الكتب الممنوعة.. أين ذهبت..؟!

كان سؤال «هل الكتاب مفسوح؟» واحدًا من الأسئلة المعتادة في المشهد الثقافي السعودي. لم يكن سؤالًا هامشيًا، ولا إجراءً إداريًا يعرفه الناشر وحده؛ كان أحيانًا جزءًا من حكاية الكتاب نفسه.  نسمع عن كتاب صدر في الخارج ولم يُفسح له في الداخل، وآخر بقي ينتظر طويلًا، وثالث لا تجده إلا في معرض كتاب خارج المملكة، أو يعود به قارئ في حقيبته وهو لا يعرف إن كان سيمر بهدوء من الجمارك أم سيُطلب منه تركه هناك. كان للكتاب الممنوع، في ذلك الزمن، جاذبية خاصة. يكفي أن تسمع أن رواية أو كتابًا لم يُفسح له حتى تبحث عنه، وربما تقرأه لا لأن موضوعه يعنيك كثيرًا، وإنما لأن المنع صنع حوله سؤالًا: ماذا فيه حتى مُنع؟ والأطرف أن بعض المؤلفين أدركوا هذه المعادلة جيدًا. لم يكن المنع بالنسبة إليهم خبرًا سيئًا دائمًا؛ ففي حالات كثيرة كان دعاية مجانية لا يستطيع الناشر شراء مثلها.  يتحول الكتاب المحدود التوزيع إلى حديث المجالس والصحف والمنتديات، ويتناقله القراء، ويبحث عنه من لم يكن يفكر أصلًا في شرائه. وربما كان قرار المنع أحيانًا أكثر قدرة على تسويق الكتاب من حملة إعلانية كاملة. لكن الوجه الآخر للحكاية لم يكن طريفًا على الإطلاق. هناك مؤلفون كانوا يقدمون كتبهم وينتظرون أشهرًا، وربما سنوات، دون أن يعرفوا بوضوح لماذا تأخر الفسح، وما الملاحظة، ومن صاحبها، وكيف يمكن معالجتها.  وقد يبقى الكتاب طويلًا بلا فسح، ثم يُسمح به بعد ذلك، فيما يظل السؤال قائمًا: ما الذي تغير؟ النص هو النص، والمؤلف هو المؤلف؛ فمن رفض بالأمس؟ ومن وافق اليوم؟ وهل تغير المعيار أم تغيرت القراءة أم تغير الشخص الذي يقرأ؟ كانت تلك واحدة من مفارقات الرقابة الثقافية القديمة: أن القرار قد يكون حاضرًا، بينما أسبابه غائبة عن صاحب الكتاب وعن القارئ معًا. اليوم يبدو المشهد مختلفًا إلى درجة لافتة. متى كانت آخر مرة سمعنا فيها عن كتاب سعودي أثار قضية عامة لأنه لم يُفسح؟ ومتى بحثنا في معرض كتاب عن نسخة «ممنوعة» جاءت من الخارج؟ ومتى أصبح فسح الكتاب أو منعه موضوعًا ثقافيًا يتناقله القراء؟.. بالكاد يحدث ذلك الآن..! ولنقلها بصراحة أيضًا: ربما لا تكون الحكاية كلها أن الرقابة أصبحت أكثر تسامحًا، فقد يكون جزء منها أننا نفتقد اليوم ذلك النوع من الكتّاب الجريئين الذين يخرجون عن النص المألوف، ويذهبون بأفكارهم إلى مناطق شائكة، ويضعون الجهة المسؤولة عن الفسح أمام اختبار حقيقي: هل تجيز هذا الكتاب أم تمنعه؟ كان بعض الكتّاب يكتب وهو يعرف أنه يقترب من الخط، وربما يتجاوزه، لا رغبة في المنع لذاته، وإنما لأن وظيفة المثقف في نظره لم تكن أن يقول ما هو متفق عليه فقط، وإنما أن يختبر المسكوت عنه، ويطرح السؤال الذي يتجنبه الآخرون. وكانت الصحافة الورقية تجد في هذه الحالات مادة ثقافية دسمة؛ خبر عن كتاب لم يُفسح، وحوار مع مؤلفه، ومقال يدافع عنه، وآخر ينتقده، ونقاش يمتد إلى الصفحات الثقافية والمجالس والمنتديات. وأحيانًا كان الجدل حول الكتاب أكبر من الكتاب نفسه، لكنه في كل الأحوال كان يمنح المشهد الثقافي حرارة وحيوية وشعورًا بأن هناك أفكارًا تتدافع، وحدودًا تُختبر، وأسئلة لا تمر بهدوء. اليوم نفتقد شيئًا من هذه الحرارة. ولذلك لا ينبغي أن نسأل الجهة الرقابية وحدها: لماذا لم تعودي تمنعين؟ علينا أن نسأل المثقف أيضًا: هل ما زلت تكتب ما يمكن أن يحرج الرقابة أصلًا؟ هل اتسعت مساحة الحرية إلى درجة أن ما كان ممنوعًا بالأمس أصبح عاديًا اليوم، وهذا تحول إيجابي بلا شك؟ أم أن بعض المثقفين والكتّاب اختاروا، بوعي أو من دونه، المنطقة الآمنة؛ نصوصًا لا تصطدم، ولا تستفز السؤال، ولا تقترب كثيرًا من المساحات التي يمكن أن تثير جدلًا؟ ليس المطلوب بالطبع أن يكتب المؤلف بحثًا عن المنع، ولا أن تصبح الجرأة مرادفًا للاستفزاز؛ فالمنع ليس شهادة جودة، والضجيج ليس دليلًا على القيمة. لكن الثقافة التي لا يختبر كتّابها حدود الممكن، ولا يطرح مثقفوها الأسئلة الصعبة، تفقد شيئًا من وظيفتها مهما كثرت إصداراتها. وهنا تصبح المفارقة أكثر إثارة: هل غابت الرقابة، أم غابت الجرأة؟ هل اتسعت الحرية، أم أن المثقف آثر السلامة؟ وربما تكون الإجابة موزعة بين الاثنين: مساحة أوسع من الأمس، يقابلها أحيانًا كاتب أكثر حذرًا من الأمس. ومع ذلك، لا يمكن قراءة هذا التحول من زاوية الجرأة والرقابة وحدهما؛ فالمشهد الثقافي نفسه لم يعد كما كان، وتغيرت معه طرق الكتابة والنشر والوصول إلى القارئ. وهذا بالتأكيد تحول يستحق الترحيب من زاوية اتساع مساحة النشر، وتغير المجتمع، وتعدد المنصات، وسهولة وصول الأفكار إلى الناس.  فالكتاب نفسه لم يعد المنفذ الوحيد للأفكار كما كان في السابق؛ ما يمكن أن يُكتب في ثلاثمائة صفحة قد يقوله صاحبه اليوم في تدوينة أو بودكاست أو مقطع أو منصة اجتماعية، ويصل خلال ساعات إلى جمهور يفوق ما تصل إليه طبعات عدة من كتاب. لكن اختفاء أخبار المنع لا يعني بالضرورة اختفاء المنع نفسه. وهنا يبدأ السؤال الذي أظن أنه يستحق أن تطرحه المؤسسة الثقافية والإعلامية على نفسها: ماذا نمنع اليوم؟ لا أعرف، وأظن أن كثيرًا من المهتمين بالكتاب لا يعرفون أيضًا. كم كتابًا تقدم للفسح خلال العام الماضي؟ كم كتابًا أجيز؟ كم كتابًا لم يُجز؟ ما أبرز أسباب عدم الإجازة؟ وهل تتكرر الأسباب نفسها؟ وكم يستغرق الكتاب في المتوسط منذ تقديمه حتى صدور القرار؟ هذه ليست معلومات أمنية، ولا أسرارًا ينبغي أن تبقى خلف الأبواب. إنها في تقديري جزء من مؤشرات حالتنا الثقافية، ويمكن أن تمنح الباحث والناشر والمؤلف والقارئ صورة مهمة عن تطور المجتمع وعن تطور معايير النشر نفسها. لذلك أتمنى أن تصدر الجهة المسؤولة عن فسح الكتب تقريرًا ربع سنوي مختصرًا وشفافًا: كم طلبًا استقبلت؟ ماذا فسحت؟ ماذا لم تفسح؟ ولماذا؟ ليس بالضرورة التشهير بكتاب أو مؤلف، وإنما نشر المؤشرات والتصنيفات والأسباب العامة، وربما بعض الحالات التي لا مانع من إعلانها. عندها نستطيع أن نفهم كيف تعمل الرقابة اليوم، وكيف تغيرت مقارنة بما كانت عليه قبل عشر أو عشرين عامًا. لكن هناك سؤال آخر ظل يراودني منذ زمن: لماذا يكون فسح الكتاب من اختصاص الإعلام أصلًا؟ الكتاب منتج ثقافي قبل أن يكون منتجًا إعلاميًا. والمؤلف جزء من المشهد الثقافي، والناشر يعمل في صناعة ثقافية، ومعارض الكتب فعل ثقافي، والقراءة مشروع ثقافي، وصناعة النشر بكاملها ترتبط بصورة مباشرة بالثقافة. ولذلك يبدو منطقيًا، على الأقل من زاوية تستحق النقاش، أن تكون الجهة الثقافية هي الأقرب إلى ملف الكتاب، وأن تكون وزارة الثقافة حاضرة بصورة أكبر في تنظيمه وتقويمه والتعامل معه، بدل أن يبقى الفسح في الإطار الإعلامي ممثلًا في هيئة تنظيم الإعلام. وقد تكون هناك اعتبارات تنظيمية وتشريعية تفسر هذا الاختصاص، لكن وجود وزارة للثقافة، ونمو صناعة النشر، والتحولات الكبيرة التي شهدها المشهد الثقافي السعودي، كلها تجعل السؤال مشروعًا: ألا يستحق تنظيم الكتاب وفسحه أن يُعاد النظر في موقعه المؤسسي؟ المقصود هنا ليس الدعوة إلى نقل اختصاص لمجرد النقل، ولا القول إن جهة ستسمح بما تمنعه جهة أخرى. القضية أعمق من ذلك: كيف ننظر إلى الكتاب؟ هل نتعامل معه بوصفه «محتوى» يحتاج إلى رقابة وتنظيم، أم بوصفه منتجًا ثقافيًا يحتاج إلى سياسات ثقافية واضحة، تكون الرقابة جزءًا منها وليست تعريفًا لها؟ لقد تجاوزنا، لحسن الحظ، ذلك الزمن الذي كان القارئ يعود فيه من السفر وفي حقيبته كتاب يخشى أن يُصادر، أو ينتظر معرض الكتاب ليبحث عن عنوان لم يجده طوال العام. وتغيرت المملكة، وتغير المجتمع، واتسعت الثقافة، وأصبح سقف النقاش مختلفًا تمامًا. وربما لهذا السبب تحديدًا حان الوقت لأن تتغير أسئلتنا أيضًا. لم يعد السؤال المثير: ما الكتاب الذي مُنع؟ السؤال الأهم اليوم: ما الذي ما زلنا نمنعه؟ ولماذا؟ ومن يقرر ذلك؟ ووفق أي معايير؟ وهل يعرف المؤلف سبب القرار؟ وهل نستطيع أن نرى أرقامًا معلنة تقيس حجم هذا الملف وتحولاته؟ بعد سنوات كان فيها «الكتاب الممنوع» بطلًا صغيرًا في حكاياتنا الثقافية، سيكون جميلًا أن نعرف كيف انتهت الحكاية. هل اختفت الكتب الممنوعة فعلًا؟ أم أننا فقط… لم نعد نسمع عنها؟ *كاتب اعلامي