الذكرى الثانية عشرة للبيعة ..

عهد المعرفة والثقافة.

على مدى اثني عشر عامًا، شهدت الثقافة السعودية حضورًا متزايدًا في المشهد العام، وتوسعت مؤسساتها ومشروعاتها ومساحات حضورها، من الكتاب والمعارض إلى التاريخ والذاكرة، ومن اللغة إلى المؤسسات العلمية والمعرفية. ويقف وراء هذا المشهد عهدٌ أُعطيت فيه الثقافة والمعرفة مساحة واضحة في مسيرة الدولة، في ظل اهتمام الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله بالكتاب والقراءة والتاريخ، وقربه من المثقفين والمؤرخين، وإيمانه بأن الوعي والمعرفة . من مقومات بناء الإنسان والمجتمع. ولم يبق هذا الاهتمام في حدود العلاقة الشخصية بالكتاب، أو في صورة رعاية مناسبة ثقافية هنا أو مشروع معرفي هناك، وإنما اتخذ عبر السنوات صورًا مؤسسية متعددة؛ فالمعرض تحول إلى منصة ثقافية واسعة، والتاريخ وجد في مؤسسات التوثيق والبحث مجالًا أرحب، وأصبحت المكتبة والمتحف جزءًا من مشاريع حفظ الذاكرة، فيما انتقلت العناية باللغة العربية إلى مجالات التخطيط والسياسات والحوسبة والذكاء الاصطناعي، وتأسس مجمع متخصص لخدمة الحديث النبوي وعلومه. بهذا المعنى، تبدو الثقافة في عهد الملك سلمان أكثر من نشاط ثقافي متفرق؛ إنها مسارات متعددة للمعرفة، تتقاطع في العناية بالكتاب، وحفظ التاريخ، وصون الذاكرة، وخدمة اللغة والمصادر، وإتاحة المعرفة للأجيال. وتقدم علاقة الملك سلمان بالكتاب مدخلًا مناسبًا لقراءة هذا المشهد؛ فالكتاب ظل حاضرًا في اهتمامه منذ سنوات مبكرة، فيما اتسعت الدائرة مع الزمن من القارئ إلى المكتبة، ومن الكتاب إلى معرض الكتاب، ومن التاريخ إلى الوثيقة والمتحف، وصولًا إلى مؤسسات معرفية تحمل اسمه وتعمل في مجالات متخصصة. معرض الرياض الدولي للكتاب يأتي معرض الرياض الدولي للكتاب في مقدمة الشواهد على اتساع حضور المعرفة في المجال العام. فقد بدأت علاقة الملك سلمان بالمعرض في وقت مبكر، عندما كان أميرًا لمنطقة الرياض، واستمرت رعايته له عبر مراحل مختلفة من مسيرته العامة. وتكشف مسيرة المعرض، في الوقت نفسه، عن تحول أوسع في المشهد الثقافي السعودي. فمن فعالية بدأت في نطاق محدود، تطور المعرض على مدى عقود إلى موعد ثقافي دولي يستقطب دور النشر والقراء والكتاب والمثقفين، ويجمع إلى جانب بيع الكتب برنامجًا واسعًا من الندوات والحوارات والفعاليات الثقافية والفنية. وفي الدورات الحديثة اتسع حضوره بصورة لافتة؛ ففي دورة 2021 شاركت أكثر من ألف دار نشر من 28 دولة، وتجاوز عدد الزوار 900 ألف، وشهدت الدورة إطلاق مؤتمر الناشرين الدولي في المملكة. وفي 2023 تجاوز عدد دور النشر المشاركة 1800 دار من أكثر من 32 دولة، وتجاوز عدد الزوار المليون، فيما شارك في دورة 2024 أكثر من 2000 دار نشر ووكالة من أكثر من 30 دولة، وتجاوز عدد الزوار المليون أيضًا. وفي هذا التحول، لم يعد الكتاب مادة للقراءة والاقتناء فقط، وإنما أصبح مدخلًا إلى الحوار الثقافي، ووسيلة للقاء بين القارئ والكاتب والناشر، ومساحة تتيح للجمهور الاطلاع على اتجاهات الفكر والأدب والمعرفة. وقد جاء الإعلان عن موعد الدورة المقبلة، المقرر إقامتها في الرياض من 10 إلى 19 ديسمبر 2026، ليؤكد استقرار المعرض بوصفه أحد المواعيد الثقافية الكبرى في المملكة. دارة الملك عبدالعزيز وإذا كان معرض الكتاب يعكس المعرفة وهي تتجه إلى المجتمع، فإن التاريخ يكشف جانبًا آخر من علاقة الملك سلمان بالمعرفة: الاهتمام بالمصادر التي تحفظ ذاكرة المكان والدولة والمجتمع. ارتبط اسم الملك سلمان منذ سنوات طويلة بالتاريخ السعودي وبالمؤرخين والباحثين، وبدارة الملك عبدالعزيز، التي تولت جمع الوثائق والمصادر التاريخية المتعلقة بتاريخ المملكة وتراثها، وتوثيقها ودراستها وإتاحتها للباحثين. وتكتسب هذه العناية أهميتها من طبيعة المادة التاريخية نفسها؛ فالوثيقة لا تكتسب قيمتها بمجرد بقائها، وإنما تحتاج إلى الحفظ والتصنيف والتوثيق والدراسة، والرواية الشفوية تحتاج إلى تسجيل، والصورة والمخطوط والسجل تحتاج إلى سياق يتيح فهمها والإفادة منها. ولهذا فإن المؤسسات التاريخية لا تعمل على استعادة الماضي فحسب، وإنما تنشئ مصادر يمكن العودة إليها لفهم الحاضر ودراسة التحولات التي مرت بها البلاد. وفي هذا السياق، يمثل الاهتمام بالتاريخ امتدادًا طبيعيًا للاهتمام بالكتاب؛ فالكتاب يحمل المعرفة، والوثيقة تحفظ الشاهد، والمؤسسة تجمع المواد وتوثقها وتتيحها. مجمع الملك سلمان العالمي للغة ويعمل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية على تعزيز حضور العربية إقليميًا وعالميًا، وتطوير البحث والدراسات والسياسات اللغوية، إلى جانب التعليم والثقافة والحوسبة اللغوية. وتشمل مجالات عمله أربعة مسارات رئيسة: التخطيط والسياسات اللغوية، والحوسبة اللغوية، والتعليم والتعلم، والثقافة اللغوية. كما يعمل على بناء المدونات والمعاجم، ووضع المعايير والسياسات اللغوية، وتطوير تقنيات معالجة اللغة العربية، وتعزيز تعليمها ونشر ثقافتها. وهذا المسار يضع اللغة في سياق يتجاوز المحافظة على الموروث إلى التعامل مع التحولات التي تفرضها البيئة الرقمية. وفي عام 2026 أقر مجلس الوزراء السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة العربية السعودية، التي أُعدت ضمن اختصاص المجمع، وتستهدف تعزيز حضور العربية في التعليم والبحث العلمي والإعلام والأعمال، إلى جانب المجالات الدولية والثقافية والفنية. وبذلك أصبحت العناية باللغة مرتبطة أيضًا بأسئلة التعليم والتقنية والسياسات العامة، وبقدرة العربية على مواصلة حضورها في بيئات المعرفة الجديدة. مجمع الملك سلمان للحديث النبوي وفي مجال معرفي متخصص، يأتي مجمع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود للحديث النبوي الشريف، الذي أنشئ في المدينة المنورة عام 2017. ويختص المجمع بخدمة السنة النبوية وعلومها، من خلال جمع الأحاديث وتصنيفها وتحقيقها ودراستها وتوثيقها ونشرها، إلى جانب إعداد الأعمال المرجعية ذات الصلة. وتختلف طبيعة هذا العمل عن المعرض والمكتبة والمتحف، لكنه يلتقي معها في مبدأ أساسي: حفظ المصدر وإتاحته على أساس علمي موثوق. فالمعرفة لا تكتمل بجمع مادتها، وإنما تحتاج إلى التحقق منها ودراستها وتصنيفها، ثم تقديمها بصورة تمكن الباحث والمتخصص والقارئ من الإفادة منها. ومن هنا يضيف المجمع مجالًا آخر إلى خريطة المؤسسات المعرفية التي ارتبطت باسم الملك سلمان، فيتسع المشهد من الكتاب والتاريخ والذاكرة واللغة إلى خدمة السنة النبوية وعلومها. مؤسسة الملك سلمان غير الربحية تجمع مؤسسة الملك سلمان غير الربحية جانبًا من هذه المشروعات تحت إطار مؤسسي أوسع. وتعرّف المؤسسة نفسها بوصفها امتدادًا لمسيرة الملك سلمان في العمل غير الربحي، وتضع المعرفة والتاريخ والثقافة ضمن محاورها، إلى جانب مجالات تتصل بالمجتمع والتنمية والتوسع الحضري. وتضم مراكزها الثقافية مكتبة الملك سلمان ومتحف الملك سلمان في مشروع بوابة الدرعية، إضافة إلى متحف المجتمع السعودي في مشروع حديقة الملك سلمان. وتكمن أهمية هذا الإطار في أنه ينقل الحديث عن المعرفة من المبادرات المنفردة إلى مفهوم الاستدامة؛ فالمؤسسة الثقافية لا تقاس فقط بما تقدمه في لحظة معينة، وإنما بقدرتها على مواصلة العمل وحفظ المواد والخبرات وإتاحتها لأجيال متعاقبة.