لماذا السعودية دائمًا في المواجهة؟

نحتفل في 23 من سبتمبر من كل عام باليوم الوطني السعودي، وقد مرّ على توحيد المملكة على يد المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز 96 عاما، وعلى تأسيسها قرابة 300 عام، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم وهذا الوطن المبارك في واجهة الأحداث، فرغم قسوة صحرائه الممتدة التي أرغمت القوى العظمى على الخوف من خوض غمارها، بقيت بلادنا في مأمن من لوثات الاستعمار وأذنابه، وحافظت على حماية أقدس بقاع المسلمين من أن تطأها أقدام غير المسلمين، وسلمتْ ثقافتها ولغتها من العجمة والتغريب؛ ما زادها نقاء ورقيا يندر وجوده في محيطنا العربي والإسلامي، فكما أن الأقدار الربانية حفظتها سليمة نقية، إلا أن الأقدار أيضا جعلتها في مواجهة الكثير من التحديات وأرغمتها على خوض الكثير من المؤامرات خلال تاريخها الطويل، ولولا فضل الله ورحمته ثم حكمة وحنكة الملوك وصدق المواطنة لما بقيت هذه الدولة شامخة عليّة تتقدم بلا كلل وملل في كل ميادين الحياة. .. وأمام ما نواجه اليوم من هجوم حاقد وآثم تشنه جمهورية إيران ومليشياتها في اليمن والعراق على بلادنا ومقدساتنا، أضع بين يدي القارئ هذا المحطات التي يجب أن نستحضرها ونحن نخوض هذا الصراع الماكر مع تلك القوى ومن يقف خلفها ويدعمها بالخفاء بكل نزق وخبث، وسيكون عرضي لأهم المواجهات التي خاضتها المملكة ولا تزال؛ مبينا ذلك في المسائل التالية: أولا: منذ اكتشاف البترول بكميات تجارية عام 1938م والانظار تتجه لهذه المنطقة الحيوية التي تقع في قلب العالم، وتمتلك نحو خُمس احتياطات العالم من النفط الخام التقليدي، ونحو 4.5% من احتياطات الغاز الطبيعي في العالم، ومسلسل التدخلات والاطماع يزداد نحو هذه المنطقة من دول الشرق والغرب، كذلك لم تتوقف الحروب العالمية والثورات القومية في العراق ومصر واليمن ثم ثورة الخميني في إيران عن التحرش والايذاء المادي وغير المادي لبلادنا، وكل ذلك وغيره من تحديات إقليمية؛ والسعودية تحافظ على حدودها واستقرارها وأمنها وتنميتها بتوازن دقيق رغم كل ما تشهده المنطقة من تغيرات جيوسياسية، فقد شهدت السعودية سقوط الملكية في العراق 1958م، وسقوط الملكية في مصر 1952م، وسقوط الإمامية في اليمن 1962م، بينما ملكيتنا لا تزال ترفرف عاليا في تمكّنٍ وقوةٍ، وحتى خلال الحرب الباردة وأزمة حظر تصدير البترول بعد حرب أكتوبر 1973م والسعودية تدير علاقاتها ومصالحها وفق سياسة حكيمة؛ قلما تحافظ عليها دولة في العالم دون تأرجح يفقدها صواب الاتزان، هذا النوع من المواجهة الذي جعل السعودية في بعض الأحيان في قلب الصراع كما في الحرب الإيرانية العراقية التي انتهت 1988م، وحرب الخليج الثانية وأزمة احتلال الكويت 1990م؛ ما زادها إلا قوة وعزّة، والجغرافيا والتاريخ شهود على ذلك. ثانيا: كانت السعودية في كثير من محطاتها التاريخية في مواجهة مباشرة مع التيارات الاشتراكية والقومية والبعثية والناصرية، على اعتبار أن نظام الملكية السعودية من أنظمة الحكم الرجعية التي يجب أن تتغير، إلا أن التاريخ أثبت شهوده أيضا؛ على تضعضع تلك التيارات وتلاشي وعودها وانتهاء أوهامها الزائفة؛ بينما بقيت بلادنا في مواقفها العربية والإسلامية ومساعداتها الإنسانية لكل تلك المجتمعات ثابتة لا تحيد، واستمرت مساعداتها دون تأخر؛ حتى لتلك الدول التي تمادت في الحقد وزرع للمؤامرات ضدنا، وأعظم تلك المساعدات ما قدمته المملكة من دعم إنساني فاق نصف ترليون ريال لدول العالم، كانت حصة جمهورية مصر الأعلى من تلك المساعدات؛ حيث بلغت 124 مليار ريال، ثم اليمن بمبالغ تقدر 109 مليار ريال، وفلسطين بمبالغ تصل إلى 21 مليار ريال، وهذا على سبيل المثال، ومع كل تلك المواجهات الأيدولوجية وصحفها ومجلاتها وإذاعاتها ورموزها المعادية لنا، بقيت مملكتنا ثابتة وراسخة بدينها ولغتها وعروبتها دون أي ضعف وتراجع. ثالثا: واجهت السعودية في العقود الأخيرة حملات منظّمة على منهجها الديني الذي ترسخ منذ بداية الدولة، وأظهرته وسطية علمائها، واعتدال مواقف الدول الرسمية، فالإرهابيون من القاعدة وداعش وغلاة الحركيين كفروا السعودية ورأوا أنها مقصّرة في إلتزامها الديني، ومفرّطة في العمل بالشريعة؛ بينما كانت بعض الحركات الإسلامية والتيارات الليبرالية ترى أن السعودية متطرفة في سلفيتها، مكررين تهم الاستعمار الغربي وأذنابه بأننا وهابيون غلاة وتكفيريون، ولا شك أن تلك التهم المتعارضة في حق منهج الدولة السعودية يدل على تهافتها وضعفها، فالإرهابيون المتطرفون ساقوا كل الشبهات الباطلة لضرب السعودية ومعادتها دون غيرها، بل وصل الأمر فيهم أن حاولوا اقتحام الحرم المكي وقتل المصلين فيه خلال أحداث جهيمان عام 1979م، واستمرت مواجهة المملكة مع تلك التيارات الإرهابية أكثر من أربعة عقود، وفي ذات الوقت كانت المملكة قد أدخلت إليها بعض الحركيين الإسلاميين حماية لهم من بطش دولهم، ورغم هذا الموقف النبيل للمملكة؛ قابلت غالب تلك الحركات الحزبية هذا المعروف بالاتهام بأن السعودية تحارب الدين والدعوة، وسلطوا عليها أقلامهم ومنصّاتهم دون اعتبار لكل ما قدمته السعودية من خدمة عظيمة للإسلام والمسلمين وللأقليات الإسلامية في العالم كله، فالمملكة أكثر من قام بطباعة المصحف الشريف وتوزيعه في كل العالم مع تراجم متعددة لمعانيه تصل الى 78 لغة عالمية، ونشرتْ المراكز الإسلامية والدعاة في العالم، وقدمتْ المنح التعليمية لمئات الالاف من الطلاب، يكفي أن نعرف أن الجامعة الإسلامية لوحدها قدمت 173 ألف منحة دراسية حتى عام 2025م، سوى الجامعات الأخرى والمراكز الإسلامية التي تشرف عليها المملكة، وهذا غيض من فيض لم تستطع أي دولة ولا أي حركة إسلامية أن تنفذ معشار تلك الاعمال الجليلة، ومع ذلك يشككون في النوايا ويعظّمون الأخطاء الصغيرة لتقزيم دور المملكة إسلاميا وتشويه صورتها بالأباطيل الكاذبة، ويبقى التاريخ شاهدًا أيضا على مآلات تلك الدعوات المغرضة، وهشاشة تلك التنظيمات وسوء طويتها في كثير من أحزابها؛ بل وصل الأمر أن تجعل بعض تلك التنظيمات النموذج الإيراني الباغي هو نموذجها الأمثل للإسلام، وهذا يدل على نزقها السياسي وانحرافها الفكري، وأن بغضها للسعودية باعثه الحقد الدفين وليس عن غيرة على الإسلام. وختاما.. ونحن نشاهد أسراب المسيرات والصواريخ العابرة تتجه نحو مدننا ومقدساتنا قادمة من مليشيات وعصابات إيرانية في العراق واليمن، ندرك بيقين أنها ليست سوى حلقة من حلقات الكره والحقد لهذا البلد العظيم، وأن مآل تلك المواجهات هو الخسران الأكيد، فالشعارات الخادعة كالموت لأمريكا وإسرائيل ونصرة الأقصى؛ لن تؤثر إلا على فئات صبيانية، عمياء عن رؤية الحقيقة وصماء عن سماعها، محرومة من حرية النظر والتفكير والتقرير لمصيرها، ومهدَّدة بآلة القتل والتصفيات الجسدية لكل من يخالف توجّهات قياداتها المجرمة، فكما زالت وانتهت أنظمة وجماعات وأحزاب أدّعت حمل تلك الشعارات الزائفة؛ فإن الخسران والزوال هو النهاية الحتمية لتلك المليشيات المنحرفة، والتاريخ شاهد على ذلك، وصدق الحق تعالى :»وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ» [فاطر: 43] وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ» [فاطر: 10].