لماذا لا يموت التنجيم؟

كلما اتسعت قدرة الإنسان على معرفة العالم، لم تتراجع بالضرورة حاجته إلى معرفة المجهول. فقد استطاع العقل أن يرصد حركة الكواكب بدقة، ويحسب الكسوف والخسوف، ويحدد مواقع الأجرام على مسافات تتجاوز الخيال، ويرسل المركبات إلى الفضاء؛ لكنه ظل يطرح على السماء سؤالًا من نوع آخر: ماذا تخبئ لي الأيام؟ هنا تبدأ قصة التنجيم، لا بوصفه مجرد اهتمام بالنجوم، وإنما باعتباره تعبيرًا عن حاجة إنسانية عميقة إلى تحويل المجهول إلى معرفة، والقلق إلى يقين، والمصادفة إلى معنى. فالمستقبل مفتوح بطبيعته، وانفتاحه يعني أن الإنسان لا يستطيع ضمان نتائج اختياراته، ولا معرفة ما ينتظره غدًا، ولا تفسير كل ما يصيبه. ومن هذه المنطقة النفسية ينشأ إغراء الإجابة الجاهزة: أن تمنحه النجوم، أو الأبراج، أو الأرقام، أو غيرها، خريطة مسبقة لما سيأتي. ولذلك فإن بقاء التنجيم، رغم التقدم الهائل في العلوم، لا يكشف قوة حجته بقدر ما يكشف استمرار حاجة الإنسان إلى الاطمئنان أمام ما لا يستطيع السيطرة عليه. وهنا ينبغي التمييز بين النظر في السماء بوصفه معرفة علمية، وبين التنجيم الذي ينسب إلى الأجرام السماوية دلالات على طباع الإنسان أو مستقبله أو حوادث حياته. فالفلك الحديث يقوم على الرصد والحساب والنماذج القابلة للاختبار، بينما يقفز التنجيم من مواقع الأجرام وحركاتها إلى نتائج تتعلق بالإنسان من غير رابطة سببية يمكن إثباتها. وليس في الإسلام خصومة مع النظر في الكون؛ فالقرآن يلفت النظر إلى الشمس والقمر والنجوم، ويجعل من النجوم وسائل للاهتداء، ويدعو إلى التفكر في خلق السماوات والأرض. ولذلك فرّق العلماء بين معرفة النجوم للاهتداء والحساب ونحو ذلك، وبين التنجيم الذي يتجاوز هذه الوظائف إلى دعوى التأثير أو معرفة الغيب. وليس المقصود إغلاق باب المعرفة الفلكية، وإنما التحذير من ذلك اللون من المعرفة الذي يجعل النجوم طريقًا إلى الغيب أو سببًا مستقلًا في الحوادث. فالمشكلة ليست في أن ينظر الإنسان إلى السماء، وإنما في السؤال: ما الذي يعتقد أنه يستطيع أن يعرفه منها؟ أتخافُ من زُحلٍ وترجو المشتري وكلاهما عبدانِ مملوكانِ؟ — أبو محمد القحطاني قوة هذا البيت لا تكمن في نقد المنجمين فحسب، وإنما في كشف البنية العميقة للتعلق بالنجوم: الخوف والرجاء. فالإنسان حين يخاف جرمًا سماويًا أو يرجوه، لا يكتفي بتفسير العالم، بل يمنح مخلوقًا موقعًا في نفسه يتجاوز حقيقته. ومن هنا يتحول النجم من آية تدل على الخالق إلى قوة متخيلة يُظن أنها تشارك في صناعة المصير. ومن هذه الزاوية يصبح نقد التنجيم أوسع من مجرد السؤال عن صحة الأبراج؛ إذ إن المشكلة تبدأ في طريقة بناء العلاقة بين الأشياء. يرى الإنسان تزامنًا بين ظاهرتين، فيحوّله إلى علاقة سببية، أو تقع مصادفة توافق توقعًا سابقًا، فيمنحها معنى عامًا، ثم يتجاهل الحالات الكثيرة التي لم توافق ذلك التوقع. وحين يفشل التنبؤ، يمكن إنتاج تفسير جديد يحمي الاعتقاد من السقوط. وهكذا يصبح النظام التنجيمي قابلًا للتأويل أكثر مما هو قابل للاختبار. وهنا يفسر علم النفس جانبًا من جاذبية الأبراج. فالإنسان يميل إلى ملاحظة ما تؤيد اعتقاده، وإلى منح العبارات العامة معنى شخصيًا خاصًا به. والوصف الذي يقول للمرء إنه اجتماعي لكنه يحب العزلة، حازم لكنه حساس، يحب الاستقرار ويبحث عن التجديد، يستطيع أن يجد طريقًا إلى نفوس كثيرة؛ لا لأنه اكتشف خصوصية الشخص، بل لأنه صيغ بطريقة تسمح له بأن يرى نفسه فيه. وحين تصيب عبارة واحدة مما قرأه الإنسان، قد يمنحها وزنًا يفوق عشرات العبارات التي أخطأت. ومن هنا لا يبقى الأمر مجرد قراءة عابرة؛ إذ يمكن أن يتحول الوهم إلى سلطة على الاختيار. فالإنسان لا يملك المستقبل، لكنه يملك موقفه منه وقراراته تجاهه. أما حين يجعل برجه مرجعًا لاختيار شريكه، أو الحكم على شخصية إنسان، أو تحديد موعد سفره، أو تفسير نجاحه وإخفاقه، فإنه يستبدل مسؤولية الاختيار بخريطة جاهزة. وقد تبدو هذه الخريطة مريحة؛ لأنها تخفف عبء القرار، لكنها في المقابل تنتقص من استقلال العقل والإرادة. وليس جديدًا أن يتكيف الوهم مع أدوات العصر. كانت له جداول وكتب، ثم صفحات في الصحف والمجلات، ثم مواقع وتطبيقات، واليوم يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعيد إنتاج خطاب التنجيم بلغة أكثر سلاسة وإقناعًا. لكن من الخطأ وصف الذكاء الاصطناعي بأنه «منجم رقمي»؛ فهو لا يؤمن بالأبراج ولا يملك اعتقادًا مستقلًا بها، وإنما يستطيع توليد النصوص استنادًا إلى الأنماط والمعلومات التي يعالجها. والمفارقة أن التقنية التي تمثل إحدى ثمار المنهج العلمي الحديث يمكن أن تُستخدم أحيانًا لإعادة إنتاج الخرافة القديمة؛ لا لأن الآلة تؤمن بها، بل لأن الإنسان ما زال يطلبها. وهنا تكمن المسألة الأعمق: التكنولوجيا تغير الوسيط، لكنها لا تلغي قابلية الإنسان للوقوع في الوهم. فإذا كان الإنسان يبحث عن إجابة ترضي خوفه أكثر مما يبحث عن حقيقة يمكن اختبارها، فإن الآلة تستطيع أن تمنحه الوهم نفسه في صياغة أكثر أناقة، وربما أكثر إقناعًا. لهذا لا ينتصر التنجيم لأنه امتلك يومًا مفاتيح الحقيقة الكبرى، وإنما لأنه يخاطب حاجة قديمة في النفس البشرية: الرغبة في أن تعرف ما لا تستطيع معرفته، وأن تجد سببًا حيث لا تملك سببًا، وأن تمنح المجهول شكلًا يمكن احتماله. والنضج الفكري لا يعني أن يمتلك الإنسان جوابًا عن كل شيء، بل أن يعرف حدود ما يستطيع معرفته، وأن يفرّق بين الاحتمال واليقين، وبين المصادفة والسبب، وبين العلم والوهم. أما الإيمان فلا يعد الإنسان بإلغاء المجهول، وإنما يعلمه كيف يقف أمامه دون أن يعبده؛ فيطمئن إلى الله، ويستخدم عقله، ويتحمل مسؤولية اختياره، ولا يبحث عن مصيره في حركة نجم، أو اسم برج، أو إجابة خوارزمية. فليست المشكلة أن الإنسان ينظر إلى السماء؛ المشكلة أن ينسى، وهو ينظر إليها، من خلقها.