تشكّل العلاقة بين الماء والهويّة الصحراويّة محورًا مركزيًّا في تجربة الشاعرة السعوديّة فوزيّة أبو خالد، وهو ما تؤكّده الشاعرة بإعلانها أنّ الماء «مكوّن عضويّ ومركزيّ وأساسيّ من مكوّنات مشروعي الشعريّ». ويأتي ديوان «ماء السراب» (1995) ليجسّد هذه العلاقة، حيث يُقدّم الماء بوصفه هويّة وجوديّة تعيد تعريف الذات الصحراويّة وعلاقتها بالعالم. والمتأمّل في فضاءات الديوان يدرك أنّ الماء يحضر في تشكيلات متعدّدة: سرابًا، ومطرًا، وندىً، وبحرًا، وماء رحم، وحبرًا، وكلّ تشكيل يحمل دلالة وجوديّة مختلفة. وتطرح هذه الدراسة سؤالاً مركزيًّا: كيف يُعيد ديوان «ماء السراب» تشكيل الذات الصحراويّة عبر استدعاء الماء بوصفه هويّة وجوديّة؟ وما الآليّات اللغويّة والصوريّة التي يحوّل بها النصّ الماء من دلالة مادّيّة إلى دلالة هويّاتيّة؟ وتنطلق الدراسة من فرضيّة مؤدّاها أنّ الماء في هذا الديوان لا يقتصر على كونه رمزًا للخصب والحياة، إنّما يتحوّل إلى عنصر وجودي يُشكّل الهويّة ويُحدّد علاقتها بالصحراء والجفاف والذاكرة. يتأسّس الفضاء الشعري على جدل مركزي بين الماء والجفاف. ففي قصيدة «مخالعة» تقول الشاعرة: «خَلعَت أسنان اللبن وتمضمضت بالحب . «يتحوّل الحبر من مادّة للكتابة إلى ماء يُطهّر ويعيد تشكيل الهويّة، فالتمضمض بالحبر طقس تطهيري يُمحى به اللبن -رمز الطفولة والبدايات- لتُكتب مكانه هويّة جديدة. هذا الفعل يحمل دلالة التخلّي عن هويّة الطفولة والانتقال إلى هويّة الكتابة والإبداع، حيث يصير الحبر ماءً يغسل آثار الماضي ويؤسّس لحاضر مغاير. واللبن هنا رمز للرعاية الأولى والانتماء الأوّل، فخلع أسنان اللبن يعني تجاوز مرحلة الطفولة، والتمضمض بالحبر يعني تطهير الفم من أثر اللبن واستبداله بماء الكتابة، وكأنّ الشاعرة تعيد تكوين ذاتها من خلال اللغة. وتؤكّد في قصيدة «الماء»: «غمسَت أصابعها في الصحراء وكَتَبت بماء السراب قصيدة» . تجمع الشاعرة بين الصحراء (فضاء الجفاف) والماء السرابي (فضاء الوهم) في فعل كتابة واحد، فالكتابة هنا تولد من تزاوج الضدّين: الجفاف والرطوبة، الواقع والسراب. والأصابع التي تغمس في الصحراء توحي بلمس التراب والرمل، أي الاشتغال بالمادّة الصحراويّة القاحلة، ثمّ تحويل هذه المادّة إلى كتابة بماء السراب، وكأنّ الكتابة تحوّل الجماد إلى حياة، والوهم إلى حقيقة. والماء السرابي مداد الكتابة الذي يمحو أكثر ممّا يثبت، ما يشير إلى أنّ الهويّة التي تُكتب بهذا الماء هويّة قابلة للتحوّل والتشكّل الدائم، لا تستقرّ على حال، تعيد تشكيل نفسها في كلّ مرّة. وتضيف: «وكتبت بماء السراب قصيدة» ، فتكرار الفعل يؤكّد أنّ الكتابة بالماء السرابي هو منهج وجودي يقوم على إعادة تشكيل الذات عبر استدعاء الماء في غيابه، فالسراب لا وجود له لكنّ الكتابة به تمنحه وجودًا. وتتجلّى استراتيجيّة التهريب الدلاليّ في قصيدة «نافورة» حيث تقول: «غافلتني كملكة لا تريد أن ترى الرعية نزواتها، قطفت نجوم المساء وملأت القصيدة زبيبا وتينا وماء زمزم»، تتحوّل النافورة من مصدر ماء إلى كائن ملكي يختفي ويفاجئ، ما يُخرِج الماء من حيّز الفيزياء إلى حيّز الوجود والأسطورة، فالنافورة ملكة لها إرادتها وحضورها وغيابها. والماء هنا يتّصل بالتراثي (زمزم) والطبيعيّ (الزبيب والتين) معًا، ليُنتج هويّة صحراويّة تعيش في حالة ترقّب واحتمال دائمين بين الجفاف والخصب. فماء زمزم يمنح القصيدة بُعدًا تراثيٍّا، والزبيب والتين يمنحانها بُعدًا طبيعيًّا أرضيًّا، والجمع بينهما يُنتج فضاءً شعريًّا تتلاقى فيه الأرض والسماء. وتقول في قصيدة «سؤال»: «سكَبَت السراب على الرمل وشكّلت عرائس مطر وأشرعة تبحر». السراب يُسكب كسائل حقيقي، والرمل يصير مادّة لتشكيل عرائس المطر، والأشرعة التي تبحر توحي بتحوّل الصحراء إلى بحر. هذه العمليّة الدلاليّة تعيد توزيع خصائص العناصر: السراب يصير حقيقة وجوديّة، والرمل يصير ماءً، والصحراء تصير فضاءً للاحتمال لا لليأس. وسكب السراب فعل اختياري، أي أنّ الذات هي التي تقرّر تحويل الوهم إلى حقيقة، والجفاف إلى خصب، وهذا يكشف عن إرادة وجوديّة تتجاوز الواقع المادي. وتقول في قصيدة «طفلتان»: «نتراشق بماء السراب» ، إذ يصير الماء السرابي لعبةً بين الذوات، فيحوّله من عنصر نادر مطلوب إلى فضاء للتواصل والتراشق الشعري، والتراشق يوحي بالتفاعل والتبادل، وليس بالصراع، ما يجعل الماء فضاءً للعلاقة لا للحاجة. فالماء السرابي ليس ماءً يُشرب، لكن ماء يتقاذفه الأطفال في لعبهم، أي أنّه يصير أداة للفرح والمشاركة، وليس للبقاء والاستمرار. ويتّصل هذا الفضاء بفضاء الزمن الدائري، حيث لا يتقدّم الزمن خطيًّا بل يعود على نفسه. تقول الشاعرة في قصيدة «ما بعد الوقت»: «أصف قوارير الوقت / ساعة.. يوماً.. هلالاً.. وأبداً.. / أعبئ سنوات العمر بهذا الفراغ المريع / شيئاً من الشعر / قليلاً من العشق / كثيراً.. كثير من الحزن وتباريح الحنين». يتحوّل الماء -المقترن بالزمن في صورة الساعة والهلال- إلى وعاءٍ يُعبّئ العمر، فيجعل الماء شرطًا للوجود الزمني ذاته، فالوقت يصير ماءً يُعبّأ، والعمر يصير وعاءً يمتلئ بهذا الماء، والشعر والعشق والحزن كلّها عناصر تملأ هذا الوعاء. وتُؤكّد الشاعرة علاقة الماء بالهويّة في قصيدة «مجاسدة» حيث تقول: «من شرفة شقتهم الضيقة كنعش تدلي جسدها الفاره كعرش وتغسل شعرها في النهر البعيد». يتحوّل النهر البعيد إلى فضاء للخلاص، حيث تغسل الذات الصحراويّة أغلالها بماء لا يحضره الجسد إلّا عبر الخيال الشعري، والنهر البعيد يوحي بأنّ الخلاص لا يتحقّق في الواقع المباشر، بل في فضاء القصيدة والذاكرة. فغسل الشعر في النهر طقس تطهيري وجمالي، لكنّ النهر بعيد، أي أنّ التطهير والجمال لا يتحقّقان في الحاضر المباشر، بل في الأفق الشعري والبعيد. وتقول في قصيدة «مخالعة» من خلال فعل «التمضمض بالحبر»: يتحوّل الحبر إلى طقس تطهيري يُعيد تشكيل الذات، فالحبر، عندها، فضاء وجودي يُمحى به اللبن ليكتب مكانه هويّة جديدة، وهذه العمليّة التطهيريّة تعيد تعريف الهويّة عبر محو الماضي وإعادة كتابته بماء الحبر. وتقول: «نشرت مهجتها القرمزية في وهج الشمس وانتظرت في ظلها حتى تجف كثوب لا تملك سواه» ، فالجسد ينتظر أن يجفّ كالثوب، إذ يُوحي بأنّ الماء هو ما يمنح الجسد هويّته، وأنّ الجفاف هو فقدان الهويّة نفسها، فالجسد المبلّل هو جسد حيّ يحمل هويّته، والجسد الجافّ هو جسد ينتظر أن يُمحى أو يُعاد تشكيله. تُؤكّد هذه الدراسة أنّ ديوان «ماء السراب» يُشكّل نقلة نوعيّة في العلاقة بين الذات الصحراويّة وعنصر الماء، حيث لا يقتصر الماء على كونه رمزًا طبيعيًّا، بل يتحوّل إلى هويّة وجوديّة تعيد تعريف الذات وعلاقتها بالعالم. والصحراء والماء والجفاف والخصب، بقيت كما هي في مادّيّتها، لكنّها تحوّلت في دلالتها وعلاقتها بالذوات، وهذا تحوّل لا يُغيّر الأشياء إنّما يُغيّر نظر الذات إليها. وتُسهم هذه الدراسة في كشف زاوية بحثيّة جديدة حول تجربة الشاعرة، وتفتح آفاقًا لتأويلات متجدّدة لديوان يُعدّ علامة فارقة في مسار قصيدة النثر في الخليج والوطن العربي. * ناقد وباحث سوريي