يوم مُشمس جميل.

تُغطّي السُّحب الداكنة سماء مدينة “لندن”، ويبعث المطر الخفيف البارد القشعريرة في الجسم أغلب أيام السنة، ولذلك عندما يجلس أحدهم مُستمتعاً بالدفء، على مقعدٍ في حديقة “الهايد بارك” أحد الأيام، والشمس مُشرقة في سماءٍ صافية على غير عادتها، فإن تحيّة الصباح المُعتادة، أو عبارة الافتتاح لأي حديثٍ بين اثنين في مثل هذه الأجواء هي: “يومٌ مُشمِسٌ جميل.. أليس كذلك”؟ ولكن الوضع يختلف تماماً ولا يُمكن أن ينطبق على مناطق أُخرى من العالَم؛ حيث تُشرق الشمس أغلب أيام السنة وتغمر حرارتها الشديدة الأرجاء، فيلجأ الناس نهاراً إلى المُكيّفات الباردة في بيوتهم وتنقّلاتهم وأماكن أعمالهم، ويُرجئون نُزهاتهم وخروجهم إلى المساء. ولذلك، عندما سُئل أحد السياسيين العرب، الذي قضى سنوات طويلة بعيداً عن وطنه، في حوارٍ صحفيّ شائق، عمّا إذا كانت هذه السنوات قد أفقدته الشعور بدفء العائلة والمُحيط العائلي؟ فردّ السياسي بإيجاز قائلاً: إنه “افتقد مُتعة الحياة الطبيعية”، وبذكاءٍ وخِفّة ظِلّ، فاجأ مُحاوره بالقول: “إن عبارة (دفء الحياة العائلية) يُثير لديّ سؤالاً: لماذا نتقيّد بمُفرَدة (دفء)؛ المُترجَمة عن الإنجليزية warmth في مناخنا الساخن الجاف”؟ ثم أردف قائلاً: “لو سألتني مثلاً إن كُنتُ افتقدتُ مثلاٌ رائحة الأرض حين يهطل المطر فجأةً في (الوسم) بعد غيابٍ طويل، كما قال مجنون ليلى: حنيناً إلى أرضٍ كأنّ تُرابها إذا مُطِرتْ عودٌ ومِسكٌ وعَنبَرُ لكان ذلك أبلغ، وكٌنتَ وجدتَ عندي الجواب”! إن استخدام جُملة (رائحة الأرض بعد نزول المطر) للتعبير الصادق عن المشاعر، صورةٌ شاعرية جميلة من صميم البيئة، فلكُلّ أولئك الذين تسحرهم تلك الرائحة أن يتصوّروا مقدار الدّعة التي تنطوي عليها دلالة هذه العبارة. ومثل ذلك أديبٌ عربيّ أقام دهراً في بلاد الغُربة، حيث البرد والجليد يسود تلك الأصقاع، بدأ بكتابة جوابٍ إلى صديقٍ له ردّاً على رسالة أرسلها إليه، فكتب: “رسالتك أثلجتْ صدري..”، قبل أن ينتبه ويبتسم ساخراً، لأن هذه العبارة تصدر عن رجُلٍ يُقيم وسط الثلوج، ولسان حاله يقول: ألا يكفيني هذا الثلج من حولي! أما كان حريّاً بي أن أقول: “رسالتك بعثتْ الدفء في روحي”؟ ولذلك فإن في فلسفة الألفاظ العربية ما يدلّ على البيئة التي نشأتْ فيها، وفي ذلك كتب “سلامة موسى” بحثاً ذكر فيه بعض النماذج، ومنها: أن العرب وهم يعيشون في بلادٍ حارّة، فقد صارت عندهم (الرّاحة) مُشتقّةً من (الرّيح)؛ أي النسيم اللطيف الذي يُخفّف عنهم عناء الحَرّ، وصاروا يعتبرون (البرد) ومُشتقّاته من الألفاظ مُحبّباً إلى النفس، فيقولون: (برد اليقين) و(أثلج الله صدرك). إن لُغتنا العربية تزخر بمُفردات وتعبيرات غاية في البلاغة والجمال، ولكن امتزاج الثقافات الناتجة عن تأثير العولمة وترجمة الآداب العالمية إلى العربية؛ أنتج مُفارقات طريفة أخذت طريقها من خلال المقالات والكُتب والدواوين الشّعرية الأجنبية، وتسلّلتْ بين ثنايا الكُتب العربية وصفحات الروايات وقصائد الشّعر. فنجدُ أن كثيراً من العبارات والأقوال الأجنبية المُستعارة من ثقافات أُخرى، مثل: (لقد صنعتَ يومي)، (شكراً بحجم السماء)، (الشيطان يكمن في التفاصيل)، (المصائب لا تأتي فُرادى)، (زوبعة في فنجان)، العشب أكثر خُضرة على الجانب الأخرى)، (لا تبكِ على الحليب المسكوب) .. وغيرها مما تحتويه الكتابات العربية وتُستخدم في سرديات من صميم البيئة العربية! وربما كان أوضح الاختلافات بين البيئات العربية وغيرها يتمثّل في المناخ، وهو حديث ذو شُجون؛ فبالرغم من تحوّل العالم إلى قريةٍ صغيرة، بفعل التقدّم التّقني، وخاصّة في وسائل المواصلات والاتصالات وما يتبعهما من التبادل الثقافي والتجاري، وتشابه أساليب الحياة بين بني البشر، إلا أن المناخ يختلف بين البُلدان اختلافاً جذرياً. فمناخ منطقتنا العربية فصلين طويلين هُما الشتاء والصيف، بينما تَعرف مناطق أُخرى في العالم تعاقُب الفصول الأربعة، حيث تخلع الطبيعة في كلّ فصلٍ ردائها لتزهو بلباس جديد: الأخضر للربيع والصيف، والأصفر للخريف حين تبدأ الأشجار بالتحرّر من أوراقها الصفراء المُتطايرة فتُسمع خشخشتها تحت أقدام المُشاة، والأبيض للشتاء حين يُغطّي الثلج الأرض والأشجار وأسقُف البيوت. ونحن لا ننسى حظّنا من جمال الشتاء في بلادنا، فنستمتع به أكثر من بعض المناطق الباردة التي تعيش في صقيع الثلوج شهورا ًتُجبر الناس على المكوث أسرى في منازلهم. أما ربيعنا فنزعُم أنه الأجمل على سطح الأرض، وأبيات “البحتري” الشهيرة شاهدة على ذلك، حين يقول: أتاكَ الرّبيعُ الطّلقُ يختالُ ضاحكاً منَ الحُسنِ حتى كادَ أنْ يتكلّما وقد نبّه النّيروز في غسَقِ الدُّجى أوائلَ وردٍ كُنّ بالأمسِ نوَّما