سلوى...

سيرة بلا نهاية.

عرف المصريون سلوى حجازي حين أطلت عليهم أول مرة في خريف عام 1960 بعد شهرين فقط من بداية الإرسال التلفزيوني. وجه طفولي هش، رقيق كالطيف، تحمل كلماتها قدرًا هائلًا من البساطة والبراءة، حوارات عفوية وصوت خفيض، لا تشتبك مع ضيوفها إلا نادرًا، تترك لهم مساحات واسعة للحديث. مع الوقت عرفها المثقفون والأدباء من أشعارها باللغة الفرنسية، نصوصها الشعرية لم تكتب إلا بلغة نخبوية بعيدة عن الثقافة المتداولة والشعبية. ثم تماهت في شعرها مع الآخرين، فكتبت عن الفلاحين الذين عايشتهم في مسقط رأسها، وعن الفقراء الذين يدفعون الثمن، كما دونت تاريخًا قصيرًا لرحلاتها الخارجية ضمن بعثاتها التلفزيونية الرسمية. راجع الكاتب كل ما ورد عنها من أخبار ومقابلات في الصحف والكتب، وتواصل مع عائلتها واطلع على أوراقها الخاصة، وانتهى كريم جمال لكتابة إحدى أكثر السير الغيرية عذوبة وإدهاشًا، ببراعة لا مزيد عليها. «قطة بلا مخالب، صوتها حلم، وثقافتها لا تقاوم». هذا ما كتبه الإذاعي صلاح زكي بعد أن خرجت سلوى من حجرة اختبار المذيعات بالتلفزيون العربي. عدد المذيعات المقبولات للعمل كان تسعًا فقط من بين 1200 من المتقدمات، 24 عامًا، خريجة «ليسيه الحرية»، زوجة وأم لثلاثة أولاد، من بطلات الرياضة بالنادي الأهلي، وتكتب الشعر الفرنسي. قضت أشهرًا تحت الملاحظة والتجريب لأنها لا تحمل مؤهلًا جامعيًا. مع الوقت والتطور الثقافي الكبير الذي أحرزته بالجهد الذاتي أصبحت أهم المحاورات في برامج التلفزيون، حاورت عبد الوهاب وعبد الحليم ونجاة الصغيرة والشيخ الباقوري الذي كان وزيرًا للأوقاف، والمترجم السوري سامي الدروبي في حلقة جمعته مع أدباء مصريين. وعندما حاورت نزار قباني كان حوار شاعر لشاعر، وقد حمل معه ديوانها «ظلال وضوء»، لتوقع له عليه ووعد بترجمته شعرًا عن الفرنسية. يكبر داخلها مع كل نجاح شعور معقد. سيطر عليها في البداية قلق المكانة والحفاظ عليها. مخاوفها دفعتها لتقدم طلبًا رسميًا بالنقل إلى القسم الأوروبي في الإذاعة، كان رد مدير الإذاعة: كيف يمكن أن نأخذ من التلفزيون أنجح مذيعات جيلها؟ كانت تخطئ في اللغة العربية وقواعد الإعراب فتقع فريسة للنقد الصحفي الحاد والسخيف أحيانًا. تقدمت بطلب لتقديم برنامج أطفال، رفض طلبها؛ والسبب وجهها الغارق في البراءة والطفولية معًا وافتقاره إلى بعض «الهيبة» المطلوبة لدور أم تخاطب الأطفال. لم تستسلم، وضعت كتابًا يجمع قصصها للصغار -الأقل من ثماني سنوات- على أن تلحق بالكتاب أسطوانة مسموعة تضم الحكايات ذاتها. كم كانت سعادتها عندما طلب منها العمل للأطفال. سلوى تختار مع المخرج الأطفال الذين يرغبون في الحضور إلى الاستوديو ليظهروا في برنامج «عصافير الجنة»، عملية الاختيار تتم بالقرعة. وفي يوم، وخلافًا للقرعة طلبت أن يستثنى طفلان من القرعة التي تجرى أسبوعيًا؛ لأنها علمت أن الطفلين يتيما الأم، أصبحت سلوى أم كل الأطفال. عام 1965، غطت سلوى الندوات الأدبية والنقدية التي أقيمت ضمن مهرجان الشعر العربي في الإسكندرية، ومن ثم تطوع ثلاثة من أبرز الشعراء: أحمد رامي وصالح جودت وكامل الشناوي لترجمة قصائدها إلى العربية شعرًا. فأصدرت ديوانها الثاني، وكتب أحمد رامي مقدمة جميلة جدًا للديوان. حصل ديوانها على جائزة «أكاديمية الشعراء» الفرنسية، وفي احتفال أقيم بمقر السفارة الفرنسية أعلن أن سلوى قد فازت بميداليتين ذهبيتين عن أشعارها؛ الأولى عن قصائدها الجميلة، والثانية عن إلقائها الشعر. بعدها فازت بالميدالية الفضية في المسابقة الدولية للشعر في فرنسا، وأدرج اسمها في قوائم الشعراء العالميين الذين تهتم بنتاجهم الهيئات الأدبية للشعر الفرنسي. عكس ذلك عمق ثقافتها الفرنسية والعربية، تقول في قصيدة «رسالة إلى جونسون»: «عندما ستضع رأسك على وسادة من ريش النعام ويسترخي جسدك على مرتبة مكيفة الهواء جونسون... لن تنام ستسمع طفلًا رضيعًا يصرخ في فيتنام يبحث عن ثدي أمه يوهمه بالأمان فيجده بلا لبن، باردًا ملوثًا بالدماء فيبكي خوفًا وجوعًا ويفتقد الحنان ولا ينام!» لم يكن الموت عابرًا في قصائد سلوى حجازي، بل كان هاجسًا مؤرقًا تراه على الورق وهي تكتب قصائدها وخواطرها، خاصة ما نشر منها في ديوانها الثاني، الذي يظهر فيه الموت شبحًا مخيفًا يطاردها من موقع قريب وهي تكتب. رغم ذلك لم تكن نظرتها كئيبة تجاه الحياة؛ كانت تحب الفن وتقدر الجمال، وتشغلها الأشجار وخفة السحب البيضاء، لكنها بقيت تخشى ذلك العالم، وتعيش داخل حدودها الضيقة. عام 1969 قام فريق تلفزيوني بجولة في مدن القناة، أيام حرب الاستنزاف، لنقل صورة حية عن المقاتلين والفرق الداعمة؛ كانت مهمة خطيرة اقترحتها سلوى، عندما أقبل الليل في بورسعيد، رصدت تحركات عسكرية صهيونية على الجانب الآخر وصدر توجيه بإخراج الوفد التلفزيوني إلى منطقة آمنة، ولكن سلوى أصرت على البقاء طوال الليل لتسجل الأحداث، لم تحدث المواجهة، ولكنها كانت تجربة ملهمة. كانت مدن القناة قد أفرغت من سكانها وصارت متحفًا مفتوحًا للحطام والأنقاض. لم يكن الجو في المدينة يسمح بأي نشاط إعلامي؛ أغلقت المدن الثلاث أبوابها على من فيها من الجنود والعمال الذين ظلوا يعملون في أماكنهم لخدمة المجهود الحربي ولكن سلوى تصدت مع فريقها لهذه المهمة. كانت رابطة الجأش. قد ينقلب العالم، وهي جالسة في مكانها متماسكة، تحافظ على هدوء أعصابها، تتابع ما يجري دون أن تتغير ملامحها ولا تقطب جبينها. عندما عادت للقاهرة، أخرجت كراسة نصف ممزقة، وقالت: «لقد وجدت هذه الكراسة في منزل متهدم. ربما كانت لتلميذ فاجأته القنابل وهو يذاكر. ربما مات، ربما نجا، لا أعرف، ولكن سأقدم هذه الكراسة في برنامج عصافير الجنة، سأكتب عنها حدوتة أقولها للأطفال، وسأذكر اسم التلميذ المكتوب على الكراسة، ربما يكون حيًا ويسمعني، ليحكي بنفسه عن غارات العدو، وعن بيته الجميل الذي تهدم». اختيرت لترافق أم كلثوم إلى فرنسا لإحياء حفلات دعم المجهود الحربي، بثت رسائل حية من باريس مع الجالية العربية التي حطمتها الهزيمة ومع فرنسيين، وافقت أم كلثوم بصعوبة في نهاية الرحلة على إجراء حوار، جلست أم كلثوم أمام سلوى، عدت بعد ذلك أهم حوارات أم كلثوم التلفزيونية على الإطلاق وأكثرها وهجًا! عندما أنشئ المعهد العالي للنقد الفني تقدم له 570 طالبًا، قبل منهم 75 طالبًا فقط، وكانت سلوى من بينهم، سألها مدير المعهد إن كان لديها وقت للدراسة، أجابت: «إنني منذ عشر سنوات أقاوم الوقت والزمن، ولكنني أشعر أن الوقت حان لتلك التجربة، فربما لا تأتي الفرصة مرة ثانية أبدًا!». عند إعلان الوحدة الاندماجية بين مصر وليبيا جاءت البعثات المصرية إلى الجوار الليبي لتمنح ذلك الاتحاد بعضًا من الوجاهة والفاعلية. كانت سلوى ضمن البعثة التلفزيونية؛ تم تسجيل قدر كبير من البرامج عن المزارات السياحية والأماكن الليبية التاريخية لتعريف المواطن المصري بجارته القريبة، كذلك عملت البعثة على مساعدة التلفزيون الليبي الذي كان لا يزال يتعثر في خطواته الأولى بعد افتتاحه في ديسمبر 1968، حيث لم تكن قد توفرت في أستوديوهاته القدرات الإعلامية الكافية. صرحت سلوى: «إنني أفكر في تقديم برنامج تسجيلي يعتمد على الريبورتاج ميدانه الدول العربية، ثم الدول الإفريقية، و... و... لا بد للمشاهد من أن يزور بنغازي وطرابلس، ودمشق وحمص، والخرطوم وكردفان، وبقية المدن العربية، ولا بد من أن يلتقي بالآثار والتاريخ والفكر والفن». تبين للكاتب أن سلوى لم يكن عليها الدور للسفر، فقد تبدلت قوائم البعثة في اللحظة الأخيرة، ورشح اسمها بدلًا من المذيعة نجوى إبراهيم. بعد خمسين عامًا صرحت نجوى في برنامج تلفزيوني أن سلوى هي التي طلبت التغيير حتى تتفرغ لابنها الذي سيتقدم لامتحان الثانوية العامة في العام الدراسي المقبل. كانت نجوى تحكي شهادتها وفي صوتها خليط عجيب من الخجل والشعور بالذنب الذي لا دخل لها فيه. جاء يوم العودة إلى القاهرة، مع الفجر قتل الصهاينة واحدًا وثلاثين وجرحوا العشرات في هجوم وحشي غير مبرر على مخيم فلسطيني في طرابلس بلبنان، ألقى الخبر بظلاله القاتمة على المسافرين في البوينغ من بنغازي إلى القاهرة، التقت سلوى ومخرج برامجها عواد مصطفى في الطائرة بوزير الخارجية الليبي السابق صالح مسعود بويصير. كان الوزير معروفًا بنضاله منذ الاحتلال الإيطالي لليبيا، وأصبح مؤرخًا متخصصًا في تاريخ القضية الفلسطينية. قبل أن تبدأ عملية الهبوط في مطار القاهرة، أحس الطيار الفرنسي جاك بورجيه بأمر ما غير عادي. كانت أجهزة التوجيه تتعارض بشدة فيما بينها، وتبدو كأنها قد فقدت كل معاني الاتزان والتزامن. دب القلق في نفس الطيار، وحاول استشارة زميله مهندس الطائرة وهو معروف بين شركات الطيران العالمية بالخبرة الواسعة في مجال هندسة طائرات البوينغ. مضت دقائق صعبة وثقيلة، ثم صرخ مساعد الطيار الليبي: «توجد أربع طائرات حولنا»، لم تكن تلك إلا طائرات فانتوم صهيونية. بدت الطائرة المدنية كأنها فريسة ضائعة في غابة وتطارد من وحش مجنون وكاسر، تدور حولها المقاتلات في حلقات متكررة وغير مفهومة؛ أدرك محمد بويصير ما يحدث، قال: «نتعرض الآن لعدوان صهيوني. إن عشنا فنحن سعداء، وإن متنا فشهداء!» وأخذ في ترديد شهادة التوحيد. أعاد الطيار إنزال العجلات في محاولة يائسة أخيرة، يريد أن يقول للوحوش من حوله إنه يحاول جاهدًا أن يهبط هبوطًا اضطراريًا فلا تضربونا، لكن السهم كان قد نفذ، لم يكلف جنرالات الاحتلال وقادتهم من العسكريين خاطرهم بتحذير قائد الطائرة، أصابت دفعة الصواريخ الأولى مؤخرة الطائرة، ثم جاءت الدفعة الثانية لتضرب المقدمة وكابينة القيادة. كان الموت يزحف بشراسة، هوت بقايا الطائرة كتلة من النيران فوق رمال سيناء الساخنة. كان صوت النيران وهي تأكل الطائرة يختلط بأنين البشر الذين بقوا على قيد الحياة، قلة قليلة لا تتجاوز سبعة أفراد فقط بين ركاب عددهم 106 قد نجوا. يفتاح زيمير قائد سرب الطائرات الإسرائيلي يقول عن تلك اللحظة بعد سنوات طويلة: «كان مشهدًا قاسيًا. ما الذي يمكنك فعله؟ نحن -الطيارين- لدينا امتياز في عدم رؤية أولئك الذين نؤذيهم مباشرة بأعيننا. كانت ثمة صرخات مروعة، رائحة اللحم، رائحة كريهة». أثبتت التحقيقات التي راجعت صندوق الطائرة الأسود وتسجيلات برج المراقبة بمطار القاهرة أن كل ما قالته إسرائيل غير صحيح، وأنهم كانوا يعرفون أنها طائرة مدنية وأنه كان بمقدورهم إنقاذها. في المشرحة، عرفوا جثة بويصير من أصابع يده المبتورة منذ أيام الاحتلال الإيطالي، وتعرفوا على جثة سلوى من انحراف في أحد أسنانها الأمامية. كل راكب على الطائرة كانت له حياة حافلة كحياة سلوى، استطاع الكاتب الحصول على معلومات عن بعضهم. الله وهبهم الحياة، فقتلهم أعداء الحياة. ماذا نقول يا سلوى؟ أعاد كريم جمال سلوى إلينا رمزًا يتألق.