الموت مع الجماعة رحمة

شخّص الطبيب والمؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون (1841-1931) في كتابه الشهير سيكولوجية الجماهير المنشور عام 1895 سلوك الأفراد عندما يلتحقون بالحشود إذ يندمج الفرد منهم في الجماعة ويفقد القدرة على التفكير المُستقل ويُسيطر عليه حينها سلوك القطيع. لنترك المسيو لوبون جانبا ونستعرض المقولة المحلية (الموت مع الجماعة رحمة) التي أراها تقال خارج سياقها المنطقي. فمن ذا الذي يود أن يموت سواء لوحده أو مع جماعة هذا أولاً. ثانيا هل كل موت رحمة؟ نعم هنالك المريض الذي يتوجع ولا يُرجى برؤه إلا أن يشاء الله ففي هذه الحالة يتمنى محبوه أن يرتاح فيصبح موته رحمة له. أيضا عبارة “ أخيراً أطلق عليه رصاصة الرحمة” ويُقصد بها الطلقة التي تُنهي معاناة حيوان يحتضر ولا أمل في نجاته أو القدرة على الحد من معاناته. إنما أن يعتقد أحدهم أن الموت مع الجماعة لأي سبب كان رحمة له فهنا مكمن الغرابة والتساؤلات؟ أليس من الأولى القول بأن (الحياة) مع الجماعة المتآلفة، المتآخية، التي يُحب بعضهم بعضا هي الرحمة الحقيقية؟ أعني إشاعة ثقافة الحياة بدلاً من بؤس الموت. لو نظرنا الى العبارة من زاوية إيجابية فقد تكون مقبولة إلى حدٍ ما كأن يقول أحدهم “ إذا كانت المصيبة عامة فإن تحملها مع الآخرين أهون من أن أواجهها وحيداً” لكن أن يرى الجماعة تتجه نحو الهاوية ولا بد من تعطيل غريزة النجاة لمشاركتها وجدانياً فهذا هو الانتحار الخفي. قد يقول قائل بأن عبارة (الموت مع الجماعة رحمه) يُقصد بها ترويض الخوف الداخلي فمشاركة الآخرين في مواجهة المصير الأصعب يعني قطع دابر التردد والاقدام مع البقية وهذا أيضا يُلغي القرار الآحادي للفرد وتصبح الجماعة صاحبة القرار النهائي. أخيراً أقول: لا ريب بأن معظم الثقافات تعتبر الانسان الفرد حُراً في قراراته ولا تقاس تلك الحرية بقدرته على مشاركة الآخرين المصير، بل أيضا بقدرته على تغيير ذلك المصير حين يكون بالإمكان تغييره (لا أتحدث هنا عن الأقدار المكتوبة). * لندن