ليس التاريخ حكاياتٍ تُروى، أو ذكرياتٍ تُستعاد، أو وثائق قديمة تُجمع ثم تُصفّ في كتاب، التاريخ - في جوهره - معرفة تُبنى بمنهج، وتبدأ بالمعلومة؛ لكنها لا تكتمل إلا بالنقد، والتحقق، والمقارنة، والتفسير، ومن هذا المنطلق يبرز سؤال مهم، لا سيما مع اتساع الكتابة في التاريخ الوطني، والمحلي، والشعبي: من المؤهل لكتابة التاريخ؟ لا شك أن للمجتمعات ذاكرتها، وللقرى، والأسر، والقبائل، رواياتها، ولكبار السن شهاداتهم، وللمهتمين بالتراث جهودًا ثمينة في جمع الوثائق، والصور، والأخبار، وهذه كلها روافد لا غنى عنها، بل إن كثيرًا من تفاصيل التاريخ المحلي لم يكن لها أن تبقى لولا جهود الرواة، والمهتمين، والجامعين، لكن الإشكال يبدأ حين لا نفرّق بين جمع المادة التاريخية، وكتابة التاريخ، فليس كل من امتلك وثيقة مؤرخًا، وليس كل من حفظ روايات الآباء والأجداد مؤهلًا؛ لتحويلها إلى حقائق تاريخية، كما أن الانتماء إلى قرية، أو أسرة، أو قبيلة يمنح صاحبه معرفة داخلية مهمة؛ لكنه لا يمنحه ـ في ذاته ـ سلطة علمية على تاريخها. وقد يكون القرب من موضوع الدراسة مصدرًا للمعلومات، لكنه قد يكون مصدرًا للانتقائية والانحياز، والمؤرخ الحقيقي لا يُقاس بمقدار ما يعرف من الحكايات، وإنما بقدرته على تحويل المادة المتناثرة إلى معرفة، قابلة للفحص والتحقق، وهنا تظهر أهمية التأهيل العلمي والمنهجي لمن يكتب التاريخ، فكتابة التاريخ تقتضي معرفة مناهج البحث التاريخي، ونقد المصادر، والتمييز بين المصادر الأولية والثانوية، وفحص الوثائق من حيث مصدرها، وزمنها، وسياق إنتاجها، والموازنة بين الشهادات المتعارضة، وربط الحدث بظروفه السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية. والوثيقة - على أهميتها - ليست حقيقة مكتفية بذاتها، إنما ينبغي أن يسأل الباحث: من كتبها؟ ومتى؟ ولأي غرض؟ وفي أي سياق؟ وهل هي أصلية أم مزيفة؟ وهل ما ورد فيها وصف للواقع أم موقف صاحبه منه؟ وبمثل هذه الأسئلة تنتقل الوثيقة من مجرد ورقة قديمة إلى مصدر تاريخي خاضع للنقد. وتزداد المسألة دقة في التاريخ الشفوي والشعبي، فالذاكرة البشرية ليست جهاز تسجيل محايدًا، إنها تنتقي، وتنسى، وتعيد ترتيب الأحداث، وقد تتأثر بالمكانة الاجتماعية، والانتماء، والخصومات، والمصالح، فضلًا عن مرور الزمن، ولذلك لا تُرفض الرواية الشفوية، كما لا تُقبل مطلقة، وإنما تُوثّق، ويُعرف راويها، وتُقارن بغيرها، وتُعرض على الوثائق والقرائن المتاحة. ومن أهم علامات النضج في الكتابة التاريخية معرفة درجات اليقين، فهناك فرق بين أن يقول الكاتب: تُثبت الوثائق، وأن يقول: ترجح القرائن، أو تذكر الرواية الشفوية، أو لم يتسنَّ التحقق من ذلك، فالخلط بين هذه المستويات يحوّل الاحتمال إلى حقيقة، ويحيل الرواية إلى واقعة، ويجعل التناقل الشعبي دليلًا تاريخيًّا. ولعل من أخطر ما يواجه التاريخ الشعبي والمحلي اليوم أن تُدوَّن الروايات غير المحققة، ثم تنتقل إلى المواقع والمنصات ووسائل التواصل، ويعيد الناس تداولها حتى تكتسب ـ بفعل التكرار ـ سلطة الحقيقة، وبعد سنوات قد يعود باحث آخر إلى ذلك المنشور مستشهدًا به، فتتحول الرواية التي بدأت بلا سند إلى مصدر يُستدل به، وهكذا تتوالد الأخطاء، ويصعب تصحيحها. أما التاريخ الوطني فالمسؤولية فيه أعظم؛ لأنه لا يتصل بذاكرة جماعة محدودة فحسب، وإنما بصورة الوطن، وذاكرته الجمعية، وتحولاته، ومؤسساته، وشخصياته، ولذلك يحتاج إلى باحث يمتلك أدوات التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي، ويحسن التعامل مع الأرشيف، والوثائق الرسمية وغير الرسمية، ويدرك السياقات الإقليمية والدولية، ويتجنب في الوقت نفسه طرفي النقيض: المبالغة التمجيدية من جهة، ومحاكمة الماضي بمعايير الحاضر من جهة أخرى. ولا يعني ذلك إقصاء الرواة، والمهتمين، والباحثين المحليين، بل المطلوب تحديد الأدوار وتكاملها، فالراوي يحفظ جانبًا من الذاكرة، والمهتم يجمع المادة، وصاحب الوثيقة يصون الشاهد، والباحث الميداني يسجل التفاصيل، أما المؤرخ المدرَّب فيتولى النقد، والموازنة، والتحقق، والتفسير، ووضع المادة في سياقها التاريخي. إن تاريخ المجتمعات أكبر من أن يكون ساحة؛ لإثبات الانتماءات، أو تصفية الخصومات، أو صناعة الأمجاد، إنه أمانة معرفية، تتعلق بحق الأجيال القادمة في أن تعرف ماضيها كما أثبتت الأدلة العلمية المعتبرة، وليس كما نرغب نحن في تصويره. كل إنسان يستطيع أن يروي ذاكرته، ولكن ليس كل راوٍ مؤرخًا، وليس كل مهتم يستطيع أن يجمع مادة التاريخ، وليس كل جامع قادرًا على كتابته، فالتاريخ يبدأ بالمعلومة، لكنه لا يصبح معرفة إلا حين تمر المعلومة عبر بوابة المنهج، وحين تغيب هذه البوابة، قد نحفظ كثيرًا من الحكايات، لكننا لا نكتب التاريخ.