«بدايات» وبين «أحفادي»..

القشعمي من سيرته إلى سيرة أحفاده .

لم نعتد كثيرًا أن يكتب الأديب عن أحفاده بوصفهم مادة أساسية لعمل مستقل. فالكاتب غالبًا ما يعود إلى نفسه، يستعيد طفولته وشبابه، أو يكتب سيرته وما مر به من تجارب ومواقف، وقد يكتب عن جيله والمرحلة التي عاشها. لكن الأديب والمؤرخ محمد القشعمي اختار في كتابه «بين أحفادي» أن ينظر إلى تجربته من زاوية مختلفة؛ فيكتب عن أسرته، عن والديه وأبنائه وأحفاده، وما بقي في ذاكرته من حكاياتهم وتفاصيل حياتهم. وأجدني وأنا أقرأ الكتاب أستعيد أكثر من عشرين عامًا جمعتني بأبي يعرب، حين عملنا معًا في مكتبة الملك فهد الوطنية. خلال تلك السنوات عرفته عن قرب، ورأيت كيف كان البحث يستحوذ على اهتمامه؛ يتتبع المعلومة من مصدر إلى آخر، ويعود إلى التفاصيل الصغيرة التي قد يتجاوزها غيره. كان يمضي وقتًا طويلًا في تقليب أعداد الصحف القديمة، يبحث عن اسم أو خبر أو معلومة مهمة. ومن هذا الشغف خرجت أعمال أدبية كثيرة له، ومنها اشتغاله على «بدايات الصحافة السعودية»؛ فقد كان يستخرج من الصحف ما يساعد على استكمال مرحلة تاريخية وتوثيق جوانبها التي قد تغيب مع مرور الوقت. فالرجل الذي قضى سنوات ينقّب في الصحف اتجه هذه المرة إلى بيته، يبحث فيما علق في ذهنه وأوراقه عن تفاصيل جيل يراه يكبر أمامه. تغيرت طريقة البحث، لكن شغفه بالتوثيق ظل حاضرًا؛ فكما كان يحفظ ما يعثر عليه في الصحف، أراد هذه المرة أن يحفظ شيئًا من ذاكرة أسرته في كتاب. وأنا أقرأ «بين أحفادي» لم أستطع أن أفصل الكتاب عن «بدايات»؛ ففيه عاد القشعمي إلى طفولته وسنوات تكوينه، واستعاد من خلالها جانبًا من البيئة والمجتمع اللذين نشأ فيهما. أما هنا، فإنه يترك مساحة من سيرته ليتوقف عند أبنائه وأحفاده، وما كتبوه وما أنجزوه، وما يراه في شخصياتهم من ملامح تستحق أن تُحفظ. هناك كان يستعيد سيرته، وهنا يفتح سجل الأسرة على جيل جديد. ويبدأ بالوالدين، فيستعيد في الفصل الأول سيرة والده الشيخ عبد الرزاق القشعمي، الذي فقد بصره في طفولته، لكنه أقبل على العلم، حتى أصبح معلماً للقرآن الكريم والعلوم الشرعية، ونال الشيخ عبد الرزاق شرفاً عظيماً في عام 1336هـ، حيث أمَّ جلالة الملك عبد العزيز في جميع صلوات شهر رمضان المبارك في قصر الحكم بمدينة الرياض. كما يستعيد ذكرياته مع والدته حصة القشعمي، في نص يحمل قدرًا واضحًا من الحنين والحزن الشديد على فقدانها. فيذكر أنه رغم كبر سنه وتجاوزه الثمانين، إلا أنه لم يعرف معنى اليتم الحقيقي إلا بعد رحيل والدته، واصفاً إياها بأنها المخلوق الوحيد الذي يظل يراك طفلاً مهما تقدمت بك السنوات. ثم يأتينا الفصل الثاني والمخصص للأبناء والأحفاد، فيسجل أسماء الأبناء العشرة وأحفادهم وأسباطهم، في عمل يتجاوز مجرد التعريف العائلي إلى حفظ شجرة الأسرة وتفاصيل جيل قد لا تتوافر عنه مثل هذه المعلومات بعد سنوات. أما الفصل الثالث، فيكشف جانبًا أكثر خصوصية في شخصية الجد، ليضم رسائل وجهها القشعمي إلى أحفاده في مناسبات مفصلية، كالتخرج والزواج. وفي رسائله إلى «فّي» و»عبد الرحمن» و»عمر» و»سليمان» و»نجلاء» و»ريوف»، لا يكتفي بالتهنئة، وإنما يقدم لهم خلاصة من تجربته في الحياة؛ يحثهم على التفاهم، والجد والاجتهاد، ومواصلة التعليم، والالتزام، والصدق، وخدمة الوطن، والصبر والحكمة في بناء حياتهم الأسرية. وهذه الرسائل، في رأيي، من أهم ما يمنح الكتاب قيمته الإنسانية؛ لأنها لا تحفظ المناسبة فحسب، وإنما تبقي على رأي الجد في لحظة معينة من حياة أحفاده. وقد تبدو هذه الكلمات في وقتها مجرد رسائل عائلية بين جد وأحفاده، لكنها مع مرور السنوات تصبح جزءًا من ذاكرتهم، وتكشف عن القيم التي أراد أن يتركها لهم، وعن نظرته إلى التعليم والعمل والزواج والشؤون الاجتماعية. ثم يأخذنا الفصل الرابع إلى مساحة الإنتاج الكتابي للأحفاد، فيشتمل على نماذج من مقالاتهم وكتاباتهم، ومنها سيناريو «خالد وهند» لفّي المحمد، وقصص نجلاء اليعرب، وكتاب «معن، طفل التوحد» لجنان الصيخان، ونشرة «احتتفاء بجهود تستحق التكريم» لوجد العبد العزيز، وقصة «نقطة تحول» لشَدن العبد العزيز. وتستوقفني هنا قصة «نقطة تحول» تحديدًا؛ فقد كتبتها شَدن وهي في العاشرة من عمرها، وتناولت فيها التنمر المدرسي، وأهمية مساعدة الآخرين، والاجتهاد في الدراسة، وعدم الاستسلام للصعوبات. احتفت بها مجلة «اليمامة» في تحقيق صحفي تناول شغفها المبكر بالقراءة والكتابة. وليس المهم في إدراج هذه التجربة أنها عمل أدبي مكتمل، وإنما أن الجد التفت إلى المحاولة الأولى، وحرص على حفظها ضمن تاريخ الأسرة. وفي اللقاء الثقافي الذي أقيم حول الكتاب في «قيصرية الكتاب» بالرياض في 17 أغسطس 2026، كان حديثه امتدادًا لما طرحه الكتاب من أسئلة حول علاقة الجيل الجديد بالقراءة والمعرفة. فتحدث عن الكتاب الورقي، ووسائل التواصل والأجهزة الحديثة، والذكاء الاصطناعي، وما أحدثته هذه الوسائل من تغير في طريقة تعاملهم مع المعرفة. وكان في حديثه حنين إلى الكتاب، وقلقٌ من أن تستنزف هذه الوسائل وقتهم وتؤثر في عقولهم. ولذلك جاءت وصيته في ختام الكتاب محذرة من الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعية والذكاء الاصطناعي، وداعية إلى الاعتدال وعدم ترك هذه الوسائل تستولي على الوقت والعقل. وهي وصية تبدو منسجمة مع رجل عاش زمن الكتاب والصحيفة والمجلة، ثم شهد بنفسه انتقال المعرفة إلى الشاشة. ولعل قيمة «بين أحفادي» لا تتوقف عند أسرة القشعمي؛ فالقارئ يجد نفسه أمام تجربة تدفعه إلى التفكير في الأشياء التي نعيشها داخل أسرنا ثم ننساها. تخرج ابن، أو أول نص يكتبه حفيد، أو رسالة في مناسبة عائلية، قد تبدو تفاصيل عابرة، لكنها مع مرور الوقت تصبح جزءًا من سيرة الأسرة وحكاياتها. وهنا تكمن أهمية الكتاب؛ فهو يلفت النظر إلى أن التوثيق ليس للأحداث الكبيرة وحدها، وأن حياة الناس العادية فيها ما يستحق أن يُحفظ. والقشعمي، بما عرف عنه من انشغال بالتوثيق، وسّع هذه المرة دائرة اهتمامه لتشمل أقرب الناس إليه، فترك للقارئ تجربة يمكن أن يتأملها، وللعائلة صفحات ستعود إليها يومًا.