ماذا أُسَمِّيك ؟ جَلَّ الاسمُ والعَلَمُ وجلَّ،يا موطني،في وصفكَ الكَلِمُ سيَّانَ في حبِّك الأسماءُ،كلُّ هوى يُفضي إليكَ، وكلُّ الأغنيات فَمُ ضَمَمْتَ دعوةَ إبراهيم فانبثقَتْ آياتُ أحمدَ،دانَ العُرْبُ والعجَم . برزت الشاعرة شقراء المدخلي في مرحلة متأخرة من التاريخ الشعري في منطقة جازان،وكان هذا طبيعيا ومؤاتيا للظرف الاجتماعي والتعليمي السائد في المنطقة،وشقراء المدخلي الشاعرة التي يصدق فيها التوصيف بالفرادة،وليست الوحيدة بالطبع في جيلها،فهنالك غيرها من الشاعرات في الجيل المتأخر،ولكن تفوق إنتاجها الشعري بشموليته على المستوى الموضوعاتي وجودته على مستوى الأداء الفني،وامتازت بحضورها النسوي المتواصل والمشتبك مع طبيعة الظرف الآني،وأخيرا اُختصتْ بميزة اختيار أحد نصوصها (ترنيمة لوطن سماوي) ليدرج ضمن منهج الأدب العربي وتاريخه للصف الثالث الثانوي بالمعاهد العلمية التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية،وختاما فازت بمسابقة الشعر في الدورة السادسة لجائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية في الآداب والفنون للعام ٢٠٢٤ عن ديوانها (صوتٌ ذاهلٌ كالحزن) . (الآنَ،صوتُكَ،ذاهلٌ كالحزن،كن نايا ،لتنتفضَ الحكايةُ،في زجاجاتِ النبيذِ،ويحتسي المعنى السلامُ) . ولنا أن نقف على العنونة وهي العتبة الأولى في هذا الديوان،فالصوت هو الآلية التعبيرية التي يتوسلها الإنسان ويوظفها في حياته كثيرا،وهو إشارة قوية على فاعلية الوجود البشري الذي يرتجي البوح،و»ذاهل» ملفوظ يدلُّ على معانٍ متعددة،ولعل أقربها هنا تلك الحالة الذهنية المؤقتة التي تعتري الإنسان في حال من عدم التهيّؤ للحدث الطارئ فيتبدد على إثرها الفكر وتتقلص القوى الذهنية ولا تسنح الفرصة بالتركيز في موضوع محدد متعين،وتحول حالة الذهول بين المرء وقلبه، يقول الشيخ ابن عاشور في التحرير والتنوير في تفسير الآية ( يوم ترونها تذهل كلُّ مرضعة عما أرضعت) ما نصه : الذهول نسيانُ ما مِن شأنه ألا يُنسى لوجود مقتضي تذكّره،إما لأنَّه حاضرٌ وإما لأنَّ علمه جديد، وإنما يُنسى لشاغل عظيم عنه،فذكر لفظ الذهول هنا دون النسيان؛ لأنَّه أدلُّ على شدة التشاغل . والذهولُ الغفلةُ عن الشيء بطروء ما يُشغِلُ عنه من همّ أو وجع أوغيره،كما قاله ابن عطية في المحرر الوجيز والملفوظ»ذاهل»هنا يعني الصدمة والانشغال والصمت إزاء تحولات الحياة وتقلبات الزمان . ويأتي التشبية في عتبة العنوان «كالحزن» دالا على انكفاء الصوت الذاهل على ذاته وعودته الى الصمت يلوذ به،وكأنه يتوغل في نفسية الإنسان ويقطع عنه التواصل الطبيعي بالبيئة المحيطة به . وهنا تبرز الإمكانات اللسانية التي يحتويها العنوان المستند إلى التركيب الاستعاري،وينهض معتمدا على الاختيار المجازي لإضفاء نوع من الأنسنة على الحزن لإكسابه عمقا إنسانيا وتجذرا في التجربة . وإذا انتقلنا سريعا إلى عتبة الإهداء،وهي بالطبع أساسية في تأويل النص،فإننا سنكون في مواجهة مع شحن عاطفي جلي يحمل كما إشاريا عاليا وموحيا،وصيغت بلغة موحية في رمزيتها،ومكثفة في معانيها، ومحمولة على جناحين من التضادات بين الطفولة والأمومة على سبيل التمثيل،وهذا ما ترنو إلية عملية الإهداء من لفت أنظارنا إلى الأذعان لمرحلة هامة من العمر حينما كانت أنثى النص في السن المبكرة في غفلة من صروفات الزمن وحدوده، الزمن الذي يمضي،وإن كانت آثار الملامح الطفولية باقية في ذكراها وعالقة في تذكرها،وهنا مكمن التوترات الحادة والجادة الناتجة من خلود الذات النصية في طفولتها،واستشعارها بصفة عدم الإقرار بمرور الزمن وانحدار السنوات،في مقابل الساعة والآن حيث وقعت المباغتة،خاصة إذا تذكرنا الإشارة الأولى «ذاهل» في العتبة الأولى للعنوان،فالحاضر يتطلب حقوقا وواجبات،ولكن الذات تحاول أن تبعدها وتتناساها فانشغلت ونسيت أنها تكبر . والأسلوب البنائي قائم على حنكة التناول وعلى خبرة الصياغة اللغوية،وعلى اتخاذ المفارقات الضدية مثارا للدهشة بين الطفولة اللاهية والطفلة التي باغتتها مسؤوليات الأمومة،وكذلك المقابلة بين عرائس القش والذهول المفاجئ،جراء تبعات عوامل الزمن، ومن الجلي التضاد بين الماضي البهي البريء وبين الذهول المباغت من الأمومة المبكرة وشجونها ومكابداتها في ظرفية الآن والحاضر،وإن كانت بلغت سنّ النضج بما يعقبه من مسؤوليات ورعاية لأفراد أسرتها الصغيرة . (إلى الطفلة العالقة بين عرائس القش وحرائق الياسمين،الطفلة التي باغتتها الأمومة،فانشغلت بها،ونسيت أن تكبر) . أوكما تقول شقراء المدخلي في نص بعنوان « كأسٌ ثامنة» : (ماضٍ تصرّم،كيف يغدو حاضرا،من دون وعدٍ والأماني فيلقُ / مازلتُ،للتَّحنان أمنحُ قلبي،وأقول: قافلة الغياب ستمرقُ / يا كلَّ،مَنْ أهوى،الحنينُ مكيدةٌ،وأنا بأطياف الحنين أصدِّق ) . ابتداء لا شك أنَّ صاحبة النص أنثى،وهي أنثى شاعرة، أي إنها تشعر بمدى أعظم مما يشعرُ به غيرها من الأناث الأخريات،والذات النصية هنا أنثى يملؤها التوجس وتفكيرها مترع بالقلق ويتقاسمها الحزن . والنصوص هنا تستجيب لتلك الذات الأنثوية المتوترة التي تفتش عن دعوات أناتها في أعماقها الداخلية، وهي تبحث في حضورها الوجودي الخارجي وتفحص وعيها الإنساني في بواطنها،وهي تستقصي معاني حياتها الخاصة والعامة،وتقيس بين مآلاتها وتقارنها،وتتفحص مسيرتها وسط بيئتها الاجتماعية،ولكنها أثناء كل ذلك قد ترتطم بواقع لاذع،وقد تشتبك مع عالم مغاير،وربما تكون هذه العوالم متشددة ومنغلقة وغير متسامحة،وهي عوالم موجعة ويغلب عليها الحذر وفيها الكثير من المهيمنات،وتحكمها غلبة السيطرة الذكورية،وفي هذه البيئات يسودها كثير من المعوقات التي تبتغي السيطرة وتتحاشى غالبا النبوغ الفردي من الأنثى المبدعة وخاصة إذا كانت الأنثى مفارقة في طرحها للمجتمع ولو كانت تلك الطروحات على الصراط الواضح الذي لا خلل فيه .(هل سيبتكرُ الغواة هناك بعدا آخر للحبِّ ؟،هل للكائن العبثيّ في هذا السديمِ ،الحقُّ في تقبيل أنثاهُ الوحيدةِ ،هل تجرّمه القبيلة،وإن تمادى في التغزّل باسمها؟) . هذا الاصطدام بين الفردي المبدع والجمعي المحافظ له إيجابياته على الذات المبدعة من حيث تشديد التمسُّك بالرأي المبادر المستقل الذي مرَّ بمصافي التبعية الجمعية وانفرد بإبداعه ونبله وبجودة إنتاجاته،وانخرط بثبات في سلك دروب جديدة وجديرة بلفت أنظارنا إلى صنف خاص من التجديد، وتشرع الذات المبدعة في إبهارنا في طرق تجويدها للتراكيب اللغوية المستحدثة وهي تعالجها في الميدان اللغوي،فتكون اللغة ساحة فسيحة تملؤها هذه الذات المبدعة بفنونها الجميلة،وتكون اللغة مضمارا رحبا للذات المبدعة تفرِّغ فيه طاقاتها المختزنة،وتكون اللغة مثل الأسفنجة التي تمتصُّ جهودها الخلاقة وتستوعبها ؛ولذلك نرى النصوص متخمة بلغتها البديعة الراقية وبأسلوبها الأنيق بعدما تسللت المجازات المبتكرة والاستعارات الاستثنائية والصياغات المحكمة التى بدورها عززت ورود الأنماط اللغوية المعاصرة في المجموعة،وكل ذلك أوصل إلى تلبية حاجات الذات الأنثوية الشاعرة وإلى بلوغ رغائبها في الحرية الإبداعية وإلى الاسترسال في ممارسة هواياتها النصية باحترافية ماتعة،ولنا أن نستشعر نشوء تشكيلات لسانية ناجزة تأخذ نصيبها من الإدهاش،ولم تتيسّر لحظات الدهشة من فراغ فكري ولا من خواء احترافي في الصنعة اللغوية،وإنما حيازة كل ذلك ناتجٌ عن وعي لغوي متجذر وقائم على التخصص،وقبل ذلك على موهبة فطرية احترافية،وهذا الاحتراف التركيبي للنص يتطلب معجما لسانيا خاصا،ويستدعي خزينا لغويا استثنائيا يلبي متطلبات التشكيل النصي المرغوب فيه فنيا حتى تتحقق المتعة الفنية في المجموعة،وهذا التوظيف يدعو إلى إعجابنا بإنجازات الديوان في الوصول إلى حساسية لغوية متفردة .(في أضلعي،الطفل الذي أنجبتُهُ،ودسستُ فيهِ تجبّري وإبائي / ومعي،يماماتي التي أطلقتُها،لتذيع للدنيا لحونَ غنائي / لم أنكسرْ ،رغم الرياح لم يزلْ،صوتي يقاوم سطوةَ الأصداء / ما زلتُ،أبتكرُ الأمومةَ كلما،عطش الرضيعُ وجفَّ نبعُ الماءِ ) . لا شك أنَّ العلاقة بين الزمن والأنثى سباقية غير متوائمة،فالأنثى تودُّ أن تنجز أحلامها وطموحاتها في حياتها بصورة أسرع وبطريقة أذكى؛لأنها تعلم أنَّ زمن الحياة قصير،والإنسان محدود في زمانه وفي مكانه،ولذلك كانت للمرأة نظرتها الخاصة للزمن ولها ارتباطها الخاص بالوقت،واحترامها للزمنية يجعلها دائمة التوجس وعميقة التفكير لاغتنام الفرص المتاحة،ولكن دوما ما يفاجئنا الزمن بأحداث غير متوقعة فنظل عالقين في زمنية محددة نودُّ ألا نغادرها ونشتهي استرجاعها لو انصرفت،والذات النصية هنا تراعي بحذر زمنها النفسي وخاصة في النصوص (ظمأ،حمى الأسئلة،اغتراب،عند مفترق الظلال،على هامش العمر ،عزلة) والنصوص بعامة اشتغلت على مرتكز أساس وهو البوح الذاتي لأنثى النص،والنصوص أقامت جدلية حوارية بين الأنا الماضية بما تحمله من براءة وعفوية والأنا الحاضرة الآن المثقلة بوعيها الآني الذي كبر وتوسع مع تقدمها في العمر، وأصبحت الأنا النصية تعايش مسؤولياتها الجديدة والمستمرة وهذه «سنة الحياة» فالإنسان يتوهم أنّه إذا كبر وتجاوز به الزمن فسيكون أكثر اطمئنانا وأرحب حياة وأقل مسؤوليات،بينما الواقع يناقض ذلك،بل مع تقدم العمر تزداد جرعات الكدح والمكابدات، فعندما كنا صغارا كان التفكير منصرفا إلى الحاجات الفردية ولكن مع المضي الزمني تتوسع دائرة المسؤوليات لتشمل الذات والأسرة والأهل والوطن؛ولذلك نلمس القلق المقيم في بعض النصوص،ونشاهد المحاولات المستميتة للإمساك بعجلات الزمن الراهن وكبحها والاستدارة للوراء لمسك ملامح طفولة غائبة خلف تخوم الأيام،ومازال البحث دؤوبا عن تلك الفتاة الصبية التي داهمتها مشاغل الحياة الأمومية المبكرة،ومن جهة أخرى تحاول المجموعة استدراج زمن ماضٍ لمقاومة واقع لا يخلو من تحولات العمر ومن خشونة واقع معيش،ونقرأ في المجموعة رثاء للماضي الذي اُختلس منا جميعا ومن الذات النصية الشاعرة مخلِّفا صوتا ذاهلا وتاركا حزنا غائرا . (يعتادني، شوقي،القديمُ،إلى زجاج العمرِ،أركض في أزقتهِ البعيدةِ، أسألُ الحارات عن بنتٍ تبادلُ سُكّرَ الأيامِ، بالضوء المعلّق في فوانيس الهجاءِ) .