علي الأمير.. تنوع المشروع ، وجودة الكلمة.
الجمع بين جنسين أدبيين لدى المبدع أمر مربك ، وقد يكون صعبا عليه ذلك ، لأن المبدع قد يرجِّح ميزان أحدهما على حساب الآخر ، فينصرف إليه بكامل قدرته لغة وأسلوبا ، ثم يظهر الآخر أقل منه ، وبالتالي قد ينصرف الناقد أو القارئ عنه. أما [علي الأمير] فالأمر مختلف لديه ، وهو المعني بالتنوع في مشاريعه. علي المشغول بالنقد وتتبع المشاريع الإبداعية في الداخل والخارج ، وهو الكاتب للقصيدة بتأمل السارد وعمقه وإحاطته ، والرواية بجنون الشاعر المتجاوز . علي الأمير المتنوع حدَّ الدهشة من مقدرته على الكتابة في الشعر والرواية والنقد والسيرة- سيرة المكان والإنسان والتاريخ - ثم عن الغناء وأهله وخاصته من المغنين والملحنين شرقا وغربا من المغرب إلى مصر ثم اليمن ، والمتقن لكل هذا التنوع ، فهو كتب حبّه وأرضه وعوالمه الكثيرة ذات الخصوصية المدهشة من قريته بأقصى المخلاف السليماني ، ثم سار إلى (صنعاء) التاريخية أحيائها وأزقتها ، بساطتها الاجتماعية وانقساماتها الدينية ، ساكنيها وقضاياهم الكبيرة منها والصغيرة الشائكة المسكوت عنها ، ثم صراعاتهم الهشة التي لا تقاوم احتياجهم إلى بعض في تيسير يومياتهم الصعبة . علي الأمير يملك القدرة العجيبة على رسم الشخصيات في رواياته بكامل تفاصيلها الاجتماعية والنفسية والجسدية ، فما أن تقرأ وتمر عليك إحداها في إحدى الصفحات فستقفز فورا إلى ذهنك وتتخذ مكانها ثم لا تغادره. علي الأمير عندما يكتب يحيكُ الكلمات بروية ودقة متناهية حتى تصبح قطعة أدبية فارقة في الأدب العربي ، ينظم الحرف بجانب الحرف كما ينظم عقد الفل حتى تخرج قصائد ملؤها العطر والحنين والحب. عندما تقرأ له تشعر أن غيمة كبيرة ترافقك ثم ينهمر مطرها وتمتلئ بالانشراح والطمأنينة بأن هناك كلمة خضراء مورقة ودائمة الربيع لن يمر الخريف عليها ولن تجف. علي الأمير حين كتب (بوصلة واحدة لا تكفي) وما معها من قصائد فقد اشتغل على القصيدة العربية كما يجب أن تكون دون ضجيج يخرجه من الحالة الإبداعية إلى فضاء الترويج والتسويق المستنزف للمبدع. وعندما كتب (قاع اليهود) جمع بين فنَّي السارد والشاعر في تنقلات العمل من الصفحة الأولى إلى الصفحة الثانية والثمانين وثلاثمائة ، فكانت اللغة شاعرية مختلفة مدهشة ومتسقة مع عمل طويل كهذا ، وكان في سرده قادرا على حضور الشخصيات بوضوح تام وتميز لكل شخصية على حدة وبأدوار ليست سهلة ، بل معقدة ، لكن قدرة علي على نسج الأحداث تجعل القارئ يمسك بمكامن الدهشة ، ويسير بسهولة ومتعة فائقة ، بل يتضامن مع (خالد ، ومنيرة ، وصبرية ، ولوزة) ، ثم يعقد معهم صداقة فيبقون معه لا يغادرون ذاكرته إلى الأبد. علي الأمير كتب أيضا (أرحْ جوادك - أسارير البلاد - صنعاء - تأويل الغيم - غصون - أهل المغنى - كواليس المعنى - وجع الياسمين.) وكل كتاب من هذه له حضوره في مجاله بين النقد والشعر والرواية والسيرة والفن. ملخص القول : إن [علي الأمير] صنع اختلافا كبيرا في مشروع الكتابة ، ويكمنُ هذا الاختلاف في المثابرة على العطاء والتنوع فيه ، ثم لا يسير إلى الأضواء أو يبحث عنها.