الصدأ
كان اليأس دافعا مريحا لانتحار الكتابة، أو (النمرة) كما يصفها الروائي الشهير نيكوس كازانتزاكيس حين رأيت (أشد الناس عداوة للذين آمنوا) يقترفون احتلال أطراف بلاد عربية، تمهيدا لإبادة أهلها، وكان ـ حينها ـ يتلجلج في ذاكرتي قول جيفارا: (ليس عاراً أن يدخل العدو بيتك، العار أن يخرج منه حياَ) ومرت الأيام المقفرة ببطء، وراح قلبي يحثو على نفسه الصدأ، والحزن يزداد نهشا لذكريات (الدفاع عن القلاع) كما قال محمود درويش. وهنا ـ والآن ـ تذكرت من قال: (من يكون في منتصف الهاوية لا يسأل أين أنا) وحتى أنازل الصدأ أعود إلى امتطاء النمرة. ولكن للكتابة أساليب عدة، وعليك أن تسير على نهج (في انتظار جودو) ولتبدأ من الآن بالسؤال: هل (اللاشيء) كوجود لفظي وجود حسي؟ ،هنا، تتفرع الإجابات: هناك من يقول: اللاشيء تصور ذهني فهو من كائنات الذهن، أي أنه موجود ذهني، تجريدي، كسائر المفاهيم. وهناك من يقول لا، ليس موجودا، فاللاشيء عدم، والعدم ضد الوجود. ولكن ألا ترى أن العدم مرادف لللاشيء؟ وأنه وجود ذهني كغيره من كائنات المخيلة؟ قبل أن أجيب أود أن أسألك سؤالا صغيرا: ما هدفك من هذه الأسئلة؟ هدفي ـ يا أخا العرب ـ ملء الفراغ، أليس هذا هو هدف العصر الذي نتخبط في وحله؟ ــ كم أنت مضحك؟ الذي يتخبط في الوحل ينتفض، يتمرد، يتحدى، فحتى (سيزيف) في نظر (كامو) كان يعاند قدره، على أنه يعرف أن ما يقوم به بلا جدوى. ــ لقد قرأت (أسطورة سيزيف) لكامو ولم أجد هذا الذي تقوله. ــ الآن تأكدت أن وجهك لم يعرف حمرة الخجل يوما ما, كأنك من أبناء هذا العصر، يمر على الأفكار من نافذة ضبابية، فيشبه الشاعر الكبير الجواهري الذي يقول: (أبدا أنظر الحوادث وال عالم والناس من وراء ضباب) ــ ياللفخر، ياللنشوة، أنا أشبه الجواهري؟ ماذا أريد أكثر من هذا؟ ــ التشبيه ـ يا مغفل ـ لا يعني أنك صرت جزءا صغيرا من ظله، فكثير هم الذين شبهوا بالقمر وجوها يهرب الضوء منها. ــ إذا هرب الضوء سأدركه بخيالي، فالخيال أسرع من الضوء، وسوف أقول له: عم إشراقا أيها الضوء لعينيّ وعيني كل محب.