قراءة في هوية اليوم الوطني 2026 ..

«عزنا بطبعنا» .. الهوية السعودية بين بلاغة العبارة ودلالة الصورة.

يحمل شعار اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين «عزنا بطبعنا»، بما يتفرع عنه من عبارات، رؤية تتجاوز الاحتفاء بالمناسبة إلى بناء صورة للإنسان السعودي وهويته الحضارية؛ إذ تنتظم شعارات «عزنا بكرمنا»، و«عزنا برؤيتنا»، و«عزنا بهمتنا»، و«عزنا بشجاعتنا»، و«عزنا بجودنا»، و«عزنا بأصالتنا» في نسق دلالي واحد، تتعدد فيه وجوه العزة من غير أن تتفرق مرجعيتها، فكل عبارة تستدعي قيمة من القيم التي تتشكل منها الشخصية الوطنية، وتتساند هذه القيم في بناء معنى جامع يصل الموروث بالحاضر، والقيمة بالفعل، والهوية بالطموح. يسعى هذا المقال إلى الإجابة عن سؤال محوري: كيف تُقرأ الهوية السعودية بين النص والصورة في شعارات اليوم الوطني (96)؟ والجواب على ذلك يكون من خلال التأمل في البلاغة الكامنة خلف الشعارات الوطنية، وكيف تتكامل دلالات اللفظ مع رمزيّة التصميم البصري؛ فكل شعار يمثل تجربة دلالية متماسكة تجعل من الإنسان السعودي محورًا للخطاب، ومن القيم الوطنية منبعًا للحضارة، ووقودًا للنهضة، وقوةً دافعةً لمسيرة وطن يمضي بثقة نحو مستقبله، مستمدًا من هويته أصالته، ومن طموحه أفقه. وقد جاء تناول الشعارات في هذا المقال استنادًا إلى ما ورد في الدليل الإرشادي لهوية اليوم الوطني (96) المنشور على الموقع الرسمي للهيئة العامة للترفيه، وانطلاقًا منه في قراءة دلالاتها اللغوية والبصرية. عزنا بكرمنا تفتتح شعارات هذه المنظومة بشعار الكرم، بوصفه قيمة كلية تتآلف في رحابها دلالات الشعارات الأخرى؛ فالكرم قيمة مولِّدة لفضائل متعددة، تتنوع تجلياتها في الحياة الاجتماعية، وتتجاوز حدود البذل المادي إلى أفق إنساني أرحب، يتجلى في حفاوة اللقاء، وإكرام الآخر، ورحابة النفس، ونبل المعاملة، وحسن الوفادة، ومن ثم لا يبدو الكرم في العبارة خصلة فردية عارضة، بل مكوّنًا من مكونات الشخصية السعودية وامتدادًا لموروث ثقافي تناقلته الأجيال حتى استقر في الوعي الجمعي. وتتسم الهوية البصرية بثراء دلالي يرفد المعنى اللفظي ويعمّقه؛ إذ تتوسط الدلّة العربية التصميم، تحفّ بها الفناجين في نسق متوازن يجعل الصورة امتدادًا للمعنى، ويمنح العبارة بعدًا بصريًا حيًا، فالدلّة هنا رمز ثقافي متجذّر في الوجدان السعودي يشير إلى الضيافة وحفاوة اللقاء واستمرار العطاء، بينما تعبّر الفناجين المتعددة عن روح المشاركة والألفة، في إشارة إلى أن الكرم لا يتحقق إلا بحضور الآخرين ومشاركتهم، أما الزخارف الهندسية المستوحاة من الفنون الإسلامية والتراث المحلي، فتؤكد أصالة الهوية، وتربط الشعار بالموروث الثقافي الذي حافظت عليه المملكة وجعلته جزءًا من صورتها الحضارية. عزنا برؤيتنا إذا كان الكرم يستمد دلالته من رسوخ القيمة في الوجدان، فإن الرؤية تنقل الخطاب إلى أفق المستقبل؛ فالعزة هنا تتجلى في القدرة على استشراف ما ينبغي أن يتحقق، وتحويل الطموح إلى مشروع وطني مشترك، ولهذا تتجاوز «رؤيتنا» معنى الخطة إلى معنى الوعي بالمستقبل وصناعته؛ فهي تصل الإرث الحضاري بحركة التنمية، وتجعل الاعتزاز بالوطن قوة منتجة تتجه إلى الإنجاز. وتكشف الهوية البصرية من خلال نسقها الإشعاعي عن بنية رمزية عميقة؛ إذ تنطلق العناصر جميعها من مركز ثابت، في كناية بصرية عن الوطن بوصفه منطلق الرؤية ومرتكزها، ثم تتسع في انتظام هندسي دقيق يرمز إلى انتشار أثرها في مختلف مجالات التنمية، وإلى امتداد مشاريعها في فضاءات الاقتصاد والمعرفة والثقافة والإنسان، ولا يقتصر هذا الامتداد على الاتساع المكاني، بل يستبطن معنى التراكم والارتقاء، ويجسد فلسفة التحول التي تقوم عليها الرؤية الوطنية؛ فالانتقال من المركز إلى الأطراف يمثل انتقالًا من الفكرة إلى الإنجاز، ومن الإمكان إلى التحقق، ومن الطموح إلى الواقع. عزنا بهمتنا تأتي الهمة لتجسد الطاقة السعودية التي تنقل الرؤية من التصور إلى الفعل؛ فهي إرادة الإنجاز وصلابة العزم والقدرة على المضي أمام التحديات، وقد وجدت هذه المعاني تجسيدها البصري في جبل طويق، بما يحمله من إيحاءات الثبات والعلو والرسوخ؛ فلم يعد حضوره في الصورة المصاحبة مجرد استدعاء لمعلم جغرافي، بل غدا رمزًا تتلاقى فيه صلابة الأرض بقوة الإرادة، ويصبح المكان حاملًا لصفات الإنسان السعودي ومعبرًا عن عزيمته، وتتعزز هذه الدلالة باستلهام الشعار للمقولة الخالدة لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله» : –همة السعوديين مثل جبل طويق، ولن تنكسر إلا إذا انهد هذا الجبل وتساوى بالأرض«. لقد تحولت هذه العبارة إلى مرجعية ثقافية ورمز وطني يعيد تشكيل الوعي الجمعي، ويؤسس لعلاقة وثيقة بين الإنسان والأرض، وبين الإرادة والهوية، حتى غدا جبل طويق علامة بصرية تختزل فلسفة وطن يؤمن بأن الهمة أساس الإنجاز، وأن الطموح لا تحده العوائق، بل تصقله التحديات. عزنا بشجاعتنا تأتي الشجاعة لتكشف عن قيمة راسخة في الشخصية السعودية؛ تمثل قوة في الموقف، وثبات عند التحديات، وقدرة على المبادرة وتحمل المسؤولية، ومن ثم تتجاوز «شجاعتنا» دلالتها الفردية لتستحضر بعدًا وطنيًا أوسع ارتبط بتاريخ المملكة ورجالها ومواقفها، حتى غدت الشجاعة قيمة تتصل بحماية الوطن وصون مكتسباته، كما تتصل في الحاضر بالقدرة على مواجهة التحديات والمضي بثقة نحو المستقبل. وتتجسد هذه الدلالة بصريًا في السيف الأجرب، بما يحمله من حضور في الذاكرة التاريخية السعودية؛ فلا يأتي السيف في التصميم بوصفه أداة مادية فحسب، وإنما يتحول إلى علامة تختزل معاني القوة والإقدام والثبات، ويعمق هذا الاختيار الصلة بين القيمة وتاريخها؛ إذ تنتقل الشجاعة من معناها المجرد إلى رمز محسوس يستدعي مواقف البطولة والدفاع عن الأرض والذود عن الوطن، وبهذا تتآزر العبارة والصورة في بناء دلالة تتجاوز القوة في ذاتها إلى القوة المنضبطة بالقيمة والانتماء؛ فتغدو الشجاعة إرادة تحمي، وعزيمة تواجه، وموقفًا يستمد رسوخه من تاريخ الوطن ويمتد أثره إلى حاضره ومستقبله. عزنا بجودنا يتسع معنى العطاء في «عزنا بجودنا»؛ فالجود لا يقف عند حدود الكرم في موقف الضيافة، وإنما يحيل إلى فيض العطاء واستمراره وتجاوز أثره صاحبه إلى الآخرين، ويتعاظم الأثر لهذا الشعار من خلال هويته البصرية، التي اتخذت من المبخرة العربية مركزًا للتكوين التصميمي، وأضحت أيقونة ثقافية ذات حضور عميق في الوجدان السعودي، ترمز إلى الترحيب، وحسن الوفادة، وانتشار الطيب قبل حضور الضيف، حتى غدت المبخرة علامة بصرية تختزل فلسفة الضيافة السعودية في أرقى صورها، ومن ثم يتحول تصاعد البخور إلى استعارة تصميمية توحي بامتداد أثر الجود، وانتشار قيمه في كل اتجاه، كما ينتشر عبق الطيب في الفضاء، فيغدو العطاء أثرًا محسوسًا يتجاوز حدود المكان والزمان. عزنا بأصالتنا أما الأصالة فترد هذه القيم جميعًا إلى منبعها؛ فهي الجذر الذي يمنحها الاستمرار والمعنى، وليست الأصالة هنا استعادة ساكنة للماضي، وإنما وعي بالجذور يتيح للهوية أن تتجدد من غير أن تفقد ذاتها، ولهذا كانت الشجرة اختيارًا بصريًا دقيقًا؛ جذور تضرب في الأرض، وفروع تمتد في الفضاء؛ فيلتقي الرسوخ بالنماء، والثبات بالتجدد، والذاكرة بالمستقبل، وبهذا تصبح الأصالة قوة مولدة وليست أثرًا محفوظًا؛ منها تستمد الشخصية الوطنية تماسكها، وبها تحافظ على خصوصيتها وهي تتجه إلى آفاق جديدة. وإذا اختلفت هذه العبارات في قيمها الجزئية ورموزها البصرية، فإنها تنتظم بلاغيًا في بنية تعبيرية واحدة تكشف عن وعي دقيق بوحدة الخطاب الوطني، فجميعها تنطلق من نواة ثابتة هي «عزنا»، ثم يتغير المتعلَّق الذي يكشف مصدر هذه العزة: بكرمنا، برؤيتنا، بهمتنا، بشجاعتنا، بجودنا، بأصالتنا، ومن هنا يقوم النظام التعبيري على ثبات المركز وتنوع الامتدادات؛ فالعزة هي المركز الدلالي، والقيم الست وجوه تحققها في الإنسان والمجتمع والوطن. ويمنح الإيجاز هذا البناء قدرته على التكثيف؛ إذ تختصر كل عبارة علاقة واسعة بين الهوية والقيمة في كلمات قليلة، من غير أن تنغلق دلالتها عند حدود معناها المعجمي، فالمحذوف والمضمر في هذه الصيغ أوسع من الملفوظ، وهو ما يجعلها قابلة لأن تستدعي وراء «الكرم» تاريخًا من الممارسة الاجتماعية، ووراء «الرؤية» مشروعًا للمستقبل، ووراء «الهمة» إرادة الإنجاز، ووراء «الشجاعة» إرثا من الإقدام والثبات، ووراء «الجود» امتداد العطاء، ووراء «الأصالة» ذاكرة الهوية وجذورها. ويضطلع حرف (الباء) في التركيب بوظيفة محورية في انتظام هذه الصيغ؛ فهو يصل العزة بالقيمة التي تتجلى بها، فيقيم بين الطرفين علاقة تتجاوز مجرد الجمع إلى التعليل والسببية والملابسة، فالعزة بالكرم، وبالرؤية، وبالهمة، وبالشجاعة، وبالجود، وبالأصالة، وبذلك تتحول القيم من صفات موصوفة إلى مصادر فاعلة للعزة، ويصبح البناء اللغوي نفسه حاملًا لفكرة أن مكانة الوطن ثمرة منظومة من القيم المتأصلة والفاعلة. ويعمق ضمير الجماعة «نا» هذا المعنى؛ إذ يتكرر في طرفي التركيب: عزنا/كرمنا، عزنا/رؤيتنا، عزنا/همتنا، عزنا/شجاعتنا، عزنا/جودنا، عزنا/أصالتنا، وهذا التكرار ليس مجرد علامة على الملكية، بل يؤدي وظيفة تداولية تتصل بتكوين الهوية الجمعية؛ فالعزة ليست عزة فرد، والقيمة ليست خصلة منعزلة، وإنما كلتاهما منسوبتان إلى جماعة تتشارك الهوية والمسؤولية، وهكذا ينتقل الخطاب من الإخبار عن الوطن إلى إشراك المتلقي في الوطن؛ لأن ضمير «نا» يدمج المتكلم والمخاطب في ذات جمعية واحدة. أما على مستوى التركيب، فإن تكرار القالب نفسه يولد توازيًا أسلوبيًا يمنح العبارات إيقاعًا داخليًا ووحدة بنائية، مع بقاء مساحة الاختلاف في الكلمة الأخيرة، وهذا الجمع بين الثابت والمتغير يحاكي طبيعة الهوية التي يعبر عنها أصل واحد تتعدد تجلياته، وثوابت راسخة تتنوع صور حضورها. وخلاصة القول إن هذه الشعارات بتآزر ألفاظها وصورها، تقدم الهوية السعودية في صورتها الجامعة، قيم راسخة، وطموح متجدد، وإنسان يصنع عزة وطنه.