إضطر “طه حسين 1889 - 1973م” إلي كتابة أول رواية سيرة ذاتية عربية عام 1926م، بدافع من الضغوط الشديدة التي جاءت نتيجة التشكيك بعقيدته واتهامه بالإلحاد عند نشر كتابه “في الشعر الجاهلي” الذي تحفظ فيه على نسبة تلك الأشعار إلى أصحابها بالإضافة إلي التشكيك في بعض الموروثات ذات الأهمية الدينية لأنه اعتمد فى هذه الدراسة علي منهج الشك عند الفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارت” والذي كان يتضمن التحرر من المسلمات عند النقد لأجل الوصول إلي الحقائق المجردة وقد اصطدم في تطبيقه بنصوص دينية مقدسة إسلامية وغير إسلامية مما أدي إلي اتهامه بالزندقة والارتداد ووصل الأمر إلي تحليل دمه مما أضطره أن يجلس فيتأمل قصة حياته كي يراجع متي وكيف تحول من حافظ لكتاب الله رفعه نور الإيمان إلي أعلي الدرجات، ودون “طه حسين” مسيرة حياته ببساطة وذكاء وتهكم وسخرية إذ كان قد ابتعد مسافة زمنية كافية عن تلك الأيام فرأها مكتملة واضحة ولم يكن ليتقنها من دون أن يكتشف موهبته بالكتابة فيما قبل عندما منع مع رهط من زملاءه من حضور مجالس بالأزهر لأنهم جادلوا الشيخ وتعلم “طه حسين” من هذه السابقة أن الكتابة قد تكون طوق نجاة وعلاجا فاعلا للاضطرابات والأوجاع النفسية التي كان يتغلب عليها في طفولته بالقصص والحكايات التي كان يعشقها وكانت هي الحلوي التي يسعد بها غيره من الناس. كتب “طه حسين” قصته مع العلوم الدينية وحفظ كتاب الله والتحاقه بالأزهر ثم دراسة الأدب والبلاغة والسفر إلى فرنسا والنظريات الفلسفية الأدبية التي فهمها بكل تفاصيلها كما كتب عن رفضه المعلن للتصوف وجداله مع والده وغيره من الناس وكيف أفسح له أبوه المجال كي يجادل ويناقش ويحاور آملا أن يزداد نجله فهما لأمور الدين، وكان أبوه محب للعلم والعلماء، ولذلك رغب الفتي في الالتحاق بالأزهر مع أخيه الأكبر الذي لم يكن طالباً عادياً وإنما كان شيخا مجداً وخطيبا مفوها يخطب الجمعة يؤم المصلين كلما عاد من القاهرة. حفظ “طه حسين” القرآن ولم يكن قد أتم التاسعة من عمره وقد أسعد ذلك أباه وأقلقه لأنه لم يكن قد دبر بعد هدية شيخ الكتاب علي هذا الإنجاز ورغم ذلك رحب والده بالأمر، وهنا يبرز الجانب المثيرمن مسيرة طه حسين والذي أعطاها قيمتها السردية والإبداعية وجعلها موضع اهتمام صناع الدراما وهي تلك المواقف المعقدة حيث لا تمضي الأمور فيها دائما بتلك السلاسة التي نتوقعها ونتمناها وإنما كانت تتحطم في أحداث حياته أفق التوقعات فبينما يرتب الأب أموره على أنه سوف يتباهى أمام الناس بأن ابنه الكفيف النحيف الضعيف قد أصبح قوياً بحمل كتاب الله نسي الفتى ما حفظ وكأنه لم يقرأ آيات الكتاب الكريم لأول مرة في حياته ويغضب الأب من ذلك ويراجع الشيخ الذي يقسم له أن الفتى أتم القرآن ويا له من موقف ألم بالفتي أن ينسى ما حفظ من كتاب الله لكنه طه حسين صاحب الشخصية الدرامية غير التقليدية التي لا يجب أن تجري أمور حياته مستقيمة وطبيعية لأنه لا يجب أبداً أن يكون كما يكون الناس ولا يعقل أن تمضي حياته كما تمضي حياة الناس ويقرر الشيخ أن يعيد الكرة ويبدأ من البداية ويحاول أن ينقش في رأسه القرآن نقشاً كي لا ينساه ولا يمضِي بضعة أشهر حتى يختم طه حسين القرآن ويبلى بلاءاً حسناً يليق به، ويبرر شيخ الكتاب ذلك بأنه جاء نتيجه أن الأب أراد في المرة السابقة أن يمنعه مكافأته ولذلك منحه الأب هذه المرة عباءة فخمة كان يحب أن يتباهى بها أمام الناس لكن لا شيء عنده أهم من أن يكون (طه) عالماً من علماء الأزهر وشيخاً من شيوخه، وقد أصبح من اليوم وبعد ختم القرآن “الشيخ طه” وعليه فقد طلب الأب من شيخ الكتاب أن يحافظ على تلك الأمانة التى يحملها الأبن فجعله يتردد على الكتاب يومياً لكي يراجع ما حفظ لأن حياة العلم مراجعته وعليه أن يحتفظ بما حفظ من كتاب الله لكي يحصل على إجازة الأزهر ويلحق بأخية بالقاهرة التي لم تأتيه عاجلة وإنما أتته آجلة إذ كان ينبغي عليه أن يقضي مزيداً من الوقت قبل أن يجد نفسه ملتحقا بدروس الأزهر، ولم يتوقف الفتى عند ذلك لأنه وجد بحسه السردي العميق أن ذلك لا يخدم القضية ولا يقدم أو يؤخر في تلك السردية التي ينسجها نسجاً ويحاول أن يُعبر فيها بقدر ما أمكنه التعبير عن مجريات الحياة من وجهة نظر شخص كفيف يرى ما يرى بأذنيه ويخشي ما لا يخشاه الناس من أي صوت لا يعرف بدايته ولا منتهاه، ويصف لنا الفتى ساعات من الخوف التي كان يقضيها في ظلمات الليل وحيدا مع أصوات لا يفهمها بالقرية عندما كانت تنام عائلته ويجافيه النوم وبالقاهرة عند غياب أخاه وهي أصوات لقوارض وحشرات، يحكي عن خوفه منها وكيف كانت تحول بينه وبين النوم وكان ينتظر عودة أخاه بالقاهرة كي تضاء الحجرة فيحد الضوء من حركات تلك الحشرات ويخبرنا طه هنا أن النور وإن لم يكن مرئياً للمكفوفين فإنه يؤنس وحدتهم وغياب النور يجعل منها أشباح خيالية مخيفة، وهكذا في أيامه عبر طه حسين عن الأوجاع النفسية للمكفوفين، ولا شك أن البيئة المحيطة بطه حسين كان لها دور كبير فى أن يكون وهو الكفيف النحيف عميداً لكلية الآداب بالجامعة المصرية لأنها هيئت له ظروف التفوق والنجاح الذي أغشي عيون أعداؤه فلم تأخذهم به شفقة لأن كف بصره لم يمنعه الرؤية. كانت أيام “طه حسين” حبلي بمواقف تعرض لها نتيجة شجاعته في الجدال والرد على شيوخ الأزهر وعلمائه والذي كانت نتيجته تعرضه للمعايرة واللوم والإهانة ولذلك كان استدعاء سيرة هذه الأزمات هي الترياق والعلاج لما شعر به من ألم نتيجة اتهامه بالكفر والزندقة وهو أبعد الناس عن ذلك فهو إنسان متدين بالفطرة لأنه نشأ ببيت مسلم وقد أتم حفظ القرآن بالتاسعة من العمر وما كان الله ليحفظ كتابه بقلب الفتى لو لم يسيطر الإيمان علي قلبه الذي عاش عامرا بحب الله يمضي في نور الله الذي أنار بصيرته بالإيمان ووفقه للوصول إلي هذه المرتبة الرفيعة بالمجتمع الذي سبب له الإحراج والإهانة أمام ابنته وولده ولذلك وجه لهما روايته في الأيام كأنه يقول لهما هذا والدكم الذي يكفرونه اليوم وهو ليس بكافر وبالطبع سرعان ما تدخلت الجامعة وأثبت التحقيق الرسمي أن ما كتبه كان لأسباب علمية وثقافية ثبت بالمستندات الرسمية أنها تعكس تطبيقات عملية لنظرية أدبية أجنبية تمضي في سياق علمي لا يقصد أي إساءة إلي مقدسات الأديان وتأكيدا لصفاء النية عمد طه حسين إلي حذف كل ما تسبب بسوء الفهم ونشر كتابه مجددا خاليا من أي لغط أو إساءة وعاد صاحبنا من أزمته ومعه أول رواية سيرة ذاتية في الأدب العربي.