(مصطلح قصيدة النَّثر)..

قُصورٌ في الفَهم؟ أم أزمةٌ في المصطلح؟

في هذا السياق لن أتكلم عن القصيدة الخليلية (العمودية) فهي أصل الشعر وعِمادُه، وأساسُه ومِساسُه، ومناصُه وخلاصُه، وهي النافذة التي يطلُّ من خلالها كل الشعراء قديمًا وحديثًا، ولن أتحدث عن ما طرأ للقصيدة من تغيراتٍ في الشكل والهيكل، وتطورات في المضمون مع حفاظها على الميزان والتقفية ــ بَدءًا من الموشحات الأندلسية التي استحثّها الترف، وأثارها البذخ، وحرّكها التنعمُ والرفاهية، وهيّجها سعةُ العيش ولينُ الحياة، فكانت موائمةً للحياة الأندلسية، ومواكبةً لشبابيكِها الخضراء، وروائحها المخلوطة بماء الورد والمسك والمنشورة على الطرقات، وانتهاء بالعصر الحديث الذي أسّس بعض شعرائه ما يُسمى بالشعر الحر، وهذا النوع رغم ما فيه من ابتكار وابتداع إلا أنه لا يزال يصبُّ في ضفاف الشعر، ويتنسّمُ بنسيمه، فهو يحافظ على وحدة التفعيلة الموسيقية، وإن طالت الأسطر في بعضها، وقصُرت في أخرى، لكنني سأطرق بابًا ربما فيه حساسيةٌ مُفرطة، وتوجّسٌ كبير، وأَرَجيةٌ سريعة، إنها (قصيدة النثر)، القصيدة التي تعتمد على التناسق الموسيقي الخفي، وتتخلى عن الوزن والجرس الخارجي، وتعتمد على الجملة المتصلة، والفِقرة المكثفة. إنه مصطلح يجمع ــ في ظاهره ــ بين رُكني الأدب؛ ليَخرُجَ نصٌّ هجينٌ، وعملٌ تتنازعه أيادٍ متفرقة، ولو سألته إلى مَن تنتمي؟ لقال: لا أدري، فهو مذبذبٌ لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء. ثمةَ تمثيلٌ حسيٌّ أراه صالحًا لأنْ أُسقِطَهُ على التجربة الحقيقية للشعر، وتناول الشاعر لها، وهذا التمثيل يتناسب مع المصطلحات التي ابتدعها بعض الأدباء في حِقَبٍ متفاوتة، وأزمنة متعاقبة. فالقصيدة كالطفل لها والدانِ، فإن كانت على النمط الخليلي العمودي الأصل، فهذا يعني أنّ والدَيّ القصيدة ما زالا عائشَينِ تحظى بحنينهما ودفئهما، إنهما الوزن الذي يُمثِّل الأب، والقافية التي تمثل الأم، وإن اتجهت للشعر الحر، أو التفعيلة، أو المرسل فهذا يوحي إلى أنها فَقَدَت أحدَ والدَيها فهي كاليتيم الذي يتكئ على عمودٍ واحد بعد أن سقط العمود الآخر، ولكنها ما زالت تعيش في كنف الأبوةِ، وإن جمعت القصيدة في اسمها بين الشعر والنثر، وتخلت عن جناحيها، فهي كاللطيم الذي فقدَ والدَيهِ، فصار يصطنع أشياءَ دون بوصلة تهديه، ويبتدع ذاكرةً تتأرجح على حبال التيه، ويقتنع بأمور خارجة عن المألوف. هكذا هو الشعر بكل مصطلحاته وممارساته ومعطياته. أُدرك تمامًا أنني أحفرُ بئرًا حُفرتْ بجانبها مئات الأبيار، ولكنني أردت أن أُدلي بدلوي الخاص في هذا الاتجاه، فيكون للتاريخ. لستُ هنا خصمًا أو حكمًا على قصيدة النثر التي ظهرت في الخمسينات من القرن الغابر، وقد ضمّت أسماء لامعة كمحمد الماغوط، وأدونيس، وتوفيق صايغ، وسركون بولص، وجبرا إبراهيم جبرا، وفوزية أبو خالد وغيرهم، ولكنني ذو رؤية ربما أكون فيها مصيبًا. لن ألتفت إلى النص الذي يحمل هذا المسمى، ولن أفكِّك أجزاءه ورمزيتَه وسرياليتَه، وأحلّلَ صوره ومجازاتِه، ولن أغور في ملامحه وسماته، فإنَّ حسنَه حسن، وقبيحه قبيح، لا يفترقُ عن النص الحقيقي للشعر، كل هذا لا يعنيني البتة. لكنني سأحاول ــ من وجهة نظري ــ أنْ أُفنّدَ عتبة هذا النوع من الأدب، والمناخ الذي يعيش فيه، والطقس الذي يبرزُ ملامحه وسحناته، والموجات المتلاحقة التي تتصادم معه، والخطوات الشائكة التي يمرُّ عليها؛ لأن أكثر الخلاف يكمن في المصطلح الذي جرّ معه أذيال الخيبة والفشل والإخفاق. يقول سيمونيدس: الرسم شعر صامت، والشعر صورة ناطقة، هذه العبارة أقرب إلى الفلسفة، فهي تجلي حاسةً أدبية فائقة وإن كانت صامتة، لكنني لم أقرأ يومًا مصطلحًا بعنوان: قصيدة الرسم. يلزمنا أن نضع الموازين في مكانها، وأن تعكس المرآة الشيء الحقيقي الذي يواجهها، وأن يرتدي كل فن ثوبه الذي يناسبه، وأن يُطلق على نفسه الاسم الذي يليق به دون مواربة أو غموض. نحن نعيش أزمةً حقيقيةً في المصطلح، وقصورًا في الفَهم؛ لسببٍ أو لغير سبب. ذكر أحد النقاد أن الشعرَ في مقام الأب، وأن القصائد بناته، فهناك القصيدة العمودية، وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر، كلهنّ في سجلِّ عائلة الشعر. كيف لنا أن نستوعب هذا الطرح!؟ وأين نضع الموشحات الأندلسية والشعر الحر والشعر المرسل وقد وشِّحوا بهذه الأسماء؟ لا يمكن أن يكون المصطلح صالحًا للممارسة والذيوع حتى يكون خاليًا من الثغرات التي تقدح في حدّهِ وحدوده الفاصلة بينه وبين غيره. ثم يأتي شخص آخر ويقول: إنّ أصل الشعر بزغ قبل الميلاد، وقد كان منثورًا قبل أن يكون للموسيقى حضور، وللجرس بذور، وللقافية سطور، يعني بذلك الشعر عند الإغريق؛ لذلك قصيدة النثر هي الأصل، وليست دخيلةً على الشعر. عجبي من مثل هؤلاء الذين لا يدركون أن لكل لغةٍ شعرًا له طقوسُهُ الخاصة، وقوانينُه المنفردة، وأبجدياته الاستثنائية. ثم يأتي آخر ــ وهو أحد النقاد الكبار المعروفين ــ ويقول: إن قصيدة النثر من أصعب أنواع الشعر. فيجعلها ضمنًا في بوتقة الشعر، بل ذكر أن تناولها مُضنٍ، وأنه لا يُجيدها إلا القليل. ربما أتفقُ معه في صعوبة كتابة النص؛ لأنه يعتمد على الرمزية المفرطة، والانزياحات المسرفة، والمجازات المبالغ فيها، والجمل القصيرة، لكنني لا أتفق معه في جعلِ النص في إطار الشعر وظله وحقله. إن القَصْدِيةَ المنويّةَ للكتابة دون وجود الموسيقى ليست كافية بأن تجعلها شعرًا، كما أن عدم القَصدية كذلك، فما يسمونه بقصيدة النثر تعتمد على ركن القَصدية فقط؛ أي: أن الكاتب قصد الشعر في كتابة ذلك النص، ولكنها تفتقد لركني الوزن والقافية، وهذا لا يكفي لأن تستقيم، وتستديم، بل تَشدّدَ بعضهُم وأخرج ما كان نظمًا من دائرة الشعر؛ كونه خاليًا من المشاعر والجمال والخيال. فإذا أردتَ أن تبرر لأي مشروع، فلتنزع عنك رداء العاطفة والميول، ولتكن ذا شفافية ضد التيار، وليكن طرحك داخل الخارطة لا خارجها. أقول: إن الأدب عالمٌ كبير، ومجالٌ واسع، وفضاءٌ رحب يسمح لكل العصافير أن تحلق، لا تمايز بين شاعر وكاتب وقاص وروائي، فما الذي يجعلكم ــ أيها النثريون ــ تجنحون إلى الشعر من غير نارٍ تهتدون بها، وتنسلخون من مساحات النثر البيضاء، وتتنصلون من كبريائه، وأنتم تحملون لواءَهُ، وترفعون رايتَه؟ لو كان لي من الأمر شيءٌ لقلتُ: اسكنوا مساكنكم، لا يحطمنّكم النقدُ وجنوده. * جامعة نجران