عودة الكتاب الضالّ!
ذات صيف في عام 1942 كان الأستاذ “لويس عوض” جالساً في منزل الأسرة بمدينة “المنيا” في مصر، يُدوّن مسودّة كتابه “مُذكّرات طالب بعثة”، لينقل صورة “أوروبا” وحضارتها في وجدان شاب عربي زارها في الفترة بين 1937 و 1940، للحصول على شهادة الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة “كامبردج” في بريطانيا، قبل أن تزول من ذاكرته الانطباعات العديدة التي تركتها رحلته في جنانه ووجدانه. وقد عاد إلى “مصر” بعد نشوب الحرب العالمية الثانية بنحو عام، ثم شرع في نشر هذا الكتاب وكانت الحرب لا تزال قائمةً، فقدّمه لرقابة النشر في عام 1944 مكتوباً على الآلة الكاتبة، وأودع في الرقابة ثلاث نُسخ منه على الأقل.. وقد كان له مع رقابة النشر يومئذ مُغامرة تستحقّ التسجيل. فقد قصد بعد شهرٍ من تقديم الكتاب إلى مُدير الرقابة، وكان يومئذ أستاذه “فيرنس” في قسم اللغة الإنجليزية بكليّة الآداب بجامعة القاهرة، وكان قد انتُدِب طوال مُدّة الحرب من الجامعة إلى وزارة الداخلية ليتولّى وظيفة رقيب المطبوعات العام. زار مدير الرقابة ليستفسر عن تأخّر فسح الكتاب، فقال المدير إنه أعطاه للرقيب “الشيخ فلان”، وقد أبلغه الشيخ أنه مُعترضٌ على صدور الكتاب، والسبب أنه مكتوب باللهجة العاميّة، والكُتب لا ينبغي أن تصدر إلا بالعربية الفُصحى. وبعد اعتراض الكاتب على هذا المبدأ في الرفض، اقترح مدير الرقابة إحالة الكتاب إلى رقيبٍ آخر هو الأستاذ “توفيق صليب”، وكان هذا الأفندي للأسف معروف عنه التعاون مع الحكومات الديكتاتورية في مصر. وحدث بالفعل ما خشي منه الكاتب، إذ أنه استلم كتابه من يد الرقيب بعد أسبوع، وقد خُتمتْ كلّ صفحة من صفحاته بختمٍ أحمر بيضاوي يقول: (حُذفَ بمعرفة الرقيب)، وقلّب صفحات الكتاب، ولبالغ دهشته وجد أن الأفندي قد شطب كلّ فقرةٍ أو صفحة فيها تعريض أو انتقاد للإنجليز.. فأخذ الكاتب يُجادل الرقيب فيما فعل ولكن دون جدوى، إذ أن الرقيب قال له: “أنت تنسى يا أستاذ أننا في حالة حرب، وأننا حُلفاء إنجلترا”!؟ ثم أن الرقيب سلّمه الكتاب قائلاً: “الآن تستطيع أن تنشر كتابك يا أستاذ عوض”..! فأجاب الكاتب: “إني أُفضّل أن أُحرقه بيدي، عن أن أنشره على هذه الصورة المبتورة”.. وهكذا خرج من وزارة الداخلية وهو ينتفض غيظاً، وقد انتهى إلى قرار: “لن يخرج هذا الكتاب إلى النور إلا في صورته الكاملة، عندما تُرفع الرقابة بعد الحرب بإذن الله”.. ولكن أصول الكتاب ضاعت من الكاتب بعد ذلك في ظروف لا يذكرها! وبعد حوالي ربع قرن، وبالتحديد في سنة 1965، كان الكاتب الدكتور”لويس عوض” في مكتبه بجريدة “الأهرام”، حين وصله بالبريد من “الإسكندرية” كُتيّب لا تتجاوز صفحاته خمساً وعشرين صفحة، وما إن تصفّحه حتى فغر فاهُ دهشةً؛ فقد اشتمل هذا الكُتيّب على صفحاتٍ من كتابه الضائع! قرأ على صفحة الغلاف أن ناشر الكتاب اسمه “كناري”! وهو اسمٌ مُستعار كما هو واضح، وفي مُقدّمة الكتاب نُبذة يعتذر فيها الناشر عن تصرّفه بنشر كتاب من تأليف غيره، مع إشارة تدلّ على أن هذا الكُتيّب هو جزء من مطبوعات سلسلة دار نشر بالإسكندرية، وضّحت اسمها وعنوانها واسم رئيس تحريرها: “حسنين محمود حسنين”، واستنتج الدكتور أن “حسنين” و”كناري” شخص واحد! وانتابه شعوران مٌتباينان: شعور بالغضب أن يرى شخصاً لا يعرفه، يتصرّف في عملٍ من أعماله بالنشر دون إذنٍ منه، وشعور بالفرح لأنه تيقّن من أن أصول كتابه الضائع لم تضع بعد كل هذه السنين. وهكذا وجد نفسه يتّصل هاتفياً “بكناري” ويطلب موعداً معه في داره بالإسكندرية، فوافق على اللقاء بعد مراوغة ومماطلة.. وفي الموعد المُحدّد تم الاجتماع، وفيه وافق “كناري” على تسليم أصول الكتاب له بعد ساعتين من اللفّ والدوران، وعرف منه أن الكتاب آل إلى “كناري” منذ عشرين سنة، عن طريق قريبٍ أو صديقٍ له كان يعمل في رقابة النشر أثناء سنوات الحرب. وأخيراً، فإن الدكتور “لويس عوض” أقرّ بأنه لو أنه عثر شخصياً على أصول كتابه “مُذكّرات طالب بعثة” بين أوراقه القديمة في ذلك الزمان، فربّما كان هناك احتمال قوي ألا ينشره؛ بسبب المعركة الشرسة التي كانت دائرة في تلك الأيام ضدّ نشر الأعمال الأدبية باللهجة العامية، بل ربما يوصي بعدم نشره قبل وفاته بعشر سنوات! لكنه بعد أن عاد إلى “القاهرة”، اتّفق مع دار “روز اليوسف” على نشر الكتاب في سلسلة “الكتاب الذهبي”.. فقد خرج الأمر من يده منذ أن نشر “كناري” جٌزءاً من الكتاب على الملأ، ولم يبقَ إلا أن ينشر النّص كاملاً!