كتاب أكاديمي يحاول حصر مسيرة خادم الحرمين الشريفين..
سلمان بن عبدالعزيز آل سعود.. سيرة توثيقية.
ليست كتب السير عن الملوك مجرد سرد لتاريخ ميلاد وتولي منصب فقط، بل هي قراءة في تاريخ دولة ومرحلة وزمن كُتب ويكتب وسيحكى للأجيال القادمة. وهذا ما أدركه الأستاذ الدكتور عبداللطيف بن محمد الحميد في كتابه التوثيقي المهم «سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - سيرة توثيقية». الكتاب ليس من كتب المديح المناسباتي التي تكثر عند الأحداث، بل هو عمل أكاديمي متقن وموضوعي، حاول فيه المؤلف - وهو المؤرخ المعروف وعضو مجلس الشورى سابقاً - أن يحصر المسيرة الكاملة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله، منذ نشأته الأولى في كنف والده المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله، حتى توليه مقاليد الحكم. أسلوب التوثيق لا الإنشاء أهم ما يميز الكتاب هو منهجه، حيث أن الدكتور الحميد لم يكتب مقالاً أو قصة فقط، بل اعتمد على التوثيق الببليوجرافي الدقيق وأقصد هنا أن المؤلف اعتمد على قائمة منظمة وموثقة لمصادر معلوماته. وهذا ما أشار إليه الباحث أحمد العساف بأن الكتاب جاء حافلاً بالدلالة، إلى جانب كتاب الأستاذ محمد الراشد «ببليوجرافية مختارة بما كتب عن سلمان». المؤلف تتبع كل ما كُتب عن الملك سلمان: مقالاته هو، وتقديماته للكتب، وكلماته، ومحاضراته التي ألقاها - ومنها محاضرتان مهمتان صدرتا في كتابين مستقلين - إضافة إلى ما كتبه المؤرخون والمفكرون عنه. ابتدأ المؤلف بكتابه بفصل السيرة والشخصية ...ثم نهضة الرياض.. ثم التاريخ والثقافة فالعمل الخيري والإنساني ثم الزيارات الميدانية واختتمها بالرؤى المعاصرة هذا المنهج يجعل الكتاب مرجعاً للباحث والأكاديمي الذي يبحث عن معلومات عن رجل دولة جعل الرياض منارة لعواصم كبرى، لا مجرد قراءة عابرة. الرياض في قلب السيرة: من الإشارات الجميلة التي توقف عندها الكتاب وعلق عليها كثير من القراء، أن الملك سلمان حفظه الله ولد في نفس اليوم والشهر الذي استرد فيه والده الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه مدينة الرياض. وكأنها إشارة بأن يكون هذا الابن هو أمين الرياض وأميرها ومؤرخها وحارس ذاكرتها. ولهذا يفرد الكتاب مساحة واسعة لمرحلة إمارة الرياض التي امتدت لأكثر من خمسة عقود. لم تكن إمارة مدينة فقط، بل كانت صناعة عاصمة من جديد. من مدينة صغيرة من الطين إلى عاصمة من أكبر عواصم العالم. رحلة قراءتي لهذا الكتاب جعلتني أتذكر بعض الجُمل التي رسخت بذاكرتي على سبيل المثال اقتبس جملة من الكتاب عن أحد عوامل نجاح الملك سلمان بأمارة مدينة الرياض «أنه رجل دولة لدرجة جعلت منه ممثلا جيداً للبلاد كلها، كما هي العاصمة التي يتولى مسؤوليتها، فالقادم إلى البلاد يحس بعد زيارته أمير الرياض أنه زار أحد كبار القادة المسؤولين في الدولة». يوثق المؤلف الحميد كيف كان الملك سلمان يومياً في قصر الحكم، أبوابه مفتوحة للجميع، يستقبل المواطنين، ويعرف الأسر والعوائل ويلم بجميع نواحي الحياة الاجتماعية للعاصمة، ويحفظ أنساب الرياض وتاريخها. ولذلك لم يكن غريباً أن يقترح الملك عبدالله رحمه الله على الملك فهد رحمه الله أن يكون الأمير سلمان حينها رئيساً لمجلس إدارة دارة الملك عبدالعزيز، فكانت نفخة حياة جديدة في الدارة، واستمر اهتمامه بالتاريخ حتى بعد توليه مهامه السيادية الكبرى. رجل الدولة والثقافة: كتاب المؤلف الحميد يكسر الصورة النمطية التي عهدناها عن رجل الدولة السياسي ومراحله السياسية والحياتية، بل يبرز لنا أيضا جانباً آخر لسلمان المثقف الرجل الذي عُرف بعنايته واهتمامه بالمخطوطات والتاريخ والثقافة، وحرصه ورعايته لمؤسسات عدة مثل دارة الملك عبدالعزيز ومركز الشيخ حمد الجاسر، وبدعمه لطباعة الكتب على نفقته الخاصة. وهذا الجانب الثقافي هو ما يجعل سيرته تهم كل قارئ وطني، لأنه كان قريباً من كل المناطق، يعرف رجالها وتاريخها، ويقدر أدوار أبنائها البارين بمناطقهم. يضم الكتاب أيضا في الجزئية الأخيرة ملحق خاص بالكتاب يحتوي على بعض الوثائق والمطبوعات والصور الخاصة بالملك سلمان حفظه الله والخرائط الخاصة بمدينة الرياض. لماذا نقرأ هذا الكتاب اليوم؟ في زمن رؤية المملكة 2030، يأتي هذا الكتاب ليجيب عن سؤال مهم: من أين جاءت هذه الرؤية؟ اقتبس جملة قرأتها للكاتب بالمقدمة عن سموه «خمسون عاماً من تاريخ نجد سطرها سلمان بعقله وفؤاده وشبابه ورجاله عمراناً بشرياً فريداً في المجالات شتى: التنموية والاجتماعية والمعرفية والاقتصادية والصحية والعمرانية». الكتاب يوضح أن الحزم والعزم (وهو اللقب الذي عرف عن سموه سلمان الحزم والعزم) والإصلاح الإداري والانفتاح المدروس الذي نراه اليوم في عهد خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده، لم يأتِ فجأة، بل هو امتداد لخبرة 80 عاماً من العمل العام، عاصر فيها الملك سلمان جميع ملوك المملكة، وتعلم مباشرة في مدرسة والده الملك المؤسس عبدالعزيز طيب الله ثراه. الكتاب مقسم بشكل زمني دقيق، يبدأ من أخبار ولادته التي نشرتها صحيفة أم القرى عام 1356هـ وهو ابن سنتين في سفره مع إخوانه إلى مكة، وصولاً إلى المحطات الكبرى في حياته. كتاب الدكتور عبداللطيف الحميد ليس كتاباً يُقرأ مرة ويوضع على الرف، بل هو مرجع و وثيقة وطنية وإرث ثقافي يستحقه الوطن لتخلد أعمال رجل عظيم قاد عاصمة الدولة لمدة تزيد عن خمسة عقود. هذا الكتاب يعتبر عمل يحتاج أن يحذو حذوه باحثون ومفكرون وأكاديميون من كل منطقة لتوثيق تاريخ رجالات الدولة من منظور أكاديمي لا عاطفي. أنصح أن يكون هذا الكتاب في مكتبة كل بيت مواطن سعودي، وأن تُخصص له زاوية «قرأت لك» في اليمامة، لأنه يمنح القارئ شعوراً بالطمأنينة بأن هذه البلاد قامت على أكتاف رجال يعرفون تاريخها جيداً قبل أن يخططوا لمستقبلها.