أحيانًا لا يأتي المطر ليغسل الأشياء، بل ليمحوها. هذه الفكرة ظلت ترافقني وأنا أشاهد الجزء الثاني والأخير من مسلسل “ مئة عام من العزلة “. لم أر المطر الذي انهمر على ماكوندو مجرد طقس غريب يليق بعالم غابرييل غارسيا ماركيز، ولا واحدًا من عجائب الواقعية السحرية التي التصقت باسمه. كان هناك شيء آخر. شيء جعلني أشعر، مع استمرار المطر، أن السماء نفسها تساعد الأرض على النسيان. وربما بدأت الحكاية عندي قبل المطر بقليل، مع شركة الموز. دخل الغرباء إلى ماكوندو، ودخل معهم عالم جديد: العمل والمال والقطارات والوعود، ومعها سلطة لا تشبه سلطة أهل البلدة. تغير المكان سريعًا، كما تتغير المدن حين يأتيها من يملك المال ويعرف ماذا يريد منها أكثر مما يعرف أهلها ماذا يريدون هم. ثم احتج العمال. واجتمعوا. ثم وقعت المذبحة. ولا أعرف إن كانت المذبحة نفسها هي أكثر ما أزعجني في هذه الحلقات، أم ما حدث بعدها. يعود خوسيه أركاديو الثاني وهو يعرف ما رآه. لم يسمع الحكاية من أحد. كان هناك. رأى الناس مجتمعين، ورأى الرصاص والموت والجثث. ثم يعود ليجد عالمًا يقول له، ببساطة مخيفة: لم يحدث شيء. هنا تذكرت العبارة التي تتكرر كثيرًا: التاريخ يكتبه المنتصرون. لا أعرف إن كانت صحيحة دائمًا. فالمنتصر لا يكتب التاريخ وحده بالضرورة، لكن المؤكد أنه يمتلك قدرة أكبر على تحديد ما الذي سيبقى منه، وما الذي سيختفي. أي رواية ستصل إلى الناس، وأي رواية ستدفن مع أصحابها. وتذكرت عبارة لإبراهيم نصر الله توقفت عندها منذ سنوات، وأظن أنني لم أنسها لأنها مست شيئًا أخشاه أنا أيضًا. يقول على لسان بطلة روايته “ أعراس آمنة “، وهي تخاطب غسان كنفاني: “ أتعرف يا غسان مصير الحكايات التي لا نكتبها؟ إنها تصبح ملكًا لأعدائنا. هذا ما أخافني، ولم يزل يخيفني”. وأحسب أن ما حدث في ماكوندو هو هذا تقريبًا. لم يكن يكفي أن يموت الناس. كان ينبغي أن تموت حكايتهم أيضًا. أن تختفي الجثث، ثم تختفي الواقعة من الكلام، ثم يأتي من يقول لمن نجا منها إنه يتوهم. وهنا يصبح محو الحكاية جزءًا من المذبحة نفسها. وربما لهذا أخافني الإنكار أكثر من الرصاص. فالقتيل الذي بقيت حكايته موجودة لم يختف تمامًا، أما حين يقتل الإنسان ثم تنتزع منه حكايته، فثمة موت آخر يحدث بعد الموت. ثم يبدأ المطر. ويطول. ويطول أكثر مما ينبغي. وهنا بالذات شعرت أن ماركيز يفعل شيئًا قاسيًا وعجيبًا. الماء الذي يفترض أن يغسل الأشياء بدا لي كأنه يغسل آثارها. الشوارع، الأمكنة، الوجوه، وربما الذاكرة نفسها. تمطر السماء فوق ماكوندو حتى تكاد الأرض تصدق أخيرًا أنه لم يحدث شيء. لكن خوسيه أركاديو الثاني يتذكر. شخص واحد يقول في داخله: لا. حدث هذا. وربما لا يملك أكثر من ذلك. لكن بعد عبارة إبراهيم نصر الله لم يعد هذا قليلًا في نظري. أن تتذكر حين يريد الآخرون منك أن تنسى، فعل مقاومة أيضًا. وماكوندو نفسها كانت تتغير. من تابع المسلسل منذ بدايته يعرف أن هذه ليست البلدة التي دخلناها أول مرة مع آل بوينديا. كانت يومها مكانًا صغيرًا، طريًا إن صح التعبير، كأن العالم لم يصل إليه بعد. ثم جاء الغجر، والحروب، والسياسة، والقطار، والشركات، والغرباء. وفي كل مرة كانت ماكوندو تدخل زمنًا جديدًا، كانت تترك شيئًا من نفسها في الزمن القديم. حتى البيت. بيت آل بوينديا لم يعد كما كان. وهذا مما أحببته في المعالجة البصرية للمسلسل. فالبيت لم يكن ديكورًا تتحرك داخله الشخصيات. عشنا معه تقريبًا كما عشنا مع أفراد العائلة. امتلأ بالأطفال والأصوات والولادات والموت والحب والخصومات، ثم بدأ يهدأ. غرفة بعد أخرى. باب بعد آخر. بعض الذين كانوا يملأون المكان صاروا أسماء. وبعض الأشياء بقيت في مواضعها بعد أن رحل أصحابها. وأحيانًا تموت البيوت بهذه الطريقة. لا تسقط جدرانها، لكن الحكايات التي كانت تجعلها حية تتناقص. حتى الطبيعة بدأت تستعيد ما أخذ منها. الرطوبة، والنبات، والمطر، والخراب البطيء. كأن ماكوندو لم تكن مدينة خالدة كما توهم أهلها، بل استراحة طويلة للطبيعة قبل أن تسترد أرضها. وثمة شيء آخر ظل يطارد آل بوينديا أكثر من الموت نفسه: التكرار. الأسماء تعود. أوريليانو يعود. وخوسيه أركاديو يعود. والرغبات والأخطاء والعزلات تعود هي الأخرى. وكأن الأسرة قادرة على إنجاب أجيال جديدة، لكنها عاجزة عن إنجاب مصير جديد. ربما كانت هذه هي “المئة عام “ الحقيقية. ليست عددًا نحسبه في التقويم، بقدر ما هي دائرة لا يعرف أصحابها كيف يخرجون منها. وفي لحظة ما وجدتني أسأل: ألم يتعلم أحد؟ ثم فكرت أن السؤال نفسه قد يكون جزءًا من الحكاية. نحن أيضًا نكرر ما فعله الذين سبقونا، مع أننا نعرف قصصهم. نغير الأسماء والأماكن والملابس، وربما نظن أن حكايتنا جديدة تمامًا. ثم نكتشف أننا نسير في الطريق نفسه. وحين يصل أوريليانو بابيلونيا أخيرًا إلى مخطوطات ملكيادس، تصبح الحكاية أغرب. يقرأ تاريخ أسرته. ثم يكتشف، شيئًا فشيئًا، أنه لا يقرأ الماضي وحده. إنه يقرأ نفسه. وهذه من اللحظات التي كنت أنتظر كيف ستتعامل معها الشاشة. ففي الرواية يستطيع ماركيز أن يجعل القراءة نفسها حدثًا هائلًا. أما السينما، فماذا تفعل برجل جالس أمام مخطوطة؟ الحل جاء جميلًا. صار ما يقرأه أوريليانو وما يحدث حوله شيئًا واحدًا. هو يقرأ، والبيت ينهار. يقرأ، وماكوندو تنتهي. والكلمات تقترب منه حتى يصل إلى اللحظة التي يقرأ فيها مصيره هو. كأن الحكاية سبقته إلى حياته. ثم تأتي الريح. ولا تهدم بيتًا فقط. تمحو ماكوندو. لكنني، بعد انتهاء الحلقة، بقيت أفكر في شيء يبدو متناقضًا. إذا كانت ماكوندو قد محيت فعلًا، فلماذا أعرفها أنا؟ لماذا أعرف بيت آل بوينديا؟ وأورسولا؟ وأوريليانو؟ والمطر؟ وشركة الموز؟ والمذبحة التي قيل إنها لم تقع؟ لقد انتهت المدينة داخل الحكاية، لكنها بقيت بسبب الحكاية. وهذا غريب وجميل. ماركيز محا ماكوندو في الصفحة الأخيرة، ثم جاء أناس بعد عقود وبنوها من جديد من أجل مسلسل. أقاموا البيوت، ومدوا الشوارع، وأعادوا آل بوينديا إلى الحياة، وأنزلوا المطر مرة أخرى، ووقعت المذبحة أمام ملايين لم يكونوا قد ولدوا حين كتب ماركيز روايته. فمن انتصر إذن؟ الريح أم الحكاية؟ لا أعرف إن كان الأدب يستطيع أن ينصف المهزومين. ربما هذه مهمة أكبر من الأدب، ولا أحب أن نحمله ما لا يحتمل. لكنه يستطيع شيئًا آخر. يستطيع أن يترك شاهدًا. أن يحفظ صوتًا كان يمكن أن يضيع. أن يقول بعد سنوات طويلة إن أناسًا مروا من هنا، وإن شيئًا حدث لهم، حتى لو قال التاريخ الرسمي غير ذلك. وهنا عدت مرة أخرى إلى عبارة إبراهيم نصر الله، وفهمت لماذا أخافتني حين قرأتها أول مرة: الحكايات التي لا نكتبها قد تصبح ملكًا لأعدائنا. وربما لا تستطيع الحكاية أن تهزم المنتصر. لكن يكفيها، أحيانًا، أن تمنعه من أن يكون الراوي الوحيد.