كتاب جديد يقدم الملك من زاوية قارئ يرى في المعرفة قيمة مستمرة..

سلمان بن عبدالعزيز.. سراج الثقافة ونبراس المعرفة.

لا يقدم كتاب “سراج الثقافة ونبراس المعرفة” (مؤسسة الملك سلمان غير الربحية- 1447هـ) صورة تقليدية عن شخصية الملك سلمان بن عبدالعزيز من خلال مسيرته السياسية أو محطات حكمه، وإنما يختار زاوية أكثر اتصالًا بعالم الثقافة والمعرفة؛ هي علاقته بالكتاب والقراءة، واهتمامه بالمثقفين، ورعايته لمعرض الرياض الدولي للكتاب، الذي ارتبط اسمه به منذ سنوات مبكرة من عمر المعرض. ومن هذه الزاوية، يحاول الكتاب أن يقرأ جانبًا من شخصية الملك سلمان، باعتباره قائدًا تشكلت علاقته بالمعرفة في وقت مبكر، وظل الكتاب حاضرًا في حياته في مختلف مراحلها، من أمير للرياض إلى وزير للدفاع وولي للعهد ثم ملك للمملكة العربية السعودية. ويصف الكتاب هذا الشغف بأنه لم يكن اهتمامًا عابرًا، وإنما مسيرة ممتدة أسهمت في تكوين شخصيته الفكرية والثقافية. ويستند الكتاب في إبراز هذه العلاقة إلى عدد من الملامح، في مقدمتها المكتبة الخاصة للملك سلمان، التي يصفها بأنها واحدة من أثرى الخزائن الفكرية الشخصية في العالم العربي، بما تضمه من كتب موسوعية ورسائل جامعية ودوريات وأعمال في الأدب والشعر، فضلًا عن المخطوطات والمطبوعات النادرة. ولا تتوقف أهمية المكتبة، وفق الكتاب، عند حجم مقتنياتها وتنوعها، وإنما في كونها مكتبة متجددة تضاف إليها الإصدارات الجديدة التي يحرص الملك سلمان على متابعتها واقتنائها. الكتاب.. رفيق المعرفة يمنح الكتاب للقراءة موقعًا أساسيًا في تكوين الملك سلمان الثقافي، مستندًا إلى رؤيته التي تعتبر الكتاب وسيلة مستمرة للتعلم، لا مرحلة تنتهي بالحصول على الشهادة أو بلوغ وظيفة. وتظهر هذه الرؤية بوضوح في الاقتباس الذي يفتتح به الكتاب، حين يؤكد الملك سلمان أن الإنسان لا ينبغي أن يكتفي بما تعلم، وأن عليه مواصلة الاطلاع في اختصاصه وغير اختصاصه، لأن العلم مستمر، ولأن الكتابة والمعرفة مسؤولية تجاه المجتمع. وفي هذه الرؤية، لا ينفصل اهتمام الملك سلمان بالكتاب عن نظرته إلى وظيفة المؤلف والمثقف؛ فالحقيقة، كما يرد في حديثه، ينبغي أن تكون هدف الكاتب، وأن تكون الكتابة نافعة لمجتمعها، فيما يظل القارئ شريكًا في العملية الثقافية من خلال القراءة والنقد والاستفادة. ويعود الكتاب إلى هذه الفكرة في خاتمته، من خلال حديث آخر للملك سلمان عن مسؤولية الكاتب والمفكر، مؤكدًا أن الكاتب لا ينبغي أن يكتب فقط لإرضاء ما يطلبه الناس، كما لا يعني ذلك أن يعارض رغباتهم، وإنما أن يقول الحقيقة التي يؤمن بها، وأن يكون هدفه تقديم ما يفيد المجتمع. من الاهتمام بالكتاب إلى رعاية معرضه لكن القيمة الأساسية في الكتاب لا تكمن في الحديث عن القراءة وحدها، وإنما في انتقاله من العلاقة الشخصية بالكتاب إلى أثر هذه العلاقة في المجال الثقافي العام. ويخصص الكتاب مساحة واسعة لعلاقة الملك سلمان بمعرض الرياض الدولي للكتاب، وهي علاقة بدأت مبكرًا، عندما كان أميرًا لمنطقة الرياض. ولا يتعامل الكتاب مع هذه الرعاية باعتبارها حضورًا بروتوكوليًا فحسب، بل يربطها برؤية أوسع لوظيفة المعرض ودوره في المجتمع. ففي حديث للملك سلمان عندما كان أميرًا للرياض، يظهر المعرض بوصفه فرصة للطلاب والناشئة للتزود بالعلم والثقافة والمعرفة، ونافذة على الأفكار والعلوم والآداب المختلفة، فيما تصبح الثقافة في تصوره ممارسة ممتدة تتجاوز حدود المدرسة والجامعة إلى مختلف مجالات الحياة. ويشير الكتاب كذلك إلى أن الملك سلمان كان حريصًا على التجول في أروقة المعرض، والتوقف عند أجنحة دور النشر، والدخول في حوارات مع المؤلفين والمثقفين، وهو حضور استمر عبر مراحل مختلفة من مسؤولياته العامة. ويرى الكتاب أن هذا الدعم المتواصل أسهم في منح المعرض عنصرًا من الاستقرار ساعده على الانتقال من كونه سوقًا موسمية للكتب إلى مؤسسة ثقافية ذات تأثير أوسع. المعرض بوصفه مساحة للحوار من أبرز الأفكار التي يبرزها الكتاب أن رؤية الملك سلمان للمعرض تجاوزت فكرة بيع الكتب واقتنائها إلى اعتباره منصة للحوار الفكري. ويستشهد الكتاب بكلمته في الملتقى الأول للمثقفين السعوديين، حيث تحدث عن المملكة باعتبارها منطلقًا للثقافة، ودعا إلى الوسطية والانفتاح الواعي، محذرًا في الوقت نفسه من الغلو والتزمت ومن التفريط في العقيدة والأخلاقيات. وهنا تتسع دلالة الكتاب؛ إذ لا يعود معرض الكتاب مجرد مناسبة سنوية، بل يصبح في القراءة التي يقدمها امتدادًا لرؤية ثقافية ترى في المعرفة وسيلة للانفتاح والتفاعل، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية. ويذهب الكتاب إلى أن انفتاح المملكة على ثقافات العالم لا يعني الذوبان فيها، وإنما يمكن أن يكون وسيلة لإثراء الثقافة المحلية. أرقام ترصد رحلة المعرض ويتحول الكتاب في قسم منه إلى سجل توثيقي لمسيرة المعرض، مستعرضًا تطور عدد دور النشر والعناوين والزوار عبر الدورات التي حظيت برعاية الملك سلمان. ففي الدورة الثانية عام 1979م، ارتفع عدد دور النشر إلى 300 دار، وعُرض أكثر من 25 ألف مطبوع. وفي دورات لاحقة ارتفعت الأرقام تدريجيًا، وصولًا إلى الدورة التاسعة عام 2002م، التي شاركت فيها نحو 500 دار نشر من 18 دولة، وعُرض خلالها أكثر من 150 ألف عنوان. ثم يرصد الكتاب مرحلة جديدة بعد تولي الملك سلمان الحكم، حيث شهد المعرض توسعًا كبيرًا في أعداد المشاركين والفعاليات والزوار. ففي دورة 2015م شاركت نحو 915 دار نشر من 29 دولة، بينما شهدت دورة 2017م عرض نحو 1.5 مليون كتاب واستقطبت أكثر من 400 ألف زائر. وفي دورة 2019م ارتفع عدد دور النشر إلى 913 دارًا من 30 دولة، وتجاوز عدد الزوار مليونًا ومئتي ألف زائر، وفق الأرقام التي أوردها الكتاب. أما دورة 2021م، فقد مثلت محطة لافتة في هذا المسار؛ إذ شاركت فيها أكثر من ألف دار نشر من 28 دولة، وتجاوز عدد الزوار 900 ألف، وشهدت إطلاق مؤتمر الناشرين الدولي للمرة الأولى في المملكة، إلى جانب برنامج واسع من الندوات والأمسيات والورش والفعاليات الموجهة للأطفال والنشر والترجمة. وتتواصل مسيرة التوسع التي يرصدها الكتاب في دورات 2022 و2023 و2024، حيث تجاوز عدد دور النشر في دورة 2023 نحو 1800 دار من أكثر من 32 دولة، وتجاوز عدد الزوار المليون، ثم تخطى عدد دور النشر في دورة 2024 حاجز ألفي دار من أكثر من 30 دولة، مع استمرار الحضور الجماهيري الذي تجاوز المليون زائر. أما دورة 2025، فقد شارك فيها أكثر من ألفي دار نشر ووكالة محلية وعالمية من أكثر من 25 دولة، وصاحبها برنامج ثقافي تجاوز 200 فعالية. رعاية تتجاوز معرض الرياض ولا يحصر الكتاب علاقة الملك سلمان بالكتاب في معرض الرياض الدولي وحده؛ إذ يشير إلى رعايته معرضين للكتاب نظمتهما جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الأول عام 1982م والثاني عام 1990م، بما يعكس امتداد اهتمامه بالمناسبات الثقافية والكتاب خارج إطار المعرض الدولي نفسه. ويقدم الكتاب في نهايته جدولًا توثيقيًا للدورات التي رعاها الملك سلمان، موزعة بحسب الجهات المنظمة، فيكشف عن خمس دورات نظمتها جامعة الملك سعود، ودورتين نظمتهما جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وأربع دورات نظمتها وزارة الثقافة والإعلام، ودورة نظمتها وزارة الإعلام، وخمس دورات تولت هيئة الأدب والنشر والترجمة تنظيمها. قيمة الكتاب بهذا المعنى، يمكن قراءة «سراج الثقافة ونبراس المعرفة» باعتباره كتابًا ذا طبيعة توثيقية في المقام الأول، يجمع بين الشهادة والاقتباس والرصد التاريخي والأرقام، ليقدم مسارًا متصلًا لعلاقة الملك سلمان بالكتاب ومعرض الرياض الدولي للكتاب. وتكمن أهمية المادة في أنها لا تكتفي بتسجيل الرعاية الرسمية، وإنما تحاول ربطها برؤية أوسع للمعرفة والقراءة ودور الثقافة في المجتمع. فالكتاب يبدأ من علاقة شخصية بالكتاب، ثم ينتقل إلى المكتبة الخاصة، ومنهما إلى المثقفين، ثم إلى معرض الكتاب، قبل أن يتابع تطور المعرض من فعالية محدودة إلى تظاهرة ثقافية واسعة ذات حضور عربي ودولي. ويستند الكتاب في مادته إلى مجموعة من المراجع الصحفية والتوثيقية، من بينها كتاب «معرض الرياض الدولي للكتاب: النشأة والتاريخ والمعجزات» لمنصور بن محمد العساف، ومواد منشورة في صحف المدينة وعكاظ والجزيرة والرياض، إلى جانب مادة لوكالة الأنباء السعودية عن الملتقى الأول للمثقفين السعوديين. وفي خاتمته، يعود الكتاب إلى الفكرة التي انطلق منها: الكتاب ليس مجرد وعاء للمعرفة، وإنما رفيق دائم، والقراءة ليست نشاطًا عابرًا، وإنما طريق مفتوح لا ينتهي. ومن هنا تبدو دلالة عنوان الكتاب «سراج الثقافة ونبراس المعرفة»؛ فهو يقدم الملك سلمان من زاوية قارئ يرى في المعرفة قيمة مستمرة، وفي الكتاب وسيلة لبناء الإنسان والمجتمع، وفي المعرض مساحة تلتقي فيها الكتب بالعقول. وبين صفحات الكتاب، تتشكل صورة لمسيرة ثقافية تمتد لأكثر من خمسة عقود، تتقاطع فيها علاقة الملك سلمان الشخصية بالكتاب مع تطور واحد من أبرز المشاهد الثقافية في المملكة: معرض الرياض الدولي للكتاب.