ماذا لو لم تأتِ رؤية السعودية 2030؟
ماذا لو استيقظنا ذات صباح، و اكتشفنا أن شيئاً اسمه «رؤية السعودية 2030» لم يحدث؟ لا إعلان في عام 2016، و لا وثيقة بهذا الاسم، و لا موعد اسمه 2030، و لا تلك اللحظة التي قررت فيها المملكة أن تضع مستقبلها على الطاولة، و تتعامل معه بوصفه قضية الحاضر، لا شأناً مؤجلاً للأجيال القادمة. ماذا كان سيحدث؟ و قبل الجواب، هذه ليست «لو» التحسر على ما مضى، بل «لو» النظر التي نستعين بها لفهم قيمة ما حدث، فالافتراض هنا لا يعترض على قدر، و لا يندم على ماضٍ، إنما يسأل سؤالاً مشروعاً، ماذا يكشف غياب القرار عن أهمية حضوره؟ في الغالب، لم يكن سيحدث شيء مخيف في اليوم التالي، و هنا تحديداً تكمن المفارقة، فالسعودية لم تكن دولة منهارة تحتاج إلى خطة إنقاذ، و لا دولة مفلسة تبحث عن مخرج، بل كانت دولة مستقرة، و اقتصاداً كبيراً، و قوة نفطية عالمية، و ثقلاً سياسياً و دينياً استثنائياً، تقف خلف ذلك كله عقود من البناء، مدرسة بعد مدرسة، و جامعة بعد جامعة، و مستشفى بعد مستشفى، و طريقاً بعد طريق. كان ممكناً، بكل بساطة، أن نستمر، و ربما كان هذا هو أخطر الخيارات سهولة، فمن سنن الحياة أن الشدة تفرض التغيير على من يعانيها، أما الرخاء فيمنح الوهم فرصة أن يتنكر في زي الحكمة. و هنا تبدأ فلسفة الرؤية. لم تكن فكرتها الكبرى أن السعودية تفتقر إلى الإمكانات، بل أن وفرة الإمكانات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للانتظار، النفط موجود، و الدولة قوية، و الاقتصاد يعمل، و الحياة تسير، فلماذا نغير؟ لأن المشكلة في التاريخ ليست دائماً قراراً خاطئاً، أحياناً تكون قراراً صحيحاً تأخر عشر سنوات. جاءت «رؤية السعودية 2030» بفلسفة معاكسة لمنطق الانتظار، أفضل وقت لتغيير المستقبل ليس عندما تضطر إليه، بل عندما لا تزال تملك القدرة على اختيار شكل التغيير، و توقيته، و أدواته. و هنا، في تقديري، تكمن إحدى أهم أفكار الرؤية، «التوقيت». هناك دول لا تتغير إلا حين تفلس، و أخرى أعادت بناء اقتصاداتها بعدما ضاقت الخيارات، و ثالثة لم تبحث عن البدائل إلا حين أصبحت الحاجة إليها ملحة، أما السعودية فقد اختارت أن تبدأ التحول و هي تملك شيئاً أثمن من المال، كانت تملك «حرية الاختيار». لو لم تأتِ الرؤية، لفتحت المدارس أبوابها في صباح اليوم التالي، و استقبلت المستشفيات مرضاها، و امتلأت الطرق بالسيارات، و ذهبت الحياة إلى أعمالها كالمعتاد، لم يكن شيء سيتوقف فجأة. و هذه هي المسألة. فالسؤال لم يكن يوماً «هل كانت الحياة ستستمر؟»، بل أي حياة كان يمكن أن تصبح طبيعية إلى درجة ألا نسأل إن كان هناك ما هو أفضل منها؟ كان النفط سيظل قوة استراتيجية هائلة، لكن الخطر أن يبقى أيضاً الإجابة الأسهل عن أسئلة المستقبل، و كانت قطاعات كثيرة، كالسياحة و الترفيه، قادرة على الانتظار سنوات أخرى على هامش الاقتصاد، و جزء من إنفاقنا يذهب إلى الخارج بحثاً عنها، و مدننا قادرة على أداء وظائفها التقليدية من دون أن تدخل بهذا الطموح سباق المدن العالمية، و كان ممكناً أن نستورد ما نستطيع أن نصنعه، و نشتري ما نستطيع تطويره، و نستهلك فرصاً كان بوسعنا خلقها. ربما كان كل ذلك سيتغير يوماً ما، لكن «يوماً ما» ليست استراتيجية. هنا تحديداً تظهر فلسفة «رؤية السعودية 2030»، فهي لم تخترع المستقبل، بل رفضت انتظاره. فالدولة التي تنتظر المستقبل تتعامل معه بوصفه حدثاً سيصل إليها، أما الدولة التي تصنعه فتتعامل معه بوصفه مشروعاً يبدأ الآن، و من هذه الزاوية لا تصبح السياحة، و الصناعة، و الترفيه، و الاستثمار، و التقنية، و الرياضة مشروعات منفصلة، بل أجزاء من سؤال واحد أكبر، «ما الذي تستطيع السعودية أن تكونه؟». و لعل التحول الأكثر عمقاً حدث في مكان لا تصوره الأقمار الصناعية، و لا يظهر كاملاً في المؤشرات الاقتصادية، لقد تغير «سقف الخيال السعودي». أشياء كانت تبدو بعيدة أصبحت اعتيادية، و أفكار كانت تحتاج إلى تبرير طويل أصبحت جزءاً من الحياة، و طموحات كان يمكن وصفها بالمبالغة أصبح النقاش يدور حول سرعة تحقيقها، لا حول إمكان حدوثها. فالإنسان لا يتحرك فقط بما يملك، بل بما يعتقد أنه يستطيع الوصول إليه، و الدول كذلك، عندما يرتفع سقف الممكن تتغير الأسئلة، و الطموحات، و شهية الاستثمار، و علاقة الناس بمدنهم، و حتى تعريف النجاح نفسه. لذلك، فإن حذف الرؤية من التاريخ افتراضياً لا يعني حذف مجموعة من المشروعات، بل حذف «حالة ذهنية»، و إعادة المملكة إلى زمن كان يمكن فيه أن يبقى المستقبل امتداداً محسناً للحاضر، بدلاً من أن يصبح احتمالاً مختلفاً عنه. قد يقال إن كثيراً من هذه التحولات كان سيحدث في النهاية، و ربما، لكن المشكلة كلها في عبارة «في النهاية»، فالتاريخ لا يسأل الدول فقط إلى أين وصلت، بل متى وصلت، و ماذا صنع الآخرون خلال السنوات التي قضتها هي في الانتظار. و الإنصاف يقتضي ألا نحول الرؤية إلى حكاية مثالية لا تعرف المراجعة، فمشروع بهذا الاتساع لا يسير في خط مستقيم، هناك مستهدفات تسبق مواعيدها، و أخرى تتأخر، و أولويات يعاد ترتيبها، و قرارات تخضع للمراجعة، و ليس هذا علامة ضعف، بل دليل على أن ما يجري مشروع حي يتعامل مع الواقع، لا نصاً جامداً يحاول إخضاع الواقع له. فالرؤية الحقيقية ليست خريطة لا يجوز تعديلها، بل «وجهة»، و نجاحها ليس في ألا تتغير التفاصيل، بل في ألا تضيع الوجهة عندما تتغير. و لعلنا عندما نصل إلى عام 2030 سنكتشف أن الرقم نفسه لم يكن أهم ما في الرؤية، سيأتي 2030، ثم 2031، ثم 2040، و ينتهي التاريخ المكتوب في الاسم، لكن السعودية لن تعود إلى ما قبل 2016، لأن التحول الأعمق لم يكن الوصول إلى سنة معينة، بل كسر فكرة «الانتظار». و هنا نعود إلى السؤال الأول، ماذا لو لم تأتِ رؤية السعودية 2030؟ ربما كنا سنكون بخير، لكن «بخير» ليست دائماً الطموح الذي يليق بالدول الكبيرة، و ربما كنا سنملك الثروة، و الموقع، و التاريخ، و الإمكانات نفسها، لكننا كنا سنخاطر بخسارة شيء لا يظهر في الميزانيات، «الزمن». فالمال يمكن تعويضه، و المشروع المتأخر يمكن إنجازه، و القرار الخاطئ يمكن تصحيحه، أما السنوات التي تضيع من عمر أمة، فلا توجد ميزانية تستطيع شراءها من جديد. و ربما لهذا، حين يكتب المؤرخون يوماً قصة «رؤية السعودية 2030»، لن يكون السؤال الأهم، ماذا أنجزت؟ بل قد يكون السؤال الأكثر كشفاً لقيمتها، ماذا لو لم تأتِ أصلاً؟ خط أخضر: «لم تكن أعظم فكرة في رؤية السعودية 2030 أنها أخبرتنا أين ستكون السعودية في المستقبل، بل أنها قررت أن المستقبل يبدأ قبل أن يصل».