لماذا لا يستثمر المسرح المحلي نجاح الرواية السعودية؟

لم يعد من الممكن النظر إلى الرواية السعودية بصفتها جنسًا أدبيًا يتحرك في فضائه الخاص بعيدًا عن بقية الفنون الأخرى التي تتواكب مع تقنيات العصر ورغبات المتلقي.. فقد استطاعت الرواية، خلال السنوات الأخيرة خصوصاً، أن تبني حضورًا لافتًا لدى القراء بمختلف توجهاتهم القرائية، وأن تثير حولها نقاشات متفاوتة بين المثقفين والنقاد، وأن تتحول بعض أعمالها إلى أفلام ومسلسلات تلفزيونية. وفي مقابل هذا الحضور المتنامي للرواية في الفنون الأخرى دون المسرح، يبرز سؤالاً ملحًا: لماذا لم يستثمر المسرح السعودي هذا المنجز السردي؟ ولماذا ظل انتقال الرواية إلى الخشبة محدودًا أو يكاد لم يكن موجوداً مقارنة بانتقالها إلى الشاشة السنيمائية أو التلفزيونية. السؤال هنا لا ينطلق من افتراض أن الرواية أكثر أهمية من المسرح، أو أن المسرح عاجز عن إنتاج نصوص بعيدة عن الرواية، وإنما من ملاحظتي هذه فجوة بين مجالين أدبيين يفترض أن بينهما إمكانات واسعة للتفاعل، والتلقي والاقتباس. فالرواية السعودية تمكنت على مدى عقود من أن تصنع جمهورًا متفاعلاً معها، وطرحت قضايا المجتمع وتحولاته وأسئلته الكبرى والصغرى، كذلك المسرح يستطيع أن يعيد اكتشاف هذه المادة السردية وتجسيدها على خشبة المسرح. تكمن المفارقة المحزنة في أن الرواية التي تجد طريقها إلى السينما أو الدراما التلفزيونية لا تجد الطريق نفسه إلى المسرح ولا تعرف الأسباب لذلك، فالرواية السعودية تحمل معها إلى الخشبة المسرحية، جمهورًا يعرف عالمها وشخصياتها، ويحمل تصورًا وموقفًا وانطباعًا، وهذا في حد ذاته يمثل قيمة لا ينبغي للمسرح أن يغفلها، فبدل أن يبدأ العرض المسرحي من نقطة الصفر بحثًا عن علاقة مع المتلقي تدوم وتتسع مع الوقت، يمكن أن يدخل إلى فضاء ثقافي سبق أن تشكل حول الرواية ويكون جمهوراً يرغب بهذا الفضاء المسرحي ويبني معه علاقة ممتدة. فبعض الروايات السعودية لم تمر بصمت أبداً؛ بل أحدثت صدى، وأثارت نقاشًا، وتفاوتت حولها القراءات بين الإعجاب والرفض، وبين الاحتفاء والنقد لاذع، وهذه المساحة تحديدًا قد تكون من أثمن ما يمكن أن يستثمره المسرح السعودي. ربما اعتدنا أن نفكر في أن الاقتباس يكون من خلال الأعمال التي نجحت وأجمع القراء على تقديرها وتوحيد الرأي النقدي اتجاهها، ولكن المسرح قادر على أن يجد مادة أكثر ثراء في الرواية التي أحدثت انقسامًا في التلقي أكثر من المتفق عليها نقدياً، فالرواية المختلف عليها تأتي إلى خشبة المسرح وهي محملة بتفسيرات متعارضة، فنجد أن الشخصية التي اختلف القراء حولها يمكن أن تصبح مركزًا لصراع درامي، والموضوع الذي لم يفهم من خلال السرد يمكن أن يفهم حين تجسيده على خشبة المسرح. لذلك لا يمكن النظر إلى الاقتباس المسرحي مجرد عملية نقل من السرد الروائي إلى الحوار المسرحي، وإنما كتجسيد درامي وإعادة قراءة للنص الروائي بشكل مختلف، فمثلاً المخرج أو الدراماتورج ليس مطالبًا بأن يعيد إنتاج الرواية كما قرأها الجمهور أو كما كتبها الكاتب، بل أن يعيد طرح أسئلتها من منظور مسرحي حي مثل أن يطرح أسئلة قبل الكتابة المسرحية: ماذا لو نظرنا إلى الشخصية الروائية من زاوية مختلفة عما يراه الجمهور الروائي؟ أو ماذا لو أصبح الصوت الهامشي في الرواية صوتًا رئيسيًا في النص المسرحي؟ بعد هذه الإدراك لكيفية التحويل أو الاقتباس لا تصبح العملية تحويل أو تكرار إنما تصبح إضافة نقدية إلى الحالة الثقافية من باب التجسيد المسرحي. لا تعني هذا الدعوة إلى تحويل الرواية إلى نص مسرحي على البديل عن الكتابة المسرحية الأصلية، ولا إلى إنتاج عروض تابعة للنجاح الروائي، وإنما إلى توسيع مفهوم المادة التي يمكن للمسرح أن يشتغل عليها ويبنى عليها تاريخه المسرحي، فالمسرح الذي يتفاعل مع الرواية لا يفقد هويته؛ بل يستطيع أن يختبر قدرته على إعادة تشكيل الأدب في وسيط مختلف عما كتب فيه وهذا بحد ذاته إبداع، وأن يثبت أن الخشبة ليست نهاية للنص المكتوب، وإنما فضاء لإعادة إنتاجه وتأويله. ولن تكون الرواية السعودية قد أنقذت المسرح السعودي، ولن يكون المسرح كذلك قد استهلك الرواية السعودية؛ بل سيكون كلاهما قد اكتشف في الآخر إمكانًا فنيًا جديدًا. واخيراً حان الوقت لكي تنتقل بعض الروايات السعودية من رفوف المكتبات وشاشات الهواتف إلى الخشبة المسرحية، لكي تُروى مرة أخرى وتُقرأ من جديد تحت الضوء المسرحي. * ماجستير في الأدب المسرحي.