم نفسه قد يكون قائما على شكل عميق نقي يريد أن يبتهج ويضحك فقط, تبقى الكوميديا الخالصة فن شديد الحساسية يحتاج إلى كاتب يثق بحركة الضحك نفسها ويمنحها القدرة على إيجاد عالم كامل تحتاج إلى شخصيات جادة في أهدافها مضحكة في نتائجها، وإلى حكاية تتحرك من خلل صغير حتى يصبح الخلل نظام كامل من الوجودية, لهذا تظل الكوميديا الأدبية الخالصة قليلة في تاريخ الرواية والشعر ومهما كان الضحك حاضر في الأدب غير أن الأدب يستدعيه غالباً لفتح باب آخر, أما الكوميديا الخالصة فتكتفي بفتح باب الضحك ثم تبني خلفه عالم كامل بقائم بذاته من البداية للنهاية .