في جلسة حوارية بعنوان “ الآداب والفنون وتعبيرها عن الموروث الوطني “ ضمن أعمال اليوم الثاني في مؤتمر حوار الأمن والتاريخ الذي نظمته وزارة الداخلية هذا الأسبوع وجه إليّ هذا السؤال: كيف نحول ما نملكه من وثائق ومخطوطات وروايات وشواهد تاريخية من مادة محفوظة إلى ذاكرة حية تصل إلى المجتمع والأجيال الجديدة؟ فأجبت : سأبدأ حديثي بقراءة ما كتبه الزميل الأستاذ عبدالعزيز الخزام مدير تحرير مجلة اليمامة اليوم في حسابه على منصة x ، حيث كتب : “ لو أن معالي السيد إياد مدني يدون مذكراته ، أو يكتب رواية يا للأمنية الممكنة لو تتحقق ، اقرأ جانبا من ذكرياته العذبة عن طفولته في مكة ، كما يرويها معاليه في حواره مع “اليمامة “ المنشور في عدد هذا الأسبوع : ( مكة المكرمة كانت موطن الولادة وسنوات الطفولة الأولى ،ولا أذكر من تلك السنوات سوى السيدة العجوز التي كانت تؤكد لنا أن منزلنا “مسكون” وكانت رحمها الله توقفنا أحيانا ونحن نلهو في ردهات الدار ، أن قفوا يمر “أسيادها “ من الجن )حوار ممتع وممتلئ بروح إياد مدني التي لا تشبه غيرها “ ، هذا المنشور يشير إلى أهمية “السيرة الذاتية “ التي يكتبها رجالات الدولة وغيرهم من رجالات الوطن على مختلف مشاربهم واهتماماتهم ومواقعهم من السلطة، هذه السيرة الذاتية المقترحة لعل السيد إياد مدني يكتبها نزولا عند رغبة زميلنا العزيز عبدالعزيز لكي تحفظ للأجيال قصص وحكايات جميلة ترسم صورا مختلفة للمجتمع السعودي من خلال موروثه الوطني، بالإضافة إلى ما اطلعت عليه من “مذكرات” عدد من هؤلاء الرموز الوطنية أمثال الشيخ جميل الحجيلان و الدكتور عبدالعزيز الخويطر والدكتور غازي القصيبي، ولاشك أن تلك المذكرات والسير الذاتية لهؤلاء العظماء تحوي الإشارة إلى عدد من الوثائق الحكومية والمخطوطات والروايات والشواهد التأريخية التي كانت مادة محفوظة في صدور هؤلاء الرجال سواء أمراء أو وزراء أو رجال دولة، ولكن السيرة الذاتية المدونة والمنشورة تحولها إلى محتوى قابل للتداول بين أيدي فئات المجتمع السعودي من مختلف الأعمار، مما يساهم بشكل أو بآخر بتحويل تلك الوثائق والمخطوطات من مخاطبات وقرارات وشواهد تأريخية محفوظة في صدورهم إلى ذاكرة حية تصل الأبناء والأحفاد إذا احسنا التعامل معها وهنا يحضرني عدد من الشواهد: أولا: السيرة العطرة التي كتبها معالي الشيخ جميل الحجيلان تحت عنوان “جميل الحجيلان: مسيرة في عهد سبعة ملوك”، يقول في مقدمة تلك المذكرات “لقد أتاحت لي المناصب التي عهد بها إلي، وقربي المتواصل من مصادر القيادة في بلادي، وحرصي على ألا ألوذ بالصمت عندما توجب على أمانة التاريخ الالتزام بالصدق وقبول تبعات ذلك القول، في حدود الممكن من ذلك، أن أتناول في هذا الكتاب، بجزئيه الاثنين مسيرة في ركاب الوطن عمرها خمسون عاما “ ودعوني أقف عند ما كتبه الأمير تركي الفيصل عن هذه المذكرات: “..واستمتعنا نحن من نعرفه بأن نستمع إلى ما يقوله ونقرأ ما كتب في مذكراته التي أسعتني لأنها تأريخ لأحداث من الضرورة أن تكون في ذاكرة الجميع “، من خلال 1512 صفحة دون معالي الشيخ جميل الحجيلان متعه الله بالصحة والعافية تجربته العظيمة من خلال مواقعه الإدارية المختلفة مع سبعة ملوك، وأهداها بكل حب وتقدير إلى ذاكرة الجيل السعودي المعاصر، لتبقى له نبراسا في حياته العامة والخاصة.” ثانيا: ما دونه معالي الدكتور عبد العزيز الخويطر رجل الدولة المعروف في كتبه جميعها وفي كتابه “أي بني “: مقارنة بين ماضينا وحاضرنا. يقول معاليه في مقدمة هذا الكتاب: “هذا الجيل الراكض اللاهث هو الذي أخاطبه، ليقف، ويلتفت خلفه ويرى ما كان عليه أبوه، بمحيطه وآلاته ومعداته ودوابه ومساكنه وعاداته، بأفراحه وأحزانه، وبآلامه ومتعه، بوجده وعدمه، بتفكيره وانطباعاته، ويقارن بين ما كان والده عليه وما هو نفسه عليه، ويقول لما حباه الله به “الحمدالله رب العالمين “ ، من العناوين في ذلك الكتاب الوثيقة: الأمن والخوف: فقدان الأمن في الماضي جهود الملك عبد العزيز، جهاد لتوطين الأمن، الأمن عندنا وعدمه عند الآخرين إلى غيره من العناوين، فما كتبه الدكتور الخويطر من مذكرات مبثوثة في جميع كتبه تحمل إلى الجيل المعاصر وصفا دقيقا للبيئة النجدية وبيئة عنيزة تحديدا، وتوثق ادق التفاصيل في حياة أجدادنا من طعام وشراب وغيرها من أدوات المعيشة مع وصف للتطور التي مرت به مختلف المدن السعودية . ثالثا: كتاب “حياتي في الإدارة “ لمعالي الدكتور غازي القصيبي رحمه الله الذي كتب في مقدمته: “هذا الكتاب موجه للقارئ العادي على وجه العموم وموجه، على وجه التحديد الى فئتين من القراء، الفئة الأولى هي أبناء الجيل الصاعد الذين آمل أن يتمكنوا من أن يتذوقوا من خلاله نكهة الثورة التنموية التي عاشتها المملكة، والتي كان من قدري أن أعاصرها ، أما الفئة الأخرى فهي فئة الإداريين الشباب في القطاعين العام والخاص ، الذين أرجو أن يجدوا في تجربتي الإدارية الطويلة بعض الدروس النافعة ، وأن يستخلصوا منها العبر المفيدة ، في الإدارة ومتغيرات كثيرة ،وثوابت أكثر “ ، ولاشك عندي أن هذا الكتاب وغيره من كتب القصيبي مليء بحالة من نقل الموروث الوطني بمعناه الواسع إلى الأجيال الجديدة بطريقة محببة ولغة بليغة ن ولكن قد يقول قائل أن هذه الكتب (السير الذاتية والمذكرات) طويلة ويصعب على الجيل المعاصر قراءتها لذا أقول: لكي تصل تلك المذكرات إلى أبنائنا وأحفادنا أقترح ما يلي: 1-تحويل تلك السير الذاتية إلى مسلسلات وأفلام عبر مؤسساتنا الرسمية أو الخاصة وغيرها من مناسبات الوطن 2-أن تتولى الأقسام المختصة في الجامعات السعودية، توجيه الدارسين السعوديين لدراسة تلك السير الذاتية لرجال الدولة وغيرهم من الشخصيات الوطني التي حققت نجاحا في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص من رجال الأعمال في مرحلتي الماجستير والدكتوراة 3-دعوة المعلمين في مراحل التعليم العام لربط الطلاب بتلك السير الذاتية في اليوم الدراسي أو من خلال برامج النشاط الطلابي في اليوم الوطني ويوم التأسيس 4-لعل هيئة الأدب والنشر والترجمة تتولى من خلال مبادرتها الشهيرة الشريك الأدبي توجيه المقاهي الأدبية باستضافة الدارسين لتك السير الذاتية أو استضافة القادرين من أصحابها ليطلع عليها رواد تلك المقاهي الأدبية 5-أن يتولى كتاب الرأي والمغردين بالاقتباس من كتب تلك السير الذاتية وتقديم ذلك من خلال حساباتهم في قنوات التواصل الاجتماعي للشباب والشابات سواء في مناسباتنا الوطنية أو غيرها، المهم تحويل تلك التجارب وما تحويه من موروث وطني عظيم كتبه هؤلاء الكبار وعلينا نقله ونقل بأساليب عصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى مختلف الأعمار من أبنائنا وأحفادنا ليبقوا على صلة وثيقة بالوطن ورجال الدولة المخلصين الذين هم شهود الله في أرض الوطن على أمنه وتأريخه وتراثه ومجده التليد.