في صالون أ.د. مسعد العطوي بتبوك مساء اليوم..

د. البلوي يقدم «التجربة الإنسانية وتحولاتها».

يستضيف الصالون الثقافي للأستاذ الدكتور مسعد عيد العطوي بمدينة تبوك، مساء اليوم الأحد، الدكتور سالم بن عبدالرحمن البلوي، المشرف على فرع جامعة طيبة بالعلا سابقًا، ومؤسس مجلس وادي القرى الثقافي بالعلا، في لقاء ثقافي بعنوان «التجربة الإنسانية وتحولاتها». يدير المحاضرة والحوار الأستاذ الدكتور إبراهيم بن يوسف البلوي، المندوب الدائم للمملكة لدى منظمة اليونسكو سابقًا. ويفتح اللقاء مساحة للحوار حول أثر التجارب في تشكيل الإنسان وتحول رؤيته لذاته وللحياة عبر الزمن، منطلقًا من سؤال محوري: كيف يصبح الإنسان ما هو عليه؟ ومتتبعًا العلاقة بين التجربة والتعلّم والزمن، وكيف يمكن لأحداث تبدو عابرة في لحظتها أن تظل كامنة في الذاكرة، ثم تعود بعد سنوات لتؤثر في قرار أو اختيار أو تحول في مسار الإنسان. ويستعين البلوي في قراءته للتجربة الإنسانية ببعض نظريات التعلّم، لا بوصفها موضوعًا أكاديميًا مستقلًا، وإنما باعتبارها أدوات تساعد على فهم الإنسان وتحولاته. فالتعلّم في مستواه الأول قد يضيف معرفة جديدة، وفي مستوى أعمق قد يغيّر فهمًا أو سلوكًا، لكن أثره الأبعد يظهر حين يقود إلى تحول إدراكي (Perceptual Shift)؛ أي أن تغير العدسة التي يرى الإنسان من خلالها نفسه وتجربته والعالم من حوله. ويرى البلوي أن الإنسان قد يعيش التجربة سنوات دون أن يفهم معناها؛ لأن الحدث وحده لا يصنع الوعي به. وقد تكون لحظة التحول الحقيقية حين يعيد الإنسان قراءة ما جرى بعين مختلفة؛ فيرى في إخفاق قديم بدايةً لمسار آخر، وفي حدث عابر سببًا لقرار جاء بعد سنوات، وفي تجربة كان يراها خسارة معنى لم يكن قادرًا على رؤيته وقت وقوعها. فأعمق ما يفعله التعلّم ليس أن يضيف إلى ما نعرفه، بل أن يغيّر الطريقة التي نرى بها ما نعرفه وما عشناه. ومن هنا يصبح التحول الإدراكي مدخلًا لفهم التجربة الإنسانية نفسها؛ فالإنسان لا يفهم قصته كاملة بمجرد استعادة أحداثها، وإنما حين تتغير زاوية نظره إليها. وعندئذ لا يتغير الماضي، ولكن تتغير قراءته للماضي، وربما تتغير معها نظرته إلى الحاضر وما ينتظره في المستقبل. ويجمع اللقاء بين النظرية والتجربة الحياتية، مستحضرًا نماذج من التعليم والإدارة والسفر والنجاح والإخفاق، للكشف عن أن التجربة لا تنتهي بانتهاء الحدث؛ فقد يقع الحدث في لحظة، بينما يتأخر فهم معناه سنوات، وكأن الإنسان يعيش بعض تجاربه مرتين: مرة حين تقع، ومرة حين يفهمها. وفي هذا السياق، لا تبدو الحياة سلسلة من النجاحات والإخفاقات بقدر ما تبدو مسافة يتشكل الإنسان خلالها. فما يُعد إخفاقًا في لحظته قد يصبح بعد سنوات نقطة تحول، وما يبدو حدثًا صغيرًا قد يكشف الزمن أنه كان بداية لفكرة أو قرار أو مسار كامل. وهنا يحضر الزمن بوصفه عنصرًا أساسيًا في فهم التجربة؛ فهو لا يغيّر الأحداث التي وقعت، لكنه قد يعيد ترتيب معانيها داخل الإنسان. هناك أشياء لا نفهمها إلا بعد أن نبتعد عنها، وأحداث لا نعرف أثرها إلا حين نرى إلى أين قادتنا، وتجارب قد تحتاج إلى سنوات حتى نستطيع قراءتها بعيدًا عن انفعال لحظتها. ومن هذه الرؤية يتسع اللقاء إلى مشروع فكري تشكّل لدى البلوي عبر عدد من المراحل؛ بدأ من سؤال السيرة: ماذا حدث في حياة الإنسان؟ ثم انتقل إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا صنعت الأحداث فيه؟ وصولًا إلى سؤال الأثر: ماذا يبقى منه بعد أن تمضي الأحداث؟ وقد ظهرت هذه الأسئلة في مشروعه الكتابي الذي بدأ بكتاب «صراطي» بوصفه قراءة في مسار الحياة وأحداثها، ثم انتقل في كتابه الثاني «التشكّل» من خصوصية السيرة إلى رحابة التأمل في الإنسان؛ فلم يعد السؤال متعلقًا بما جرى لشخص بعينه، وإنما بما تصنعه التجربة في الإنسان أينما كان، وكيف تعيد المسافة والزمن ترتيب معناه. ويشير البلوي إلى أنه تعمّد في «التشكّل» قدرًا من التجريد؛ فخفّف حضور الأسماء والأماكن والحدود الزمانية والمكانية، حتى لا تبقى الفكرة أسيرة تجربة صاحبها أو جغرافيته. فالمقصود ليس أن يقرأ القارئ حياة الكاتب، وإنما أن يجد في النص مساحة يقرأ من خلالها تجربته هو؛ سواء كان في العلا أو في أي مكان آخر من العالم. ويقوم هذا الاختيار على فكرة أن الإنسان، على اختلاف الجغرافيا والثقافات والظروف، يظل في جوهر تجربته الإنسانية واحدًا؛ يعرف الخوف والأمل، والنجاح والإخفاق، والفقد والتحول. ومن هنا يصبح التجريد وسيلة لتوسيع المعنى لا لإلغاء الواقع؛ فكلما تحررت الفكرة من بعض تفاصيل صاحبها، أصبحت أقدر على أن يجد الآخر نفسه فيها. وفيما ينتقل «التشكّل» من الخاص إلى الإنساني، يفتح مشروع «البقية» السؤال الثالث على ما يتركه الإنسان من أثر بعد أن تنقضي المسافة. وهكذا تتتابع الأسئلة في المشروع: ماذا حدث؟ ماذا صنعت الأحداث في الإنسان؟ وماذا بقي منه؟ ولا يقدم اللقاء هذه المراحل باعتبارها عرضًا للكتب بقدر ما يتخذ منها مدخلًا لقراءة أوسع للتحولات الإنسانية؛ فالحدث ليس وحده ما يصنع الإنسان، وإنما الطريقة التي يستقبله بها، وما يتعلمه منه، والزمن الذي يعيد من خلاله تفسيره، والمعنى الذي يبقى بعد أن تهدأ تفاصيله. ومن هنا تتقاطع في «التجربة الإنسانية وتحولاتها» التربية مع الخبرة الحياتية والتأمل الإنساني، في محاولة لفهم الإنسان لا باعتباره كيانًا مكتملًا، وإنما كائنًا يتشكل باستمرار؛ بالتجربة، والتعلّم، والإخفاق، والنجاح، والعلاقات، والزمن. فالإنسان، وفق هذه الرؤية، لا يصل بالضرورة إلى فهم تجربته بكثرة ما عاش من أحداث، وإنما بقدرته على إعادة قراءتها. وقد تكون أعلى درجات التعلّم تلك اللحظة التي تتغير فيها العدسة التي ينظر من خلالها إلى حياته، فيرى الأشياء ذاتها، ولكن بمعنى مختلف. وهكذا يعود اللقاء إلى سؤاله الأول: كيف يصبح الإنسان ما هو عليه؟ ربما لا توجد إجابة واحدة؛ لأن لكل إنسان طريقه ومسافته وزمنه وتجربته. لكن المؤكد أن الإنسان لا يخرج من تجاربه كما دخل إليها، وأن بعض ما نظنه مجرد أحداث عابرة قد يكون، في الحقيقة، جزءًا من عملية طويلة يعاد خلالها تشكيل فهم الإنسان لنفسه وللحياة. ويأتي هذا اللقاء ضمن النشاط الثقافي الذي يقدمه صالون الأستاذ الدكتور مسعد عيد العطوي في تبوك، وما يتيحه من مساحة للحوار وتبادل الرؤى حول القضايا الثقافية والفكرية والإنسانية.