تتغير علاقة المجتمع بالثقافة حين يصبح للكتاب عنوان آخر غير رف المكتبة، وللقصيدة موعد خارج روزنامة المناسبات، وللموهبة مكان تستطيع أن تبدأ فيه دون انتظار دعوة. عندئذ، يغدو السؤال عن قرب المعرفة من الناس، وعن المسافة التي يقطعونها للوصول إليها، بقدر ما هو سؤال عن عدد المؤسسات والفعاليات. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة جانب أصيل من التحول الثقافي في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز: اتساع الأماكن التي تستقبل الثقافة، وتنوع الفاعليات التي تشارك في صنعها. ومع حلول الذكرى الثانية عشرة للبيعة، يكتسب هذا التحول دلالته من صلته بسيرة ملك عرف الكتاب والتاريخ والصحافة قبل توليه الحكم بعقود. فقد كانت الثقافة حاضرة في المملكة بمؤسساتها وأنديتها ومجالسها الأدبية؛ وما تحقق في هذا العهد منح ذلك الرصيد منافذ أوسع إلى الحياة العامة، ووصل بين رعاية المعرفة وتطوير الأماكن التي تتيح تداولها. هكذا اتسعت المائدة الثقافية، وصار في وسع مزيد من الناس أن يجدوا مقاعدهم حولها. ملكٌ وقارئٌ شغوف في سيرة الملك سلمان، تبدو المكتبة الخاصة تفصيلًا كاشفًا عن علاقة ممتدة بالمعرفة. فقد نشأت مع اهتمامه بالقراءة، وتنامت مقتنياتها لتضم الكتب الموسوعية والدوريات والرسائل الجامعية والأدب والشعر. وقيمة هذه المكتبة تتجاوز كثرة محتوياتها إلى ما تقوله عن صاحبها: رجل دولة يحتفظ للقراءة بمكان في يومه، ويعامل التاريخ باعتباره معرفة تحتاج إلى التثبت وحسن الفهم. فالكتاب هنا أقرب إلى مجلس إضافي، يلتقي فيه القارئ بأصحاب التجارب، ويصغي إلى أصوات لا تجمعها غرفة واحدة. وتكشف صلته بدارة الملك عبدالعزيز عن الوجه المؤسسي لهذا الاهتمام. ففي محاضرته بجامعة أم القرى عام 1429هـ، التي وثقتها الدارة لاحقًا في كتاب “ملامح إنسانية من سيرة الملك عبدالعزيز”، استعاد جوانب من شخصية المؤسس وقيمه وتعامله مع الناس، مستندًا إلى ما وعاه وسمعه وقرأه وروايات الثقات. ولهذا الاختيار مغزاه؛ إذ يقرّب التاريخ من حياة الإنسان، ويمنح القارئ فرصة لفهم القيم التي صاحبت بناء الدولة، إلى جانب وقائع التوحيد وتطور المؤسسات. ومن هذه الصلة المبكرة بالكتاب والتاريخ، يمكن فهم عمق الرعاية الثقافية في عهده؛ فالمعرفة التي تحظى باهتمام القائد تحتاج إلى مؤسسات تحفظها، وإلى فضاءات تتيح للأجيال الاقتراب منها. وقد منح هذا الاهتمام التحول الثقافي صلته بذاكرة البلاد، فيما فتحت رؤية السعودية 2030، بقيادة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، مجالات أوسع لممارسته وتطويره. منظومة ثقافية متكاملة شهد عهد الملك سلمان بناء منظومة ثقافية تتوزع فيها المسؤوليات بين التنظيم والتعليم والإنتاج وإتاحة المعرفة. ففي يونيو 2018 أُنشئت وزارة الثقافة مستقلة عن الإعلام، ثم أُقرت في فبراير 2020 إحدى عشرة هيئة متخصصة: الأدب والنشر والترجمة، والمكتبات، والتراث، والمتاحف، والأفلام، والموسيقى، والمسرح والفنون الأدائية، والفنون البصرية، وفنون العمارة والتصميم، والأزياء، وفنون الطهي. وأتاح هذا التخصص لكل مجال جهة تعنى بتطويره وتأهيل ممارسيه، وتصل بين الموهبة والفرصة المهنية، وبين الإنتاج الثقافي والجمهور. وفي سبتمبر 2020 تأسس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، ليمنح خدمة العربية مرجعية علمية ذات امتداد دولي. وتتنوع أعماله بين تعليم اللغة والبحث والحوسبة اللغوية، ومن أدواته اختبار “همزة” ومركز “ذكاء العربية”. وفي عام 2021 دُشّن مبنى المعهد الملكي للفنون التقليدية بالرياض، الذي يحمل هوية “وِرث”، ليعمل على تعليم الفنون التقليدية وصونها وتقدير أصحابها. وهنا تتسع وظيفة المؤسسة الثقافية لتشمل المهارة التي تحملها اليد، والمعرفة التي تحفظها الذاكرة، واللغة التي تستوعب التطبيقات الحديثة. وعلى خريطة المنشآت؛ يبرز مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) بالظهران، الذي دشّنه الملك سلمان في ديسمبر 2016، وافتُتح للجمهور عام 2018، جامعًا المكتبة والمتحف والمسرح والسينما ومتحف الطفل ومختبر الأفكار. ولا شك أن اجتماع هذه المرافق يتيح للأسرة مداخل متعددة إلى المعرفة، ويجعل الانتقال من كتاب إلى معرض أو عرض فني جزءًا من تجربة واحدة. وتستمد هذه المنشأة أهميتها من قدرتها على جمع تخصصات وجمهور متنوعين، ومنح التعلم صيغًا تتجاوز تلقي المعلومة إلى اختبارها ومناقشتها. ويكمل معهد مسك للفنون، الذي تأسس عام 2017، جانبًا مهمًا من هذه المنظومة؛ إذ يعمل، بوصفه مؤسسة ثقافية غير ربحية تابعة لمؤسسة محمد بن سلمان (مسك)، على دعم الفنانين بالتعليم والخبرة وإتاحة فرص التطور. وتنبع أهمية هذا الدور من حاجة الموهبة إلى مرافقة مهنية: عين تدربها على قراءة العمل، ومساحة تمنح التجريب وقته، وصلات تتيح لها التعرف إلى تجارب فنية أخرى. وفي الرياض؛ افتُتح مركز “فناء الأول” بحي السفارات في ديسمبر 2022، ليتيح مساحات للمعارض وورش العمل والملتقيات والتبادل المعرفي. وتكشف فكرته عن وجه آخر لاتساع الثقافة: مكان يجمع أصحاب الاهتمامات المختلفة حول تجربة مشتركة، ويجعل الحوار بين الثقافات نشاطًا له عنوان يمكن زيارته، وبرنامج يمكن متابعته. وفي جدة؛ افتُتح “حي جميل” في ديسمبر 2021، بوصفه مجمعًا إبداعيًا تطوره وتديره “فن جميل”، تتكامل فيه المعارض والتعلم ومساحات العمل الإبداعي، وأضيفت إليه “سينما حي” عام 2022. ويُظهر هذا النموذج قيمة مشاركة المؤسسات المستقلة في توفير أماكن دائمة للفنون، وبناء علاقة مع المجتمع المحيط. وباختلاف وظائف هذه المنشآت، تتكون بنية تسمح للنشاط بأن يستمر، وللموهبة بأن تجد مكانًا تتدرب فيه وتعرض عملها وتلتقي جمهورها. أما صندوق التنمية الثقافي، الذي تأسس عام 2021 ويرتبط تنظيميًا بصندوق التنمية الوطني، فيعالج احتياجًا مكملًا: تمويل النشاط الثقافي وتحفيز الاستثمار فيه. فاستمرار دار نشر أو مشروع إبداعي يحتاج، إلى جانب الفكرة، إلى موارد وإدارة وفرص للنمو. وبذلك تتجاور في المنظومة جهات التنظيم والتأهيل والتمويل، وتتوافر للممارسة الثقافية أسباب أوسع للاستقرار. فعاليات ترسم المشهد تتضح ملامح الاتساع الثقافي في عهد الملك سلمان من خلال فعاليات استعادت حضورها، وأخرى وُلدت في عهده ثم توالت دوراتها، مانحة الجمهور مواعيد متجددة مع الكتاب والسينما والفنون. وقيمة هذه المحطات فيما أتاحته من فرص للمشاركة، وفي انتقال التجربة من حدث ينتظره المهتمون إلى موعد تتسع حوله دائرة الحضور. ففي السينما؛ استأنف مهرجان أفلام السعودية نشاطه بدورته الثانية في فبراير 2015، بعد دورته الأولى عام 2008، ثم تتابعت دوراته وتطور دوره في احتضان صناع الأفلام وكتاب السيناريو السعوديين. وجاءت عودة دور العرض السينمائي التجارية في أبريل 2018 لتفتح مجالًا أوسع للمشاهدة. أما مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، فقد انطلقت دورته الأولى بجدة في ديسمبر 2021، ووصل إلى دورته الخامسة عام 2025، لتجد الأفلام السعودية موعدًا دوليًا على أرض المملكة، تتجاور فيه العروض مع اللقاءات المهنية وفرص التعارف بين صناع السينما. وفي ميدان الكتاب؛ مثّل عام 2015 عودة معرض جدة الدولي للكتاب بعد انقطاع، ثم توالت نسخه حتى جمعت دورة 2025 أكثر من ألف دار نشر ووكالة من 24 دولة، وقدمت أكثر من 170 فعالية ثقافية. كذلك واصل معرض الرياض الدولي للكتاب، الممتد تاريخه إلى ما قبل هذا العهد، تطوير حضوره؛ فاستقطبت الدورة الأخيرة أكثر من ألفي دار نشر ووكالة محلية وعالمية. وتبرز دلالة هذا التطور في اجتماع اقتناء الكتب مع الحوار والورش ولقاءات المؤلفين، بحيث يجد الزائر حول الكتاب أسبابًا أخرى للبقاء والمشاركة والعودة. وفي الفنون البصرية؛ أطلق الملك سلمان برنامج “الرياض آرت” عام 2019، وانبثق عنه احتفال “نور الرياض” الذي بدأت دورته الأولى في مارس 2021. وتوالت نسخه حتى الخامسة عام 2025، التي قدمت 60 عملًا فنيًا أبدعها 59 فنانًا من 24 دولة. وهنا يظهر أحد التحولات الهامة: خروج الفن إلى الفضاء العام، ولقاؤه بالناس في مواقع حركتهم اليومية، ليصبح اكتشاف العمل الفني جزءًا من تجربة المدينة. كما شهد عهد الملك سلمان تأسيس مواعيد دولية جديدة للفنون؛ فانطلقت أولى دورات بينالي الدرعية للفن المعاصر في ديسمبر 2021، وأقيمت دورته الثالثة عام 2026 في حي جاكس بالدرعية. وفي جدة، انطلق بينالي الفنون الإسلامية عام 2023 بعنوان “أول بيت”، ثم أقيمت نسخته الثانية عام 2025 بعنوان “وما بينهما”، في صالة الحجاج الغربية بمطار الملك عبدالعزيز الدولي. ومن الصيغ التي برزت خلال هذا العهد أيضا تخصيص أعوام للاحتفاء بعناصر الثقافة الوطنية؛ فخُصص عام 2020 للخط العربي، ثم مُدد الاحتفاء به إلى 2021، وتلاه عام القهوة السعودية 2022، والشعر العربي 2023، والإبل 2024، والحرف اليدوية 2025. وبموازاة الفعاليات، شهدنا أيضا محطات في تعزيز الاعتراف الدولي بالتراث السعودي، منها إدراج منطقة حِمى الثقافية في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2021، والمنظر الثقافي لمنطقة الفاو الأثرية عام 2024. وهو ما يبرز امتداد العناية الثقافية إلى تعريف العالم بتاريخ المملكة وحضارتها. بيوت تسكنها المعرفة وإلى جانب هذه المواعيد الكبرى، تقدم “بيوت الثقافة” صيغة تستقر في يوم المجتمع العادي. فالمبادرة التي تتولاها هيئة المكتبات ضمن برنامج جودة الحياة تعيد تأهيل المكتبات العامة وتطوير وظائفها لتصبح أماكن للقراءة والتعلم واللقاء والمشاركة. يحتفظ الكتاب بموقعه الأساسي، فيما تتسع المساحة حوله للورش والمعارض والبرامج التفاعلية. كأن المكتبة تضيف هوامش واسعة إلى صفحاتها، وتترك للزائر أن يكتب فيها تجربته الخاصة، سواء جاء باحثًا عن مرجع أو راغبًا في تعلم مهارة. وفي سبتمبر 2025 أعلنت هيئة المكتبات تجاوز زوار بيوت الثقافة نصف مليون زائر منذ انطلاق أول بيت في ديسمبر 2023، وذكرت بيوتًا في أحد رفيدة والدمام وسكاكا وبريدة وحائل ونجران وجيزان والرياض. ويعكس هذا الانتشار أهمية توزيع فرص المشاركة على مناطق متعددة. أما الأثر الأطول فيتصل بما تتركه الزيارة في السلوك: طفل يعود إلى كتاب اختاره، أو مشارك يطور مهارة بدأها في ورشة، أو قارئ يجد جماعة تشاركه اهتمامه. المقاهي الأدبية تستثمر المقاهي الأدبية مكانًا مألوفًا في الحياة الاجتماعية. وقد أُطلق برنامج “الشريك الأدبي” عام 2021 لتمكين المقاهي من احتضان النشاط الأدبي وتقريب المؤلفين من جمهور أوسع. وتشمل فعالياته مناقشة الكتب والأمسيات الشعرية والتوقيعات واستضافة نوادي القراءة، بما يجعل اللقاء بالكتاب ممكنًا في المكان الذي اعتاد الناس الذهاب إليه أصلًا، دون ترتيبات استثنائية في يومهم. تتبدل هنا طبيعة المسافة بين الكاتب والقارئ، وتمنح هذه الألفة الأدب فرصة للوصول إلى أشخاص لم يعتادوا ارتياد الأمسيات. وتوسعت المبادرة في نسختها الخامسة لتضم، إلى جانب المقاهي، أندية الهواة الثقافية والجمعيات ودور النشر والمساحات المشتركة. ومع تعدد الشركاء، تتسع إمكانات التنظيم والوصول إلى الجمهور. وتظل جودة الاختيار وحسن إدارة الحوار أساسًا لبقاء التجربة؛ فحين يجد الرواد برنامجًا يحترم وقتهم واهتماماتهم، يتكون حول المكان رصيد من اللقاءات ينتظرونه، وتتطور الصحبة الاجتماعية إلى علاقة بالقراءة والمشاركة. ثمار الرعاية الثقافية تأخذ ثمار رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز للثقافة صورتها الأوضح في اتساع إتاحتها للناس. فبحسب حصيلة برنامج جودة الحياة لعام 2025، المنشورة في 2026، بلغ عدد أيام الفعاليات الثقافية 6314 يومًا، متجاوزًا ضعف المستهدف، ووصل عدد مواقع التراث الوطني القابلة للزيارة إلى 232 موقعًا. وتكشف هذه الحصيلة عن كثافة النشاط وتعدد الأماكن التي تمنح المجتمع فرصة للقاء ثقافته والتعرف إلى تاريخ بلاده. وامتد هذا الأثر إلى العام الجاري؛ إذ اختُتمت في يوليو الماضي النسخة الخامسة من “الشريك الأدبي” بأكثر من مليون مستفيد، وبمشاركة 220 شريكًا في 57 مدينة. وفي ظل الرعاية الملكية وقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لرؤية السعودية 2030، يتجه الطموح إلى بلوغ مساهمة القطاع الثقافي 180 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030. وبين المشاركة المتحققة والطموح المقبل، تتجلى دلالة المنجز في عهد الملك سلمان: ثقافة تتسع دوائرها، ويزداد شركاؤها، وتجد فيها الأجيال مجالًا للمعرفة والعمل وصناعة المستقبل.