جاكومتي” نحَّات ورسَّام ومصوِّر وحفَّار، فرنسي، السويسري الأصل، وُلد عام 1901م في سهل “دي بريجاليا” شمال إيطاليا، من اسرة فنية، فوالده المصوِّر الانطباعي “جيوفانّي جاكومتي” وابن عمّ الدادائي “أوغوستو جاكومتي”، وفي عام 1919م أنهى “ألبرتو جاكومتي” دراسته في جنيف، وأقام بعدها فترة في إيطاليا، وفي عام 1922م استقر في باريس، وتتلمذ عند النحات الفرنسي “أنطوان بوردل”، وصبّ اهتمامه في تعابير الوجه الإنساني والجسد، ظهرت في أعماله النحتية Le couple، و”امرأة مِلْعَقَة”، وبعد لقائه بالأديبين الفرنسيين آراغون وبروتون، تأثَّر بالسريالية، ونحت في هذه الفترة، “الكرة المعلقة” و”القصر في الساعة الرابعة”، ومن العام 1935م، بدأ ينحت تماثيل صغيرة، متطاولة الشكل تكاد تكون مسطحة ولا يحيط بها شيء، ومعالم غير واضحة، كأنه ظل إنسان يتحرك خلف الضوء، حيث يصير الوجه الصغير المنحوت نصباً ضخماً، وفي عامي 1935 و1940م، عمل منحوتات صغيرة لا تتجاوز طوله السنتمتر الواحد، وأرادت الأقدار أن تبقى للتاريخ خلال سنوات الحرب، بوجودها في علب أعواد الثقاب، والتي شكّلت تركة فنية مهمة وإرثا خالدا أنتجته الحضارة الغربية على صعيد الفكر التشكيلي، بل تستحق أن تعتبرها تحفاً حضارية، وعلاماتٍ لواقع الزمن والحياة، وشاهدا بصريا لمعاناة الشعوب الأوروبية، تعكس قوة آثار الحرب وتدميرها وهلاكها التي أحدقت بالحضارة الغربية، أثناء الحرب العالمية الثانية، وتعتبر أصدق مفهوم (للحداثة) بمعناه الحصري، بل تطوّرا في الفن، وهذا ما يثبت أثرها العميق في حقبتها وما بعدها واهتمَّام النقاد والفلاسفة والكتّاب والشعراء بتلك الأعمال بفرادتها، واعترفوا أنها تُجَسِّد نحتاً وتصويراً ورسماً وحفراً، لخُلاصات فكرية ومنهجية ورؤية للواقع الإنساني، في سياق العمل الإبداعي، وعلى أهمية تعابير الوجه الإنساني وسيماء الجسد داخل المنحوتة، لإثارة المتأمِّل عليها وتحريضه لمعرفة، بأن (الفن تجربةٍ ذاتية وطابعاً شمولياً) حين تذوب داخل ميادين العلم والتكنولوجيا، لعملية التحديث المشترك بين المَسعيين العلمي والفني، وأهمية التلاقي بين المنحوتة والشكلٍ الميكانيكي، بوسائط تقليدية مثل (الرسم، النحت، الحفر) غرضه منحه اللمحة الجمالية، تتخطى العمل الفني لحظة ابتكاره، وفي عام 1945م، بدأ يرسم بألوان أحادية لأشخاص معزولين لا يحيط بهم شيء، وبعد ذلك راح “جاكومتي” يغير منحوتاته بشخصيات ثابتة، أقدامها ضخمة وكأنها مزروعة في الأرض متجذرة فيها وأجسادها مشدودة متطاولة، ثم نحت شخصيات في وضع حركي مثل “الرجل الذي يمشي” و”الرجل المترنّح”، وفي فترة لاحقة تأَّثر بالحركة التكعيبية في بعض اعماله، بعد اتصاله بالنحات والرسام الفرنسي “هنري لورانس” والليتواني “جاك ليبشيتز” لكن بعد ذلك ترك التكعيبية ولم تعجبه لأنه فن عبثي، واتجه للأعمال النحتية ذات التعابير السادية، كما يظهر في منحوتته “امرأة مذبوحة”، وفي عام 1946م، تأثر بفلسفة الميتافيزيقية، وكيف أن الموت يفرض نفسه في واقعه اليومي، فرسم أعمالا، برؤية مظاهر الحياة تحت أوجه الموت، والحركة تحت مظهر الثبات، وتنوع الواقع المعيشي تحت مظهر الإثباتية النهائية، والتعدُّدية تحت مظهر الفردية، وكأن كل مخلوقٍ يبدو لناظريه كائناً حياً ميتاً في آنٍ واحد، توفي في عام 1966م، وأقيم له في عام 1969م، معرضا ضم اكثر من 300 قطعة من أعماله في النحت والتصوير والحفر الطباعي، في متحف “الأورانجوري” كانت حتى ذلك الحين مجهولة تقريباً. 452