يدّعون الإسلام ويرمون الكعبة!
القراءة النقدية للانحراف الفكري والأخلاقي للميليشيا الحوثية تكشف حقيقة الجماعات المؤدلجة عندما توضع شعاراتها البرّاقة على محك الأفعال، فلا تدع مجالاً للشك في حقيقة منطلقاتها وغايتها. وفي تاريخ الجماعات المتطرفة لم تبلغ الخيانة الفكرية والجرأة على حُرُمات الأمة ما بلغته الفئة الحوثية التي تتخذ من الشعارات الإسلامية غطاءً لسياسات الدمار، ثم لا تتورع عن توجيه أدوات قتالها وصواريخها ومسيّراتها باتجاه مهبط الوحي ومصدر النور، مكة المكرمة. إن استهداف العاصمة المقدسة والجرأة على حدود الحرم الآمن لا يمثل مجرد تصعيد عسكري أو مغامرة سياسية عابرة، إنه زلل عقدي وسقوط أخلاقي مريع يضع هذه الميليشيا في مواجهة صريحة مع الفطرة السليمة وأحكام الدين الحنيف ومشاعر أكثر من مليار ونصف المليار مسلم حول العالم. تتجلى المفارقة الصارخة في أدبيات هذه الجماعة التي لا تتوقف عن دغدغة عواطف العامة بشعارات نصرة الإسلام والتصدي لأعداء الأمة، في حين ترسم بوصلتها الميدانية مساراً مناقضاً تماماً يتجه نحو القبلة التي يولّي المسلمون وجوههم شطرها كل يوم. كيف لمن يدعي الانتساب لشرع الله والذود عن حياضه أن يستهدف أول بيت وضع للناس، الحرم الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً، وجعل حرمته قائمة إلى يوم الدين؟ إن مجرد التفكير أو الشروع في المساس بهذا المكان الطاهر يعكس خللاً عقائدياً عميقاً، إذ يقدم الهوى السياسي والنزوع الطائفي على أقدس بقاع الأرض وأجلّ حُرُمات المسلمين. لقد حذر المولى عز وجل في القرآن الكريم من مجرد إرادة السوء بالبيت الحرام، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ الَّذينَ كَفَروا وَيَصُدّونَ عَن سَبيلِ اللَّهِ وَالمَسجِدِ الحَرامِ الَّذي جَعَلناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فيهِ وَالبادِ وَمَن يُرِد فيهِ بِإِلحادٍ بِظُلمٍ نُذِقهُ مِن عَذابٍ أَليمٍ﴾ [الحج: 25] إن هذه الشريعة المحكمة التي جعلت أمن البيت خطاً أحمراً تقف حائلاً أمام كل من سولت له نفسه العبث بحرمته. وما هذه المساعي الإجرامية لاستهداف مكة إلا امتداد لسلوكيات الفئات الضالة عبر التاريخ، كالقرامطة الذين استهانوا بالحرمة وأراقوا الدماء الزكية في صحن الطواف. إن هذا التطابق السلوكي يكشف أن التعبئة المغلوطة والغلو المظلم هما المحرك الأساسي لهذه الجماعة التي تجردت من أي دين أو ملة مرعية. ولم تقف آثار هذا الفكر المتطرف عند حدود التعدي على المقدسات، إنما شرارته ممتدة لتفتك بالشعب اليمني الشقيق الذي اكتوى بنار هذا التسلط الغاشم. فمن الناحية الاقتصادية، تسببت هذه الفئة في انهيار مقومات الحياة ومؤسسات الاقتصاد، ونهبت الموارد العامة، وصادرت مرتبات الموظفين، وأغرقت البلاد في أزمات معيشية طاحنة وجوع يفتك بالآمنين. وسياسياً، قوضت الميليشيا أركان الدولة اليمنية، وانقلبت على التوافق الوطني والمسار السلمي، ورهنت إرادة اليمن لمشاريع إقليمية عابرة، محولة البلد العريق إلى ساحة للصراعات ومأساة إنسانية مستمرة. أما اجتماعياً، فقد مزقت النسيج الاجتماعي الأصيل، وزرعت بذور الطائفية والمقت، وجرّفت المناهج التعليمية لتغذية عقول الناشئة بالعنف والغلو، محاربةً الإنسانية في أبهى صورها. إن الصورة الحقيقية لهذه الفئة تبدو اليوم جلية لا غموض فيها؛ جماعة تتجرد من قيم الدين وأعراف الإنسانية، ولا يحرك سلوكها سوى العداء لكل ما هو محترم ومقدس. إن حماية الحرمين الشريفين وسلامة ضيوف الرحمن مسؤولية إسلامية وتاريخية لا يقبل المساس بها. ومهما حاولت هذه الميليشيا التستر خلف الشعارات العاطفية والخطابات المزيفة، فإن أفعالها الشنيعة واستهدافها لبيت الله الحرام وتدميرها لليمن أرضاً وإنساناً ستظل شواهد تاريخية على انحرافها، وستبقى تصرفاتها محكومة بالرفض والإدانة المطلقة من الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء. إن مواجهة هذا الانحراف الفكري والعدوان الإجرامي تتطلب حزماً كاملاً على كافة المستويات؛ بدءاً من الضرب الحديدي برعاية الأجهزة الأمنية لملاحقة كل من تسوّل له نفسه المساس بأمن الوطن والمقدسات أو التنسيق مع القوى الانقلابية، ووصولاً إلى تمكين الشرفاء والأحرار من أبناء الشعب اليمني وتوحيد صفوفهم لاستعادة دولتهم المسلوبة. إن حماية القبلة وصيانة أمن الحرمين الشريفين ستبقى واجباً مقدسًا وخطاً أحمر؛ وستظل المملكة السد المنيع الذي تتحطم عليه كافة المؤامرات، مهما تمادت الميليشيات في غيها وشعاراتها المزيفة.