عرفها صغيرًا وأدارها أميرًا وتحولها ملكًا ..

سلمان .. ذاكرة الرياض ومستقبلها.

للرياض في ذاكرة الملك سلمان بن عبدالعزيز مقياسٌ لا تمنحه الخرائط؛ إذ يعرف المسافة بين شارع لم يعرف الأسفلت وعاصمة تتسع للعالم، وبين بيت من طين ومدينة تعيد ترتيب موقعها في الاقتصاد الدولي. وفي هذه المسافة أقام جانبًا كبيرًا من سيرته؛ طفلًا يتعرف إلى مكانها، وأميرًا يحمل مسؤولية نموها، وملكًا يرعى انتقالها إلى مرحلة عالمية جديدة. لذلك تبدو قراءة الرياض من خلاله اقترابًا من تاريخٍ احتفظ شاهده بتفاصيل البدايات، ثم شارك في صنع تحولاته الكبرى. ومع حلول الذكرى الثانية عشرة لتولي خادم الحرمين الشريفين مقاليد الحكم، في الثالث من ربيع الآخر 1448هـ، تستدعي العاصمة تلك العلاقة الطويلة بين رجل ومدينة. علاقة تراكمت فيها المعرفة بأهلها وأحيائها واحتياجاتها، حتى صار الحديث عن عمرانها يستدعي طريقته في الإدارة، ويستعيد وفاءه لتاريخها. فكيف استطاعت الرياض أن تتجاوز حدودها القديمة، وتحمل وظائف عاصمة حديثة، وتحتفظ ـ وسط هذا الاتساع ـ بما يجعلها الرياض؟ مدينة في الذاكرة وُلد الملك سلمان في الرياض عام 1354هـ، ونشأ في كنف الملك المؤسس عبدالعزيز، قريبًا من مجلس المؤسس وشؤون الحكم. كانت المدينة يومئذ محدودة العمران، تتجاور فيها البيوت الطينية، وتنتظم الحياة حول الأسواق والمساجد ومجالس الأهالي. وفي ذلك المحيط، تعرّف إلى العاصمة قبل أن تصبح خرائطها ملفات على مكتبه؛ عرف إيقاع يومها، ووجوه أهلها، والمسافات التي كانت تقطعها الأقدام قبل أن تتولاها الطرق الواسعة. وحين يستعيد تلك السنوات، تخرج المدينة من عمومية الوصف إلى دقة المشهد. ففي حديث مصور متداول، يتذكر الملك سلمان غياب الشوارع المسفلتة والمباني الخرسانية عن الرياض التي عرفها صغيرًا، ويستعيد سورها وأبوابها التي كانت تُغلق بعد العشاء، وخروج الملك عبدالعزيز من المربع إلى قصر الحكم لممارسة عمله. وتمنح هذه التفاصيل القارئ ما تعجز عنه المقارنة بين صورتين قديمة وحديثة: الإحساس بمدينة كان ليومها بابٌ يُغلق، ثم اتسعت حركة الحياة فيها إلى مدى لم يكن منظورًا آنذاك. ولهذه الذاكرة قيمة تتجاوز الحنين؛ فهي تحفظ علاقة الناس بالمكان قبل تبدل مقاييسه. فالشارع القديم يحمل أسماء العابرين فيه، والسوق يختزن طرائق البيع والتعارف، والبيت يروي شيئًا عن الأسرة والجوار. ومن عرف هذه الطبقات الاجتماعية يستطيع أن يدرك ما يعنيه انتقال مدينة إلى عصر جديد، وما يحتاج إليه أهلها كي يصبح التطور تحسينًا لحياتهم، وامتدادًا لصلاتهم، وحفظًا لما يأنسون إليه من ملامحها. وقد اختصر الملك سلمان هذا التداخل بين السيرة الشخصية وتاريخ العاصمة بقوله: “تاريخ الرياض جزء من حياتي، عايشتها بلدة صغيرة، يسكنها بضعة آلاف من السكان الذين يمتهنون الزراعة والتجارة المحلية، وعاصرتها حاضرة عالمية كبرى”. مسؤولية الاتساع بدأت المسؤولية الرسمية بتعيينه أميرًا لمنطقة الرياض بالنيابة في رجب 1373هـ، ثم أميرًا عليها بمرتبة وزير في شعبان 1374هـ. وبعد فترة ابتعاد عن الإمارة، عاد إليها في رمضان 1382هـ، واستمر حتى تعيينه وزيرًا للدفاع عام 1432هـ. وهكذا امتدت خدمته للمنطقة، عبر فترتي توليه، أكثر من نصف قرن، واكبت خلاله الرياض تحولات الدولة السعودية وتنامي مؤسساتها ومواردها. كانت المهمة تتسع كلما اتسعت المدينة. فزيادة السكان تستدعي مساكن ومدارس ومستشفيات، وانتقال المؤسسات يقتضي طرقًا ومرافق وخدمات، ونمو التجارة يحتاج إلى تنظيم يتيح لها الحركة. ولم تكن الاستجابة لأي احتياج منفرد كافية؛ إذ قد يفتح طريقٌ جديد مساحات للبناء، ثم تظهر الحاجة إلى إيصال الماء والكهرباء وتوفير خدمات التعليم فيها. المدينة، بهذا المعنى، سؤال متصل، وكل إجابة عمرانية فيه تُنتج مسؤولية تالية. ومن هنا تبرز أهمية العمل المؤسسي في تجربة تطوير الرياض. فقد أُنشئت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض عام 1394هـ، وترأسها الأمير سلمان، أمير منطقة الرياض آنذاك، لتصبح من الأدوات الرئيسة في تخطيط نمو العاصمة وتنسيق تطويرها. وكان لهذه الخطوة أثر يتجاوز إنشاء جهاز إداري؛ إذ وفرت إطارًا ينظر إلى المدينة بوصفها وحدة مترابطة، ويجمع بين احتياجات حاضرها ومتطلبات توسعها المقبل. وفي قراءة هذه التجربة، يبدو طول المدة التي قضاها في إدارة المنطقة عنصرًا مهمًا لفهم نتائجها. فقد أتاح تراكم المعرفة، ومتابعة المشروعات في مراحل متعاقبة، ورؤية أثر القرار بعد تنفيذه. وهنا تتضح قيمة الاستمرارية: أن يعرف المسؤول من أين جاءت المشكلة، وكيف عولجت، وما الذي تغير بعدها. تلك معرفة لا تظهر كاملة في المخططات، لكنها تمنح التخطيط صلته بالناس والأرض. ذاكرة تسكن العمران كان أحد الأسئلة الدقيقة في تحول الرياض يتعلق بمركزها القديم: كيف تتقدم العاصمة وتظل قادرة على التعرف إلى وجهها الأول؟ وقد قدم تطوير منطقة قصر الحكم إجابة عمرانية عن هذا السؤال، من خلال إعادة بناء قصر الحكم وجامع الإمام تركي بن عبدالله، وتنظيم المنطقة وساحاتها، واستلهام خصائص العمارة المحلية في تكوينها. وبذلك احتفظ قلب العاصمة بوظيفته ومكانته، واتصلت ذاكرة المكان باستعماله اليومي. وتكشف هذه العناية عن فهم للتاريخ بوصفه جزءًا من حياة المدينة. فحين يبقى المركز التاريخي قابلًا للزيارة والحركة واللقاء، يستطيع الجيل الجديد أن يختبر قربه من الماضي. وتصبح الساحة التي يعبرها، والجامع الذي يقصده، والمبنى الذي يتأمل ملامحه، وسائل معرفة هادئة. كأن المدينة تترك في عمرانها علامات قراءة، يستدل بها القادمون على الفصول التي سبقتهم. وفي السياق نفسه، افتُتح متحف المصمك عام 1416هـ برعاية الأمير سلمان، ليقدم للزوار تاريخ استرداد الرياض وتأسيس الدولة. ثم جاء مركز الملك عبدالعزيز التاريخي في المربع، ضمن احتفاء المملكة بالمئوية عام 1419هـ، جامعًا عناصر تاريخية وثقافية ومساحات عامة. وقد تولت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض تطوير المركز والإشراف على مراحل العمل فيه، بما يعكس الصلة بين التخطيط الحضري والعناية بالتاريخ الوطني. ومن هذه المشروعات يمكن فهم جانب من شخصية الملك سلمان وعلاقته بالعاصمة. فحفظ المكان الذي بدأت منه الحكاية يتيح للمدينة المتسارعة أن تحتفظ بمرجعها. وكلما ارتفعت مبانيها واتسعت طرقها، ازدادت قيمة المواضع التي تشرح للناس كيف وصلت إلى هنا. عنوان للعالم وبموازاة العناية بالقلب التاريخي، كانت الرياض تستكمل وظائفها الدولية. ففي عام 1395هـ صدر قرار نقل وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية من جدة إلى الرياض، وتشكّلت لجنة تنفيذية عليا برئاسة الأمير سلمان لإنجاز مشروع حي السفارات. وقد مثّل الحي، بما جمعه من مقرات دبلوماسية ومرافق ومساحات مفتوحة، خطوة في بناء البيئة التي تحتاج إليها عاصمة تتزايد صلاتها بالخارج. وهنا يصبح العمران تعبيرًا عن وظيفة سياسية وإدارية واضحة. فوجود البعثات الدبلوماسية قرب مؤسسات القرار يعزز التواصل، ويضيف إلى المدينة حركة مهنية وثقافية واجتماعية. واتسع المشهد بمشروعات المرافق والنقل والمؤسسات الاقتصادية، من مطار الملك خالد الدولي إلى مركز الملك عبدالله المالي. ويكشف جمع هذه العناصر عن طبيعة التحول الذي شهدته الرياض؛ فالمطار يوسع الاتصال، والمرافق تتيح الاستقرار، والمؤسسات الاقتصادية تدعم النشاط والعمل. ولأن هذا المسار تحقق عبر عهود متعاقبة، فإن قراءة دور الملك سلمان فيه تستقيم بوضعه داخل مسيرة الدولة وتراكم منجزاتها. لقد حمل مسؤولية العاصمة طويلًا، وأسهم في ترجمة توجهات التنمية إلى تخطيط ومشروعات ومؤسسات. وتلك هي دلالة تجربته الإدارية. من الإمارة إلى الملك حين تولى الملك سلمان مقاليد الحكم في الثالث من ربيع الآخر 1436هـ، كانت معرفته بالرياض تحمل حصيلة عقود من العمل. ومع رؤية المملكة 2030، وما يقوده سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من جهود لتحقيق مستهدفاتها، أخذ تطوير العاصمة نطاقًا أوسع في التنويع الاقتصادي وجودة الحياة وتعزيز جاذبيتها للأعمال. وقد أشار سمو ولي العهد في مبادرة مستقبل الاستثمار عام 2021 إلى أن الرياض تشكل نحو نصف الاقتصاد غير النفطي للمملكة، معلنًا استهداف وصول سكانها إلى ما بين خمسة عشر وعشرين مليون نسمة بحلول 2030؛ وهو طموح يستند إلى ما راكمته العاصمة من مقومات النمو. وفي هذه المرحلة، تتصل رعاية الملك سلمان للعاصمة بإرثه الطويل في بنائها؛ فالمدينة التي تابع تفاصيل نموها أميرًا، يرعى ملكًا اتساع حضورها الدولي، وتطور مرافقها ومشروعاتها، وتعزيز قدرتها على استقطاب الأعمال والاستثمارات. وتكتسب هذه الرعاية معناها من الجمع بين مكانة الرياض عالميًا وحياة أهلها اليومية، حيث تتجسد ثمار التنمية في فرص العمل وجودة الخدمات واتساع الخيارات أمام السكان. ابن الرياض وخادمها حين نستعيد اليوم لقاء الملك سلمان بن عبدالعزيز في برنامج “مؤتمر صحفي”، الذي قدّمه الدكتور عبدالرحمن الشبيلي عام 1393هـ/1973م، نقرأ في إجاباته، يوم كان أميرًا لمنطقة الرياض، ملامح الفكر الذي صاحب بناء العاصمة. فقد ربط التنمية باستقرار المجتمع، مؤكدًا: “لا يمكن أن نعتني بها ونوفرها ما لم يكن هناك استقرار وأمن”. وفي تناوله لتوسع الرياض، كانت نظرته تمتد إلى ما وراء حدودها؛ إذ رأى أن معالجة تركز السكان في العاصمة تتصل بتوفير أسباب العيش والعمل في سائر المناطق. وقال: “ونحن لا نستطيع أن نقول للناس لا تقيموا في الرياض وارجعوا لبلدانكم، ما لم تؤمن الأسباب التي تجعل المواطن يقيم في بلدته ويعمل فيها وينتج فيها وتوفر له الخدمات والمشاريع التي تجعله يعيش في قريته ويكسب ويستفيد، وإلا ستتكرر مشكلة التضخم في المدن الرئيسية”. وبعد عقود، تحتفظ هذه القراءة بدلالتها في فهم حنكته الإدارية؛ فقد أعاد السؤال عن ازدحام المدينة إلى جذوره الاقتصادية والاجتماعية، ورأى في تنمية الأماكن التي يغادرها الناس جزءًا من الإجابة. حديثه عن مستقبل الرياض، يكتسب اليوم دلالة خاصة، والعاصمة تشهد في عهده ملكًا اتساع حضورها الدولي. فعندما سُئل عن صورتها بعد عشرين عامًا، أجاب: “الصورة مرسومة ومخططة”، موضحًا ما يستلزمه التأسيس للمستقبل: “إنما على المدى البعيد يجب أن نعاني الآن حتى يكون الوضع بعد عشرين سنة أفضل بكثير من مراحل النمو الحالي”. ثم عبّر عن ثقته بقوله: “أنا واثق إن شاء الله تماماً من مستقبل الرياض كمدينة؛ لأنه الآن وضعت كل الأساسات والأسس التي تجعلها في المستقبل مدينة نموذجية حديثة، ولهذا أنا مطمئن تماماً، أنا ابن الرياض وخادم لها قبل أن أكون أميراً لها، والمستقبل ظاهر وممتاز والحمد لله”. وبين تلك الثقة المبكرة وما بلغته المدينة، تتضح قيمة رؤيةٍ أدرك صاحبها أن مستقبل العاصمة يبدأ من القرارات التي تُتخذ قبل أن تظهر الحاجة إليها بسنوات. سيرة لا تغادرها ولعل أكثر كلمات الملك سلمان تعبيرًا عن صلته بالرياض قوله: “لا أتخيل نفسي بعيداً عن مدينة الرياض حتى لو لم أكن موجوداً فيها، فالرياض بالنسبة لي الوطن والتاريخ الماضي والحاضر والمستقبل والأمل”. تجمع العبارة أزمنة المدينة في وجدان واحد؛ فالرياض التي عرفها صغيرًا بقيت حاضرة في الرياض التي أدارها أميرًا، وكلتاهما تسكنان اهتمامه بها ملكًا. في الذكرى الثانية عشرة للبيعة، تمنح هذه السيرة العاصمة معنى يتجاوز المقارنة بين قلة المباني وكثرتها. إنها تحكي كيف اقترنت معرفة المكان بالصبر على بنائه، وكيف أسهمت مسؤولية ممتدة في تحويل احتياجات متلاحقة إلى مؤسسات ومرافق وفرص. وتبقى للملك سلمان في هذا التحول بصمة يعرفها تاريخ الرياض وأهلها، لتظل سيرته جزءًا من عنوانها.