الرواية التاريخية..
جمالياتها وأنواعها بين حقائق التاريخ ومعطيات الخيال وتقنيات الفن.
كنت قد اطّلعت على رواية علي سبّاع (قلعة من رماد)، وهي رواية تاريخية، وسبق أن قرأت عدداً من الروايات التاريخية في الأدب العربي لكُتّاب في المملكة العربية السعودية، ولاحظت أن هناك توجّهاً لمثل هذا النوع من الروايات بمختلف أشكالها، فرأيت أنه من الضروري أن أقدم لقراءة هذا النوع من الروايات بتعريف موسع للرواية التاريخية وأنواعها المختلفة تمهيداً لقراءة نماذج منها. ثمة تماثل بين التاريخ بوصفه سرداً لوقائع حقيقية حدثت في الماضي والرواية بوصفها عالماً متخيّلاً في فضاء بلا حدود، وهما يشتركان في إمكانات الحدوث على نحو من الأنحاء، غير أن التاريخ يقوم على التوثيق وإن ظلّ ذلك موضع تحقّق وتشكّك في بعض الأحيان؛ ولكن الرواية التاريخية تستمد وقائعها وسياقات هذا الواقع من التاريخ مع حرية التقاطع بين الحقائق التاريخية والعوالم المتخيلة، والاحتفاظ بمحددات تنتمي زمنياً للمرحلة التاريخية كما أوردتها وثائقها المعتمدة، فهي تعيد صياغة الوقائع والشخصيات وتبتكر فضاءاتها الخاصة، وتعمد إلى الإيحاء برؤيتها لتلك المرحلة وما يربطها من أواصر مع الحاضر وإسقاطاتها عليها، فهي لا تهتم بإيراد الوقائع وتوثيقها بقدر ما تُعنى بإيحاءاتها ومناخاتها دون التشبث الوثيق بمصداقيتها بقدر اهتمامها بالمناخات السياسية والاجتماعية التي سادت فيها، ولهذا فهي تتّخذ من التاريخ مادتها الخام التي تعيد تشكيلها كيفما تشاء وفق رؤيتها وموقفها مستثمرةً نكهتها الزمنيّة وأهميتها المكانيّة والثقافيّة بمكوّناتها المتنوعة، وهي تستوحي شخصياتها المتخيلة من المناخات التي سادت في الحقبة الزمنية المختارة، وتلتمس وجه التشابه في المعنى والمدلول والرمز الذي تختزنه تلك الحقبة التي تتشكّل فيها الأحداث الروائية والشخصيات الفاعلة والتبئير المُختار، فهي تحتفظ بالفضاء الزماني والمكاني وإيحاءاته؛ وربما رموزه أيضاً؛ ولكنها تشكّل شخصياتها وفق رؤيتها للتقاطع بين تلك الحقبة التاريخيّة والواقع المعاصر بوعيٍ يقظٍ وإيحاء مقصود؛ ولا تتقيّد بمنطق التواتر الزمني والحدث التاريخي، ولكن كاتبها يهتم بمعطيات الوعي الذي يستخلص المغزى من الأحداث والتناظر بين الماضي والحاضر؛ وذلك على خلفيّة الإيحاءات التي تشي بها وقائع تلك المرحلة وإسقاطاتها على الحاضر، وإضاءة بعض جوانبه والوعي بحقائقه والوصول إلى جوهر الفكر الإنساني وما يوحي به، وصياغة العلاقة بالماضي على وقع ما يستجدّ من أحداث يفسرها نظيرها المختلف زماناً ومكاناً، ويحتفظ بالخلاصة التي توحي بها المماثلة والمغايرة بين الوقائع. وقد توغّل الروائيون المعاصرون في عمق التاريخ لينتجوا لنا ألواناً من الرواية التاريخية: الرواية الأدبية التاريخية، والرواية البوليسية التاريخية، والتاريخ المتخيّل البديل للوقائع الحقيقية، والروايات المناهضة للسرديات التاريخية المهيمنة. والتاريخ الأدبي حافل بأنماط سرديّة وفنون أدبية تستلهم التاريخ؛ ولكنها تمثّل فنوناً مختلفة عن الرواية؛ فالملاحم الإغريقيّة والرومانيّة، مثل الإلياذة والأوديسة والشاهنامة الفارسية وغيرها من الأساطير والحكايات وما إلى ذلك، ولكن الفيصل في التحقّق من جماليات الرواية التاريخيّة يعتمد على العلاقة بين الحقيقة التاريخية والحقيقة الفنية؛ بمعنى: استكشاف تلك العلاقة المعقدة بين السرديات التاريخية والرواية؛ فهي قائمة على الاستلهام وليس الاستنساخ؛ لذا فإن الرواية التاريخيّة العربية في نشأتها الأولى وقعت في بعض المآزق التي انبنت على ازدواجية تجمع بين الوقائع التاريخية الموثّقة والخيال المحض، كما هي الحال في روايات جرجي زيدان (سلسلة أعماله الروائية عن تاريخ العرب والإسلام) فثمة خطان متوازيان يمثلان الانفصام بين الحقيقة التاريخية والخيال المحض، مما يشي بالافتئات على التاريخ وتغييب لروح الفن وجماليات السرد، وقد وقع كثير من كُتّاب الرواية التاريخية في مأزق هذا الانفصام فجعلوا من المظاهر السائدة في عصر ما فضاءً للحدث المتخيّل تاريخيّاً دون أن تكون هناك رؤية خارج إطار ذلك الفضاء، وقد لاحظ ذلك منتقداً له صاحب الكتاب الرائد (الرواية التاريخية) جورج لوكاتش مشيراً إلى استخدام الماضي استخداماً زخرفياً؛ فكانت الأزياء والقلاع والأسماء قديمة، بينما ظلت الشخصيات تفكّر وتتصرف بعقليّة عصر الكاتب، وبعبارة أخرى، كان الماضي فيها ديكوراً زمنيّاً أكثر من كونه بنية تاريخيّة لها قوانينها وقيمها وصراعاتها. وقد اعتبر الروائي البريطاني (والتر سكوت) رائداً لهذا النوع من الروايات، ومثّلت روايته (ويفرلي Waverley) سنة 1814 منعطفاً أساسياً في مسيرة الرواية التاريخية على مستوى العالم؛ إذ دارت أحداثها حول تمرد اليعاقبة في اسكتلندا سنة 1745، وربطت مصير بطل متخيل بصراع تاريخي حقيقي بين قوى اجتماعية وسياسية وثقافية مختلفة، وقد أصبحت الرواية نموذجاً شديد التأثير في أوروبا وخارجها، حتى إن دراسات أدبية حديثة تصفها بأنها العمل الذي أطلق الصيغة الكلاسيكية للرواية التاريخية وجعلها واحدة من أبرز أجناس القرن التاسع عشر. وهنا يتمثل جوهر الرؤية في الرواية التاريخية التي تضيء الصراعات التي تنشأ عبر التاريخ بين قوى ذات مصالح متضاربة، وهو ما ركزت عليه الرؤية الماركسية التي تحدثت عن الصراع الطبقي بين القوى التي تملك أدوات الإنتاج ووسائله والقوى الأخرى، فالرواية التاريخية من شأنها أن تبلور الحقائق الكبرى للصراعات والخطابات والمصالح، والقوى الاجتماعية عبر التاريخ وتضارب المصالح بين القوى والوصول إلى الحقائق الكبرى للوجود الإنساني، وهذا ما نجده لدى تشارلز ديكنز وتولستوي وغيرهما في رواياتهم التاريخية. الرواية التاريخية تملك حرية التخيل للمسكوت عنه من التفاصيل تاريخياً وفق رؤية مؤلفها، فهي تتخيّل الممكن حدوثه وقوله والتفاصيل الدقيقة التي يغفل عنها المؤرّخ وفق تصوره الخاص، ويعمد إلى الإيهام بالواقع التاريخي عبر التفاصيل المتّصلة بالسائد والمألوف فيما يتعلق بالطعام والشراب واللباس والبيع والشراء وأنماط البناء والحياة الاجتماعية، وثمة ثلاثة أنماط من الشخصيات التاريخية في الرواية الموسومة بهذه الصفة: الشخصية التاريخية المعروفة من المشاهير من ذوي السلطان والجاه المؤثرين في الحياة، والشخصية المتخيلة التي يبتكرها المؤلف وفق تصوره، والشخصية الهامشية التي تمثل العامة؛ وكذلك الشخصية النموذجية التي تمثل سمات المرحلة اجتماعياً وتاريخياً. وتتأسّس الرواية التاريخية على المفارقة بين الزمن التاريخي وزمن الكتابة؛ حيث تتيح للكاتب فرصة الرؤية التي لم تتوفر للشخصية المشاركة في تلك الحقبة، حيث يودع كاتبها تفسيره الخاص للنتائج في موازاة زمن الكتابة والإيحاءات المتبادلة بينهما بما يوهم القارئ بموثوقية الحدث كما هو الحال في الرواية الواقعية. أنواع الرواية التاريخية: ثمة أنواع متعددة من الرواية التاريخية، منها: أولاً: الرواية التاريخية التقليدية (الكلاسيكية): تقوم عادة على حدث تاريخي مفصلي معروف، وتسعى إلى إعادة بناء العصر بدرجة عالية من الواقعية من خلال إعادة تشكيل الشخصيات وتوزيع الأدوار، ومن نماذجها روايات سكوت ومانزوني وديكنز وتولستوي على مستوى الآداب العالمية. ثانياً: رواية الشخصية التاريخية أو السيرة المتخيلة: تعيد تشكيل حياة شخصية حقيقية، لكن الكاتب يعيد بناء حياتها داخلياً ونفسياً، وقد تكون الشخصية ملكاً أو قائداً أو عالماً أو فناناً أو شخصية دينية. ويختلف هذا النوع عن السيرة التاريخية في أن الروائي يسمح لنفسه ببناء الحوارات والمشاعر والتفاصيل التي لا توفرها الوثائق، مع المحافظة على الإطار العام للسيرة. ثالثاً: رواية الحدث التاريخي: تدور حول واقعة مفصلية كبرى، مثل الثورة أو الحرب أو الهجرة أو المجاعة أو سقوط دولة؛ حيث تتحول الشخصية إلى نافذة يطل منها الكاتب على التحولات التاريخية الكبرى والعوامل التي أدت إليها. رابعاً: الرواية الاجتماعية التاريخية: وهي الرواية التي يصرف كاتبها اهتمامه فيها إلى المجتمع، حيث ينتقي نماذج من الشخصيات التي تمثل فئات اجتماعية. خامساً: الرواية التاريخية الحربية: وهي تُعنى برصد الحروب وأثرها على المجتمعات، فلا تقتصر على الوصف؛ ولكنها ترصد آثارها على المحيط الاجتماعي، وتختار شخوصها من مختلف طبقات المجتمع، وتندرج تحتها روايات الحروب العالمية والحروب الأهلية والثورات وحروب التحرر. سادساً: الرواية الاستعمارية وما بعد الاستعمارية: وهي تتعامل مع السرديات التي يتم نسجها من خلال الفئات التي تمثل الشعوب المستعمرة وترصد آثار الاستعمار ومقاومته، بعيداً عن السردية الرسمية. سابعاً: الرواية التاريخية المضادة: تنطلق من أحداث تاريخية معروفة، لكنها تعيد النظر فيها من موقع الشخصيات أو الجماعات التي غابت عن التاريخ الرسمي، وهي رواية الفئات المهمشة تاريخياً من المستضعفين والأقليات والشرائح الاجتماعية المظلومة كـ النساء والعرقية. ثامناً: الرواية التاريخية ما بعد الحداثية: حيث يُطلق على هذا النوع من الرواية (الميتاسرد التاريخي) أو (التخييل الميتاتاريخي)، أي الرواية التي تتحدث عن التاريخ وفي الوقت نفسه تكشف للقارئ طرائق صنع الحكاية التاريخية؛ فهي تستخدم الوثيقة والمحاكاة الساخرة والتناص وتعدد الأصوات، لكنها تذكّر القارئ دائماً بأن ما يقرأه بناء لغوي لوقائع تاريخية. تاسعاً: الرواية البوليسية التاريخية: وهي السردية التي تمزج بين الرواية التاريخية والتحقيق القضائي، حيث تدور حول جريمة وقعت في الماضي، وتهدف إلى الكشف عن المجتمع وثقافته ومؤسساته إلى جانب كشف المجرم. وسأعمل في مقالة قادمة - بمشيئة الله - على استكمال الحديث عن الرواية التاريخية في الأدب العربي وفي الأدب في المملكة العربية السعودية بخاصة، قبل أن أشرع بقراءة نقدية لنماذج منها.